" إعدامٌ مع وقْف التنفيذ "
عابساً لمْلمَ جارى أحشاءَ حافظتهِ ، بينما مُحصِّل القطار يُبْدى فروض اعتذارِه ، و تحنيهِ ــ فى صَغَارٍ و ضَعَةٍ ــ تمتماتُ الأسفِ السخيَّةِ ؛ إذ صكَّتْ عينيهِ و عينىَّ هويةُ جارى و مهنتُه .
لم يكن عسيراً أنْ ألمحَ على هيئة جارى أطلالَ مجدٍ تليدٍ لم يزلْ بقايا بريقِهِ الذَّاوى يختالُ على أنفه الشامخ .
انْسلَّ محصل القطار ــ أسيْفاً كسيْفاً ــ انسلالَ من أقسم ألا يعودَ ، فواتتنى الفرصةُ سانحةً لأجلسَ قُبالةَ الجارِ ــ ذى الحيثيةِ ــ بعدما واجهْتُه جِلْسةَ الندِّ للنِّدِ ، كما أدرتُ البصرَ فتكشَّفَ لى خَواءُ العربةِ المكيفةِ إلا مِنْ كليْنا !
بادرتُهُ بنبرةِ الواثق :
ــ أخيراً ظَفِرتُ بك .
فسأل بنبرةِ استعلاءٍ بَيِّنٍ :
· أو تعرفُنِى يا فتى ؟
ــ و كيف لا ، و لكم تمنيتُ لُقْياك !
عَلَتْ وتيرةُ دهشتِهِ عن ذى قبل قائلاً :
· لكنَّنِى لا أعرفُكَ .
ــ جُبْ تلافيفَ الذاكرةِ تجدْنِى ماثلاً .
· لا أخالُكَ نلْتَ هذا الشرفَ ؟
ــ تهْرِفُ ـ كعادتِكَ ــ هُراءً .
· هراء ! يا لكَ من غِرٍّ فَجٍّ !
ــ أياً ما يكُنْ الأمرُ ، فإنَّك تعرفُنى .
· و إنْ كنتُ ، فما هكذا يُخَاطبُ مِثْلى .
ــ لستَ بِدْعا من الخَلْق ، و ما أنت إلا جفاءُ زبد .
· لا يغرْنَّك حِلمْى ، فقد أفنيتُ السنين و ما افْنتْنِى ، و مرَّ بىَ رجالٌ فدسْتُهُم و ما التفتُّ .
ــ لذا استوجبَ علىَّ ــ الآن ــ دوْسُكَ ، و وجبَ عليك أنْ تلْتفتَ !
· أثرتَ حفيْظَتِى ، و نَكأْتَ حمِيَّتى ، و قد تدفعُ عمرَك ثمناً لذلك !
ــ ألهذا الحدِّ تسْتَبْخِسُ الأعمارَ ؟
· و أقبِضُها متى و كيْفما شِئْتُ .
ــ بل إِنَّك الساعةَ مقبوضٌ ولستَ قابضاً ! .
بدا أُوَارُ غضبهِ يتلظَّى فى عينيهِ وشرعَ ينتصبُ غاضباً مُزْبِداً مُرْعِداً :
· ألا تدرى مَنْ أنا أيها الفَسْلُ ؟
فدفعْتُهُ بِراحَتَىَّ فى كتِفيْهِ قَامِعاً نَصْبتَهُ ، مُسْتلاً مسدسىَ صارخاً فيه :
ــ سيادةُ اللواء السفاح " مروان رأفت مازن " مسئولُ جهازِ أمنِ الدولةِ الأسبق !
ارتجَّ عليه و اسْتَبْكمَ للحظاتٍ.. قبل أنْ يسألَ بعدما تَغشَّتْهُ مِسْحةُ استكانةٍ رسمها على وجههِ مسدسى المشهرُ نحوه :
· نحِّ السلاحَ و قُلْ لى مَنْ أنت ؟ و ماذا تريد ؟
ــ ليس بتلك البساطةِ ، و قد أتلفتُ عُمُراً فى البحث عنكَ .
· لا يغُرَّنَّك نَزقُ اللحظةِ فتُهْلكَ نفسَك ، و أخبرنى من أنت ؟ فلا أحْسبُنِى رأيتُك قبلاً .
ــ أمَّا الهُلْكُ فمآلُكَ عن يقينٍ ، و أمَّا من أنا فهذا ما يجْدُرُ بك أنْ تخمِّنَهُ .
· لا رغبةَ لدىَّ فى التقارعِ بالأحاجِى و الألْغاز .
ــ لكنَّه يطيبُ لى إنْ كان ينال منك ، و يأتى عليكَ حتى الحُشاشة.
· أيها الفتى ، تنحيتُ عن مسؤليَّتى منذ ما يربُو على ثلاثينَ عاماً ، و تبدو غِرَّاً غضَّاً فكيف أعرفُك ؟ و متى الْتقيْنا ؟
ــ فى الواقع إنَّك لا تعرفُنى بشخصى ، لكنَّك عرفتَ أبى !
· و مَنْ يكونُ أبوك ؟
ــ لا زلتُ مُصرَّاً على أنْ تخمِّنَهُ ، بحاسَّتِكَ الأمنيةِ التى ما غُمَّتْ عليها ــ فى زمانها ــ شاردةٌ ، و لا جَهِلتْ واردةً .
· أزميلٌ هو أمْ صديقُ ؟
ــ و لم لا يكونُ غريماً أو عدُواً !
فأجابَ مستنْكِرا ً:
· لمْ أُعادِ أحداً، و لم يكنْ لى يوماً غرماء .
ــ كذبْتَ ! لقد عاديْتَ ففجرْتَ و أفنيْتَ ، و أيْتمْتَ و أيَّمْتَ !
و فى غمرةِ انفعالى سحبتُ أجزاءَ المسدسِ فأَحدثَ خشخشةً أَرعبتْ غريمى الذى صرخَ بزعرِ المسْتَجْدى خلاصَهُ :
· على رِسْلِكَ ، أنَّى لى أنْ أعرفَهُ ؟ هاتِ إشارةً ، أو طرفاً من خبر.
ــ تأَمَّلْ قسْمَاتى ؛ لعلها تميط ُ لثاماً ، أو تسْبِرُ غوْراً .
· مرتْ علىَّ آلآفُ الوجوهِ و السِّحَنِ ، و ليس الأمرُ يسيراً كما تظنُّ ، فما يضيرُك إنْ أخبرتنى .
ــ يلذُّ لى أنْ أُنْهِكَ ذاكرتَك .
· إنَّكَ تُهْدرُ وقتى و وقتَكَ .
ــ ساعةُ التوقيتِ بإمْرتى إنْ شِئْتُ ضَغَتُّ الزنادَ ، فَخَسِرتَ نفسَكَ الدَّنيةَ و ربِحْتُ قَصَاصِى ، لكنَّنِى أُوْمِنُ بالعدلِ و أَعتدُّ للإِنْصافِ ، فلا يشْغَلُنِى الآن إلا أنْ أكفُلَ لك محاكمةً مُثْلَى .
· سُؤْلُكَ يهصرُ ذاكرتِى حدَّ الإدْماء .
ــ عذرٌ أجوف , إما إنَّك تماطلُنى , و إما أشكلَ عليك لكثرةِ الغُرماء.
· أورثنى عملى الأمنىُ عداوةَ الكثيرينَ ، فما أدرى أيّهم كان أبوك .
ــ فتشْ فى خِضمِّ الذكرياتِ و نقِّب فيما يناهزُ رُبعَ قرنٍ خلا .
· كنتُ ساعتها ضابطاً غضاً فى السجنِ الحربى كما أظنُّ .
ــ كذبتَ فلم تكنْ يوماً غضَّاً ، بل كنتَ يَبَساً ، قاتلاً... و سوف نعودُ من حيثُ بدأنا ... كان أبى نزيلُك و قتيلُك فلا أقلَّ من أن تتذكرَ اسمَهُ و رسمَهُ ، و ما كان لمثلهِ أن يمرَّ عليك مرورَ الكرام ..
· لا زلتُ أجهلُهُ .
ــ حسناً... تريد طرفاً من خبر ... أبى لم يكنْ مجردَ رقمٍ فى قائمةِ ضحاياك ، أبى كان شوكةً فى حلْقِك و حلقِ عرَّابِك ، أبى لم يكن لقمةً سائغةً لك و لجلاديهِ ، أبى لم يكن يُباعُ و يُشترى ، أبى لم يكنْ ليهادنَ فى مبدأٍ ، أو يتراجعَ عند مفْرِق ، أبى أرادَ حريةً و عدالةً ، أبى قدَّمَ نفسَهُ قرباناً لما أراد ....
و صرختُ بغضبٍ :
ــ قلْ لى أيها الوغدُ مَنْ أبى ؟
لمْ يُحِرْ جواباً ، و إنْ بدا صامتاً لبرهةٍ كأنَّه يستعرضُ شريطَ ذكرياتِهِ الدَّامِى ، هامساً بأسماءَ شتَّى كأنه ينْتَقِى من مُتعددٍ حتى علا صوتُهُ فى ظَفَرٍ :
· "أحـمد مجاهد " ... نعم ...هو ...إنَّك ابنُ أحمد مجاهد فيك من اعْتدادِه و جرأَتِه و حِدَّتِه و ثورتِه !
ــ لذا سُمْتَه سوءَ العذاب ، و ألقيتَه فى أَتُونٍ من القهرِ يَغْلى .
· أبوك من أقحمَ نفسَهُ فى خِضمٍّ سحيقٍ ، أبوك من حَزَمَ أُنْشُوطةَ مشْنَقَتهِ بيديه ، و استجلبَ ــ راغباً ــ حتْفَهُ .
ــ تبريرٌ ذكىٌ طالما كرَّرهُ الطغاةُ حتى خَلِقَ و عَتِقَ ففقدَ بريقهُ و فترَ أثرُهُ ؛ لكنَّهُ لن ينفىَ حقيقةَ ما رَوَاهُ شهودُ مِحْرقةٍ نصبْتَها و كنتَ مُنفِّذَها الرئيس..و إنْ شئْتَ رويْتُ لك التفاصيلَ ، و ذَكَّرْتُكَ الوقائعَ مشفوعةً بالأسماء !
· كنتُ قيِّماً على أمنِ الوطن ، أذودُ عنه و أحمِى ذِمَارَهُ .
ــ و مَنْ ذا الذى نصَّبكَ قَيِّماً على أمنِ الوطن ؟
· نصَّبَنِى مَنْ أمرَ بتصفيةِ أبيْكَ و مُريديهِ .
ــ سأَعُدُّ ذلك اعترافاً صريحاً بِجُرْمِكَ .
· و لم لا تعُدُّهُ تَبَرُّؤاً ، فَلمْ أكُ أَملِكُ تَرَفَ الرَّفضِ أو الصَّدِ .
ــ و ما كانَ مانِعُكَ ؟
· لربَّما أُزِحْتُ مِنْ وظيْفتِى ، و خسرْتُ مكانَتِى .
ــ يا لَهُ مِنْ خِيَارٍ قاسٍ بينَ أنْ تخسرَ وظيفَتَك ، أو يخْسرَ أبِى حياتَهُ !
· بَلْ أَخسرُ وظيْفتى ، و يخسرُ حياتَهُ بسبيلٍ آخر .
ــ فَأَبيْتَ إلا أنْ تنالَ هذا الشرفَ .
· أحياناً لا نملكُ بدائلَ تُرضينَا ، و لا يُسْعِفُنَا حسنُ خِيَارٍ ، ثُمَّ إِنَّنى لمْ أكنْ المسؤلَ الوحيدَ .
ــ لكنًّ ذلك لا يرفعُ عنك جُرمَ المسؤليةِ ، و لا ينْفِى اشتراكَكَ فى تنفيذِ سياساتٍ دمويةٍ قذرةٍ .
فقالَ يائِساً بائِساً وَادَّاً أنَّه لمْ يَقُلْ :
· و ماذا بعدُ ؟
ــ تقصدُ بعد حَلِّ الأُحْجِيَةِ ، سأَقْتَصُّ لأَبِى !
· وددُّتُ لوْ راجعتَ نفسَكَ .
ــ لا يتراجعُ صاحبُ ثأرٍ ، يا سيادةَ اللواءِ .
· فلْتُقايضْنِى إذاً .
ــ بما يُساوِى عمُرَكَ .
· سأُمْلى عليكَ سلسلةً مِنْ الأسماءِ لم أكنْ فيها إلا آخرَ حلقةٍ .
ــ لا حاجةَ لى بأسمائِكَ فقدْ قررتُ تحطيمَ السلسلةِ تصاعُديَّاً .
· فَلْنُسَوِّ الأمرَ وُدِّياً .
ــ تقصدُ أنْ تقفزَ مُختارا مِنْ نافذةِ القطارِ ؟ ...لا ضيْرَ ، فلا تشْغلنِى الوسيلةُ ما دامتْ تُؤدى الغايةَ و الهدفَ .
· بَلْ أَطرحُ عليكَ بدائلَ عدا قتْلِى ، فاخترْ منها ما يروى غُلَّةَ ثأْرِكَ .
ــ للأسف ، أنسيتَ ما قلتَ آنِفاً " أحياناً لا نملكُ بدائلَ تُرْضينا ، و لا يُسْعفُنا حُسنُ خِيار .
و تابعتُ صارخاً :
ــ لمْ يَعُدْ لدىَّ وقتٌ أُنفِقُهُ فى هذا الهذَرِ ، تلكَ الدقائقُ أفنيتُ عمراً لأجلهِا و قدْ لا تُواتِينى ما حييتُ.
فقاطعَنى و الرعبُ يتغَشَّاهُ :
· أرجوكَ تأنَّ و تريَّثْ و ارْحمْ سِنِّى و ضعفى ... و ...
فقطعتُ حبلَ حديثهِ إلى غير رجعةٍ مستلاً بيدى الفارغةِ مِنْديلاً من حقيبةِ يدى فكان مفهوماً ما يعنيهِ ذلك ، و اتخذتُ قرارى الذى ما انفكَ يلتهبُ لظاهُ فى نظرَاتى و يَسحُّ من قسَمَاتِى :
ــ سأَمنحُكَ لحظاتٍ تُهىِّءُ فيها نفسَكَ لمصيرِكَ المحتومُ .
و على إثْرِ مِنْحتِى الأخيرةِ خارتْ قُوَى غريْمِى ، و غزتْ الصُّفْرةُ وجهَهُ الشاحبَ ، و حلَّقتْ عيناهُ المغرورقةُ بدموعِ الرهبةِ فى سديمٍ وَهمىٍ أعماهُ عن عالمِنَا الأرضىِّ ، بعدما احتبسَ صوتُهُ و خبتْ أنفاسُه و ذوتْ نبضاتُهُ بينما تبعثرتْ أطرافُهُ المنسابة ُمن حولهِ فبدا كخِرقةٍ باليةٍ مهترئة ، و تجمَّدَ حِسُّهُ فأضحى ميْتاً و إنْ بقيتْ فيهِ حُشاشةٍ ، فلمْ يلحظْ تباطُوءَ القطارِ بعدما أشرفتْ مديْنتِى تلُوحُ على مدى البصرِ . شعرتُ لحظتئذٍ بمسٍّ من الإشفاقِ و الخجلِ فتناولتُ يدَه المُضمَّخةَ بعرَقِهِ الباردِ و دسستُ فيها المسدسَ قائلاً :
ــ عذراً سيدى ، يبدو أنَّنِى غاليتُ و تماديتُ فى هذه المزحةِ السمجةِ ، أرجوكَ اقبلْ مسدسَ الصوتِ هذا تذكارَ تعارفٍ و أَسفٍ ، و استدرتُ أعدُو قبلما يستأنفُ القطارُ انطلاقَهُ مِنْ جديد !
تعليق