نوارس حزينة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حارس الصغير
    أديب وكاتب
    • 13-01-2013
    • 681

    نوارس حزينة

    أجلس على حافة البحر، أتأمل الأمواج تجرف بعضها، وثمة نوارس تحلِّق عاليًا، تبحث عن أسماك في عمق البحر. الروح معلقة والوجدان هائم، ومظلات هناك يكاد يقتلعها الريح.
    ثمة صبي وجهه أسمر، وشعره أكرث، يرتدي بنطلونًا أسود، فوقه قميص باهت لم يبق منه سوى زر واحد في منتصفه، يظهر عظامه البارزة عند الصدر. يحمل الصبي فوق كتفه صندوقًا كبيرًا أشبه بطاولة به ألعاب وأكياس ترمس وفول سوداني وعقود جميلة مصنوعة من محارات البحر.لا أعرف لماذا شدَّني عندما رأيته، ربما لأنني كنت يومًا في مثل عمره أحمل طاولة أو لأنه وحده الشاذ بهيئته بين بقية الموجودين على الشاطئ.
    ناديت عليه، وأعطيته خمسة جنيهات، وناولني كيسين ترمس.توهَّج وجهه بابتسامة لما طلبت أن يبقى بقية المبلغ لنفسه، وقبل أن ينصرف سألته عن اسمه، فأجابني: سالم.
    لا أعرف حكاية سالم الذي أخذ تفكيري، ولكن سأقترح عليكم الآتي.سالم يعيش مع أمه وثلاث بنات أصغر منه، يسكنون بالإيجار في شقة صغيرة بالدور الأرضي ببيت قديم مُعَرَّض للسقوط في أي وقت. بعد وفاة الأب ومعاشه الضئيل وأمام مصاريف الأسرة الكبيرة لم تجد الأم أمامها سوى أن تعمل في خدمة البيوت، لكن ذات يوم انزلقت قدمها، ورقدت في الفراش. بكت الأم وتحسرَّت على حالها وحال أولادها، وفكَّرت من أين سيأكلون.طبطب سالم على كتفها، وقال لها بعزيمة الكبار: "أنا سأعمل مكانك، وأبدًا لن نجوع".
    ظلت الأم صامتة وقلة الحيلة تمنعها من الرفض. واختار سالم أن يشتغل البيع بالطاولة. سالم ذكي بالفطرة يذهب كل يوم إلى الشواطئ ويجمع المحارات، ويصنع منها عقودًا رائعة. يخرج من بيته كل يوم بعد الفجر والنعاس يملأ عينيه، ويظل يدبُّ بطاولته في الشوارع والحدائق والأندية والشواطئ حتى آخر الليل. ساعات قليلة التي ينام فيها مع أمه وأخواته البنات.بالأمس ظلَّ سالم لوقت طويل دون راحة يصنع العقود.. يعرف أن الشاطئ يوم شم النسيم سيكون مكتظًّا بالزائرين، وبحدسه فكَّر أن ذلك سيتيح له رزقًا مضاعفًا. كانت أمه تتطلع إليه من فوق فراشها بإشفاق دون أن تقدر على مساعدته، تكتفي بالدعاء له في صمت.في الصباح وعند دخوله إلى الشاطئ، اعترضه المسئول عن الشاطئ، مُكشِّرًا في وجهه: "هي فوضى"!
    غمزه سالم بعشرة جنيهات في جيبه، ووعده بمثلها عند خروجه. طأطأ المسئول رأسه، واستدار بوجهه، فدخل سالم إلى الشاطئ بهمة ونشاط.مدَّ بصره على الشاطئ، مئات من النساء والرجال والأطفال منهم من يفترش الرمال، ومنهم من يسبح في البحر. أخذ سالم يتنقل بخفة فوق رمال الشاطئ، يعرض بضاعته بلغة جميلة تشبه الشعر. مرات ينجح ومرات يفشل، لكنه مع كل جنيه يدخل جيبه يبتسم بسعادة، وحلم امتلاء جيبه يكبر أمام عينيه.
    استوقفته أجنبية، شابة، بعيونها الزرقاء، وطلبت منه عُقدًا من المحارات. كان جسدها الأبيض مبللًا بالماء، والرذاذ يتساقط من شعرها. اختار لها سالم عُقدًا كبيرًا ورائعًا، فتبسمت الأجنبية، ورجته أن يضعه بنفسه حول عنقها. أنزل سالم الصندوق، ووضع العقد حول عنقها، ونظرات المحيطين به مشدودة إليه بحسد كبير.صافحته بحرارة، وسألته عن ثمنه. أجابها: "واحد دولار". ذهبت سريعًا، وجاءت بالدولار من حقيبتها.رائع سالم.. تعلَّم لغة الأجانب، وصارت حصيلته بكل العملات.
    قريبًا من سالم والأجنبية، كانت عائلة صغيرة من أب وأم وولد في مثل عمره وبنت صغيرة يفترشون الرمال، وكان بجوار الولد عوَّامة ونظَّارة بحر. سرح بخياله أن يجلس بدلًا من ذلك الولد، وبعد قليل ينزل إلى البحر يسبح فيه، بعد أن يضع العوَّامة في رقبته. استفاق من خياله على صوت الولد يناديه، فذهب إليه مهرولًا. طلب منه ولأخته عقدين وبالونات. مدً سالم يده وناوله العقدين والبالونات. أخذهم الولد وقال لأبيه وهو يشير بإصبعه لسالم: "نفسي أكون زيه".فرح سالم وأحس أنه كبير، أكبر من كل الموجودين فوق الشاطئ.. أكبر من كل الناس، لكن فرحته لم تكتمل بعد أن زعق الأب في ولده، قائلا له بعجرفة شديدة: "مين ده اللي عايز تبقى زيه.. ده متسول وابن كلب."
    ارتعش سالم كأنه للتو خرج من البحر في يوم شتائي، وتغيَّرت ملامح وجهه، وأحسَّ أنَّ روحه تخرج من نفسه وأن الطاولة التي يحملها ثقيلة عليه جدًّا، فاتجه إلى البحر؛ يخفف حمله الثقيل. جريت وراءه، لكنني لم ألحق به عندما طوَّح بالطاولة في البحر، وراح بعدها يجري باكيًا حتى التهمه الزحام. لم أتحمل وقوفي، فجلست إلى حافة البحر والنوارس الجائعة فوقي تحلِّق فوق بقايا الطاولة دون أن تنزل لتلقف الترمس؛ لأنها كانت مثلي حزينة.
    ***
    التعديل الأخير تم بواسطة حارس الصغير; الساعة 29-03-2018, 21:36.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    لديك سرّك حارس لتترك نصوصك معلّقة في الذاكرة بشجنها وقوة تأثيرها وعنف الواقع الذي تجيد تصويره
    كن بخير صديقي
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • نورالدين لعوطار
      أديب وكاتب
      • 06-04-2016
      • 712

      #3
      شكرا لك على هذا النص الرائع

      تعليق

      • ريما ريماوي
        عضو الملتقى
        • 07-05-2011
        • 8501

        #4
        هذا من النصوص التي تخلد بالذاكرة،
        وتجعلنا نشعر بالألفة معها وكأننا نعرفها سابقا،
        ونغادرها ونحن نشاطر النوارس حزنها على الأسمر الحزين،
        بالنسبة للكلمة أكرث، بحثت عنها في القاموس
        للتأكد فوجدت أكرث: تعني الشدة والغمة!
        أعتقد أجعد أدق تعبيرا.


        تقديري واحترامي.


        أنين ناي
        يبث الحنين لأصله
        غصن مورّق صغير.

        تعليق

        • حارس الصغير
          أديب وكاتب
          • 13-01-2013
          • 681

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
          لديك سرّك حارس لتترك نصوصك معلّقة في الذاكرة بشجنها وقوة تأثيرها وعنف الواقع الذي تجيد تصويره
          كن بخير صديقي
          الصديق محمد فطومي
          بالتأكيد عندما تأتي الشهادة من ذويها تكون أكثر تتويجا
          أشكرك صديقي

          تعليق

          • سوسن مطر
            عضو الملتقى
            • 03-12-2013
            • 827

            #6

            ..

            لربّما هذا الطفل الصغير كان أكثر منهُ عزيمة وصبراً وخُلُقاً
            لكن هناك مَن هوايتهم تحطيم الآخرين،
            لا يزينون كلامهم قبل أن ينطقوا به
            يتفوّهون بالكلمة لا يُلقونَ لها بالاً، يحسبونها هيّنة وهي عظيمة
            لا يعبئون على مسمع مَن قد مرّت كلماتهم القاسية،
            لا يكترثون حتى وإن كان طفلاً صغيراً يصارع الفقر
            ويسعى لأجل لقمة عيش.

            نص يناشد الإنسانَ أن يكون أكثر رحمة، يترجم قسوة سببها الإنسان نفسه.
            جميل جدّا وشكراً لك على ما تقدّمه

            ..


            تعليق

            يعمل...
            X