ديوان "صمت كصلوات مفقودة "لسليمى السرايري - الناقد مراد ساسي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    ديوان "صمت كصلوات مفقودة "لسليمى السرايري - الناقد مراد ساسي

    الشاعر والناقد التونسي


    مراد ساسي



    تقديم : " قد يكتبُنا الماء "
    سليمى السرايري في مجموعتها الشعرية :


    "صمت كصلوات مفقودة"

    22426068_10210812587127573_1317516360_o.jpg


    يذهب أدونيس " قائلا :
    " ليس الشعر استعادة بل شهوة وكما أن الطفل يلعب لكي يبطل أن يكون طفلا ، كذلك الشاعر يكتب ليكون ما يشتهي وليمتلك حياته "
    * تنطلق قصيدة النثر من وعي مبدئي بطبيعة التغير كحقيقة دينامية تشكل تصوراتنا عن الوجود والحياة وكذلك الصراع الذي يضفر ثالوث الوجود (الله / العالم / الإنسان) وينعكس ذلك على إيمان الشاعر وطريقة القراءة والتأويل لوجوده وذاته فيسعى جادا لتفتيت الموروث والمجهّز والجامد المعلّب عن طريقة آليات وطقوس لإحداث الدهشة والجمالية، ولخلق وعي مغاير بالوجود، حقائقه ومضمونه، لأن الشعر يدخلنا في حالة من الوجل النفسي ، ناتجة عن جماليات النص ، وشفافية المشاعر ، وروعة الأسلوب ، والنغمية المتولدة في الألفاظ والتراكيب وتلك العلاقات الجديدة التي أبدعها الشاعر بين الألفاظ والتراكيب . وهذا ما تحققه قصيدة النثر .

    ولأن القصيدة لا تخلو من أصوات مختلفة عابرة للمكان وللزمان...سنلج عالم الشاعرة سليمى السرايري من خلال سفر تأويلي في محاولة لفك شفرة النص واستجلاء المتعة القصوى، وهنا فأنا لا أميز بين القاريء الباحث عن المتعة والناقد باعتباره كذلك قارئا باحثا عن هذه المتعة أيضا :

    والمجموعة تنقسم إلى جزئين الأول : أبواب أعياها القدم
    أما الجزء الثاني : فواكه العشق
    ~~******~~
    وكلا القسمين سفر في اللاّمرئي واحتفاء بالمخيال الخصب للشاعرة ناهيك أنها رسامة تشكيلية وفنانة تحترف سحر الألوان وتمازجها مع روحها المعرجة إلى منتهى حافة الإبداع القصي ...
    فهي تتقن الإبحار بين تراتيل الصمت وحدائق العشق ..وكأنها تزفنا نبوة قادمة من شرفات السماء تسبيحا وصليلا لأبواب هي فاتحة قلبها العاشق الصوفي أبدا ومن خلالها تأكيد الوجود الإنساني السامق ...
    هي رحالة لا تتراجع متمردة لا تتردد وتلك هي فتنة المغامرة التي تحملنا إليها :
    -
    " تجيء السماء بالياسمين تُخيط الثواني ضوء "
    " قديما حفظت "
    " قديما كتبتك على أطراف ثوبي"
    " فمنْ أيّ حنين إذا ما غرقنا نعود ؟؟ "
    -

    إن قراءة قصيدة الشاعرة سليمى السرايري، هي قراءة مصاحبَة بدهشة، لا تتخلى عنك. دهشة منفلتة من عاديات ما تعوّدت عليه. فهي قصيدة ذات شفافية لامعة تسلب من المتعاليات سلطتها، وتنطلق من لغة تريد أن تَشُبّ عن الطاعة، لغة تَشْحَدُ كامل بريقها لتسفك دم الهيكل التصويري للجملة الشعرية، الذي يتمّ الإشتغال عليه بفعل العادة
    . صمت كالصلوات أمام أبواب قديمة تمتد على طول المشهد ..
    وقفت تتتابها حيرة ريلكا والكثير من الحماس وروح الإستكشاف والحس العميق بالأشياء وبالطبيعة الأم وشريك في الرحلة لا يزال بعيدا :
    -

    "
    فأطبَقْتُ كفّي على الأُرْجوانِ المُمتدِّ إلى أوَّلِ بابٍ أعماهُ القِدَمُ "
    " أنتَ وحْدكَ ترى الأشجارَ حقائبَ لهجْرَتِنا الصغيرةِ "
    " تُوزِّعُ سُلَّمَ الزَّفَراتِ على جَوْقَةِ الخَاسرينَ .. "
    -

    ومما لمسته حدسا وادراكا – من خلال مجموعتها التي بين
    يدي- في استيعاب هذه الشاعرة لوظيفة اللغة الشعرية أصبحت معه لغة مفارقة وبنية معزولة عن الإعتيادية لغة تحتمي بلعبتها الداخلية وهي تقيم احتفالا لــ " كيمياء الشعر ...
    -
    " سأعلّق صرختي بمجرّة الصمت البعيدة "

    " أبتكر حنجرة للوطن الدامع "
    " الليل يرسم حلكته على مرمر الوقيعة"
    ويخبّئ الطوفان على زاوية المبكى"
    " كلُّ المدائن أعدّت أرصفتها لطوابير المبعدين "
    " فيدورُ الوجعُ على عجلٍ"
    " نعبُرُ ذاكَ الصراط "
    -
    منذ الوهلة الأولى لقراءة نص الشاعرة سليمى السرايري، يشعر المتلقي وبإدراك أنها انتقت حروفها بعناية ودقّة بما يتماهى ويتناغم مع حيثيات الجمل الشعرية المتّسمة بحزمة رؤى كثيفة ومتنوعة ، اضافة إلى نبرة اللغة الشعرية المتسللة وفقا لما يجول في خاطرها وعلى نحو متأمّل فطن وحذر من الإفراط في جمل مطاطية مستلهكة إن صح التعبير . ويعانقك حلم الإرتقاء إلى السموات الرحيبة ...يسافر بك لتشاكس الشاعرة السموات والروح بقيثار الشوق إلى التجلي خارج طين الخبال المجبول في القلوب الصامتة والعيون المنكسرة فتجرّك إلى عالمها في تمرد فريد :
    -
    "
    أحاول اختراق مسافات الخُواء
    يسكنني جرح كصمت مفروشٍ
    على حدّ الإنتهاء
    هناك في المنعطفِ الأخير
    تتعثّرُ أحلامُنا
    توقظُ النّائمين من بياضهم
    لا وقتَ للإنتظار "
    -
    وبتعبير أدقّ تتجنب الشاعرة الولوج في الاستغراق بين الشد والجذب كما يفعل نظراؤها الشعراء والشاعرات الذين اعتاد بعضهم يكثفون في جملهم معتقدين انها تعزز من قدراتهم
    . فقد لجئت الشاعرة إلى الأسلوب المقتضب في رسم هواجسها، وتوجساتها الشعرية عبر تحديد الأماكن التي أحاطت من خلالها صورها الشعرية وبشكل هادئ يخلو من الضجيج والنأي بنفسها عن كلّ مايجعل الصور مؤطرة بالغموض أو يسودها الإبهام..
    -

    "
    جاثية على أناملها تبكي

    وتارة تشعل ضفائرها للقادمين "
    " كانت نملة تتعرّى للنازحين من النمل"
    " تشاهدُ عبثيّة الأرض"
    " أشجارُ صامتة وغيم دون مقاومة يغازلها"
    " كيف نفقد خارطة الطريق ؟؟"
    " هذا الزمن جسدي"
    " هناك مسافة للانبعاث من جديد "
    -
    بلغة أنيقة نستشف بذخها المعاصر، تكتب شاعرتنا ، قصيدتها المضيئة، التي تعمل على تهريبها من مجالها المحدود بالرؤية إلى مجال انزياحها الترميزي. والترميز هنا ليس اشتغالا على علامات بأدوات مستهلكة، وإنما هو بنية ذات قوة واضحة، ومُمَنهَجة لا تبتغي التوسط للإدراك الذي يمنع القارئ من النظر مباشرة لعيني القصيدة.. لتمضي بنا إلى حيوات وعوالم مدهشة جديدة .. لتعبر بنا ضفة المجاز إلى رحلتها الوجدانية الفارهة والعجيبة بين شجن وفرح نادر ممهور كتنهيدة بين الأضالع من زمن معتّق بالذاكرة معلّق على ضفاف العمر بين المشتهي والتخثر والوجع المعقود بالخوف كما عبرت عنه بمنتهى الألق الشاعرة :
    -
    "
    أيّها العمر المقتول على ضفاف الوجع "

    " متى تبدأ طقوس السماء؟"
    " الشمس "
    " معقودة بالخوف"
    " شجرة تتعرّى تشتهي مطرا"
    " محاطة بالانتظار "
    -
    داخل هذه القصائد انفتاحا غير مُفتَعَل على السرد والحكاية والأسطورة والترميز والمجاز المدهش إلى جانب الإيقاع الساحر والجماليات الغنائية المطرزة بعلاقات مُعْجمية غير مألوفة، تقوم على تحرير الكلمات من شبكية ذاكرتها. وإطلاقها من جديد
    . وخاصة في منسوبها الخيالي الباذخ الذي ينطلق بانسيابية كماء سلسبيل رغم مسحة الحزن ونواقيس الشجن المنطلقة من كنائس الروح كأناجيل تؤجج خيمة الفوضى في الغرف الجوانية وتؤجل الفرح الذي قوسته الهزائم في حدائق عمرها المغمور بأتربة الانتظار المرّ إلى مطر يطهرها من لوثة الجفاف ..
    -

    "
    هل يعود روميو حبيبي من جزر السماء ؟؟ "
    " الخريف يعود ... والسماء تنزلق في خطوتي"
    " كلّ الأشجار قوستها الهزائم
    كلّ الثلوج دافئة يا مطر إلاّ ثلجي
    وحده روميو حبيبي ، لم يعد
    " لمن ترك مسلات المدى"
    " وغادر لجفاف أنثى تتربع على عرش النفاق"
    " آه يا مطر هل سيعود ؟؟ "
    -
    وهي محاولة ذات اجتهادات واسعة، لتهشيم الجمجمة الكلاسيكية للأسلوبية المتداولة، و ما يطبع فعل الكتابة لدى هذه الشاعرة، خاصة في مجموعتها التي بين أيدينا " صمت كصلوات مفقودة ".. التي تحتفي بعيدا عن الحياة العادية أو الحياة من وراء أقنعة، بقدر ما تعبّر عن تجربتها الذاتية، هذه التي نشهدها في قصيدتها التي ما انفكت تتوسع في كل مرة إلى حقول جديدة، متوسلة بصداقة المضيء المستتر في الذات العزلاء...السابحة في ملكوت العدم التي تنشد التعافي من علّة الاتصال بالمادة الطين ورائحة الدم المتخثر فينا .. انه الحلم حين يفتح بوابتك عنوة ..تمرد على الصمت على الجمود ..للإنتشاء الثمل البعيد بتسابيح تفتح الروح على صوفية عاشقة واتحاد بين الوله الحميم في محراب الحب وبين الخيال المجنّح إلى عالم النور بعيدا عن جلبة الحواس قيد الطين :
    -

    " تمدد كخيوط فجر في وجه الصمت"
    " ثائرةً على جمود اللوحة..."
    " وأجلس في شغف الانتظار
    مع غائب كلما طالع خارطتي... تاه عني"
    " الآن، لي رغبة البكاء
    حيث طاعة التسبيح في محراب حبيبي
    نصف قمر يباغتني
    حتماً ستعبث الساعة بموعدنا
    هناك تبدو كإله"
    " وأغرق في مشهد لعناقٍ خياليّ "
    -
    إنه شعر الذات الأكثر التصاقا بالصدق المفقود في زمننا هذا، الذي اتسعت شواهد كذبه واتسخت، تنازع التحليق بنا بعيدا عنه ..عبر السفر بأرواحنا إلى بيت عزّتها من إصحاح نبوّة تطلبها لتدركها ...
    علّها تمنحنا الحب والفرح والجمال ...في زمن عزت فيه هذه القيم وتكاد تأفل ..
    -
    " تسبـِقني النشوة قبل الاحتراق ؟ "
    "ها أنت هنا قبل الموعد بعمرٍ ودمعتين،
    " تُهرَع نحوك آلاف الجنيات"
    " أعدك بالوصول من الجهة المقابلة
    لننصهر معا في نقطة فراغ .. "

    أن الكلمة الشعرية لديها التي لا تحيل على أي شيء آخر غير ذاتها، ولا تدلّ إلا من خلال كيانها الخاص. عرفت صقلا مبرحا شَطَر جزءًا غير يسير من ذاكرتها وحمولتها اليومية، لتغدو كلمة شعرية شفيفة بشكلٍ طائر على مستوى المقطع الشعري، وهو ما لا يتأتى إلا بدِربة وحسن اشتغالٍ بليغ :

    " وجهُه هناك .."
    " كم انتظرتُ منذ أُسّستْ مُدنُ العشق "
    " كلّما أحببته أضيء أكثر .."
    " هناك في عتمةٍ متعبةٍ ، ألمحهُ "
    " يا رجلا ملامحه تتراقص في غفوتي "
    " هناك الأبديّةُ تركض نحو مرافئك "
    " خذني إليك فأنا آخر أنثى بلوريّة "
    " في داخلي حبلُ ضوء يبحثُ عنك "

    فما يتمّ تكثيفه عبر هذه القصائد، هو ما يتحوّل إلى مادة جديدة على مستوى اللغة، ينشدُ سلوكا خاصا مع ما تَسْتجدّه من لغة جديدة لها انزياحات على مجلات متعددة
    . ففي هذه القصائد بالمجموعة " صمت لصلوات مفقودة " يجد المتلقي نفسه محاصرا بمتلألئات دلالية، لا يستشعرها من جهة واحدة، تلألؤات عالية ونقيّة صافية العذوبة . فهي قصائد متألّقة وساحرة بهذا المعنى. ساحرة وجميلة، تُسْفِر على لياقة شعرية عالية بالنظر إلى طاقتها الهائلة المخربة لمفهوم القصيدة بشكلها السائد. وهو تخريب بالمعنى الإيجابي لا التجاوزي فقط. تحضر الذات داخلها في فعلها الحميمي واليومي، لتقول كل شيء. فالكلمات الموشومة فوق الورقة دائما لا تقول إلا ما وشمته.

    " لا رجلٌ غيُركَ يعيد لثغري فواكههُ الشهيّةَ

    يومضُ إلهاً من تينٍ وتوت"
    " ستلوّحُ لي المراكِبُ ... سأُبعثُ ثمرا "
    " ننتشي بالاحتمالاتِ .. قد يكتبُنا الماء. "
    " وبعض الأشياء القديمة، تُعاد"

    فالرضا الذي يحسه القارئ لهذا النص مُسْتَعْطي من إدراك لفعالياته الجمالية. عن تحيصل تجربة، عبر رؤية ومشروع جمالي له ما يميّزه
    . ولأنّ الكون ليس تراتبات من صياغات صلبة وجامدة ونهائية، كما يؤكد ذلك علماء الرياضيات، بل هو متحرّك ومتغيّر، وكذلك نص هذه الشاعرة سليمى السرايري " قد يكتبنا الماء " على صمت تراتيل العمر في صلوات أهملتها سيرة الغموض والمخاطر والبحث عن ماهيتنا عن ماهية الأشياء التي تتمازج وتتماهى معنا دون فكاك .

    ____________________________
    مراد ساسي : شاعر وناقد تونسي

    قراءة نقدية في شعر عبد الجبار عباس – صالح هشام
    قصيدة النثر : اشرف الجمال
    اللحظة الشعرية : قاستون باشلار
    مجموعة الشاعرة سليمى السرايري " صمت كصلوات مفقودة"

    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2



    الديوان الثاني "صمت كصلوات مفقودة "
    وقراءة نقدية للناقد التونسي الأستاذ مراد ساسي لم يمر بها أحد
    تظلّ الدواوين بصمة جميلة لكل شاعر يحاول أن يبدع ويترك الصدى الطيّب لدى المتلقي
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    يعمل...
    X