شمع
اليوم الأول- مساء داخلي
أ ليس من الممكن أن تراك عفريتة؟.. بالطبع نعم، فنحن لا نعيش بمفردنا في هذا العالم.
فلتبتعد أطماع الإنسان وأفكاره على الاستحواذ التي تدفعه أن يعبئ الجيوش ويصوغ الخطب الرنّانة ليقتحم الآخر..
هناك كائنات أكثر لُطفًا وخُبثًا تحتل أماكننا دون استئذان، تقتنص المأكل وتشاطرنا المسكن..
لا أخفيكم القول.. فكرة أن هناك من يشاركني عالمي العام والخاص تصيبني بالتوتر. بل إن اعتقاد أن هناك من يراقبني دون أن أعلم مكانه مقلقة لي ومؤرقة إلى أقصى حد.
صباح اليوم اختبرت شيئًا عجيبًا..
فوق طاولتي بالأمس كانت تقبع شطيرتان.. وجدتهما حال استيقاظي هذا الصباح شطيرة واحدة ، لا أدري أين ذهبت الأخرى، لا أعتقد أنني ممن يأكلون في منامهم أو أنّ إحدى الشطيرتين قد التهمت الأخرى! ما هذا السخف؟
ربما عليّ مراقبة الأمر عن كثب.
اليوم الثاني – نهار خارجي
لا أدري بأي قدمٍ عليّ أن أدخل شقّتي... اليمنى أم اليسرى؟!
من المؤكّد بالقدم اليمنى ويجب أن أعقبها بالتسمية قبل الدخول.. فلا أعلم من بالداخل أو من يقف إلى جواري لحظة الدخول ليسرع قبلي إلى الداخل.. ليست هذه هي المشكلة.
ما يربكني هو هل يميني هو يمين من بالداخل.. ألا تفعل بنا المرآة هذا؟! فإن دخلت برجلي اليمنى ربما يحسب من هم - "االلهم احفظنا" - أنني أدخل بالقدم اليسرى فيسرع إلى اللبس بي. سأحاول الدخول بظهري لتخطّي هذا اللبس وكأنني أعود إلى الخلف.. سأرجع باليمنى ثم باليسرى وأحرص أن تكون المنطقة حول عتبة المنزل فارغة كي لا أتعثّر في شيء ما أثناء رجوعي.. عليّ إذن التأكد من الأمر كل مرة!
اليوم الثالث – مساء داخلي
من أوقد مصباح المطبخ؟! لم أنسه بالتأكيد فعادتي التمام على كل مصابيح البيت قبل الذهاب إلى سريري.. هل من أكل الشطيرة أول أمس يبحث الآن عمّا يشبعه في الثلاجة، فوجدها فارغة عدا من قطعة جبن؟! ... كل شيء على حاله حتى الثلاجة لم تنقص منها قطعة الجبن!
أسرعت نحو الغرفة قبل أن يفارق النوم جفنيّ، ولكن هالني ما وجدت على المرآة قُبلة مطبوعة بأحمر الشفاه يطوقها قلب كبير مرسوم بعفوية طفولية كما لو كانت يدٌ تمسك بالقلم لأول مرة أو قلم أحمر شفاه بالتحديد!
تُرى من رسمه؟ من سرق الشطيرة وأوقد مصباح المطبخ؟ لِمَ أتكلم بالمُذكّر من المؤكد أنها أنثى.. عفريتة تحبني لا شك..
حاولت مسحه بالمنديل إلا أنّه غير قابل للمسح .. لا أخفي سعادتي بهذا الأمر.. فهل أجمل من الاستيقاظ على قبلة حمراء؟!
ألم أقل أنه أمر مريب أن يراك.. أقصد تراك إحداهن دون أن تراها وتحبّك وتطبع لك قبلة على المرآة وتختفي.. أو ربما لم تختفِ .. هي موجودة فحسب لكن عيني المحدودة لا تستطيع اختراق المسافات بيننا.
اليوم الرابع – نهار داخلي
إلى جواري على الوسادة قبلة مطبوعة بأحمر الشفاه يطوقه قلب .. مرسوم بأحمر الشفاه ذاته الذي لا يُمحى! حتى نساء العفاريت تحببن أحمر الشفاه وتختار أن تظل ذكرى باقية .. مثل نسائنا البشرية.. النساء صنف واحد في كل زمان ومكان و"نوع". أين أنتِ إذن؟ أريني نفسك هكذا أناديها!
لم أتلق ردًا فربما لا تفهم لُغتي .. سأسعى إلى لغة الإشارة أطوح ذراعي وأشير نحو عيني علّها تفهم أنني أريد أن أراها.. سأراقبها بكاميرا الموبايل وهي ترسم تلك القلوب.
اليوم الخامس – مساء داخلي
الموبايل فارقته ملامح الحياة ولم يقوَ على تحمّل شحنات العالم السفلي كيف لي ان أتخيّل تسجيل تحركات تلك الكائنات الجهنميّة .. فقد كُتب علينا أن يظل كل منا في جانب دون أن يرى الآخر وأن يحب أحدنا الآخر حبًا من طرفٍ واحد أو حبًا دون أمل.
كيف لي أن أعلن عن حبّي وأنني أبادلها الشعور ذاته! .. فلتعلمي إذن أنني أحبك ولا أطيق المنزل بدون رؤيتك بعد الآن .. وتلك الوسادة التي طبعتِ عليها بصماتك ستظل إلى جواري وفي أحضاني لربما استيقظت ووجدتك قد حللتِ محلّها!
اليوم السادس – نهار داخلي
استيقظ لا يدري متى.. كان جسده مغطىً بقبلات شفاه حمراء تطوقها قلوب عفوية الرسم، أبيّة على المسح.. حتى وجهه لم يسلم منها..
تُرى أهي لعنتها أم حبّها ذلك الذي تلبّس به، فلا تريد لسواها رؤياه!
فيما قيدت تلك الحال في دفترها الموسوم بــ"الشمع الأحمر" رقم ستةٍ وبعض آلاف.
دينا نبيل
تعليق