
يوجد الكثير من الطرق لتحليل اللوحة ولكن الصفة المشتركة بين هذه الطرق هي محاولة المتلقي تعقيب الآثار والأشياء المكسورة الغامضة ليضعها في مكانها وصولا لمعرفة اللغز.
واللوحة هنا فيها أشياء مكسورة رسمها الفنان عمدا وبشيء في نفسه أراده أن يكون جليّا للمتلقي وهو هذه القطع الملونة في اللوحة كل جزء لوحده..
وكل جزء يجعل المتلقي يدخله وهو لا يعرف ما يكتنف محتواه من غموض
محور اللوحة كما وصلني : الصمت الحزين (ظاهريا)– شفاه الرجل أو الطفل مطبقة وجاء التعبير عن سخطه أو معاناته أو حتّى تعجبه بتقطيب جبينه وما بين عينيه الكبيرتين من تساؤل وانتظار.. ولو انها لا تظهر بل تمثلت في تجعيدة على وجهه.
وفي اختزال لنظرية "بانوفسكي"،هي ثلاثة محاور:
1.ماهو المعنى الأوّلي للوحة؟
2.ماهو المعنى الثانوي للوحة؟
3. ماهو المعنى الحقيقي للوحة؟
الجواب وفي لوحة الفنان سائد ريان بالذات :
تفتح على عدة قراءات وكلّ قراءة يمكن للمتلقّي أن ينعرج بها إلى الطريق الذي يريده ويبرز ما يختلج في قلبه وفكره وهو يتأمّل المعنى وليس اللون (الذي صنع اللوحة)
ومن هذا المنطلق يمكنه القراءة..
المعنى الأوّل : الغضب
المعنى الثانوي : الحدث
المعنى الحقيقي : الصدق
واللوحة التي بين أيدينا من الوهلة الأولى تشعرك وأنت تتأمل الشخصية الرئيسية ، تلك الحيرة وذلك الغضب والإنتظار الذي تحدثتُ عنه في أوّل كلامي – هكذا جاء الحدث والمتسبب في هذه العوامل الشعورية
وهنا يحيلني الغضب والحدث إلى الغربة ، غربة الإنسان ليس فقط خارج وطنه فنحن أحيانا نشعر بالغربة ونحن في أوطاننا...
إذن هي غربة النفس بالذات التي أرادها الفنان سائد ريان أن تبدو طاغية على الجزئيات.
لكن لو تمعنا أكثر وأخذنا اللون من ناحية تركيبته العلميّة فإن في هذه اللوحة كثير من الضوء وهو ذلك البياض المنتشر هنا وهناك في العيون سوى كانت غاضبة أو حائرة أو هادئة - المهم الابيض وهو الأمل المنتظر الذي لولاه لما وجد الفنان فسحة للرسم بكل تقنياته ورقص ريشته السريعة على الخطوط والمساحات المتوهجة وهي الألوان الترابية التي لها طابعها الجمالي المتميّز حتى في بعض ديكورات البيوت والفنادق من خزف وحجارة وفوانيس إلى غير ذلك ....
في لوحة السيد سائد، اجتمعت تلك الجمالية المتمثلة في الألوان الترابية المتوهجة فهي ليست باهتة بل ظاهرة للعين بكل ثقة في النفس
بمعنى هناك اصرار على حب الأرض التي ننتمي إليها في الحياة والموت
الأرض التي هي الأم الأولى والانسان بلا وطن : شبه انسان
في نفسية الأديب والفنان سائد، تلك الأصالة العميقة بالأرض بالحب الحقيقي للأمّ الأولى وهذا الحب السامي النبيل هو الذي يصنع بل ويخلق الابداع – لأنّ الإبداع خلق وليس صنعا.
الطيور المهاجرة التي تشيّعها تلك العيون، أكيد سوف تعود لأنها لا يمكن لها البتعاد كليّا عن موطنها وجذورها وأعشاشها الدافئة ...
الحجارة التي ربما هي ليست حجارة بالمعنى الصحيح بل أكواما من الأتربة التي سرعان ما تتحرك حسب ما يكتنف الذات من مشاعر يمكن ازاحتها في لحظة اشراقة وفجر جديد
اللون الأصفر في هذه اللوحة لا يدل عن الموت أو الذبول، فالأصفر يدل على الضوء...على الشمس..على الفرح من الناحية العلمية كذلك يدل على البهجة، السعادة، المرح، التفاؤل، الإبداع، والفضول.
وفناننا سائد ريان له نفسية مرحة وابداع بلا حدود، له ضفاف مليئة بالأرجوان والفيروز والجمان يوزع الحب على المحيطين به بكل تفانٍ ورضاء وهنا تكمن السعادة الحقيقية.
أوليست السعادة هي العطاء بلا حدود؟؟
تماما كما اللون الأصفر حين يشع ويمتد إلى ما لا نهاية...
البني الذي طغى على كامل اللوحة يدل على المتانة، الفردية.
بينما الأسود ليس دائما يدلّ عن الحزن بل هو لون الأناقة ..لون الليل الداكن الذي غالبا ما يكون هادئا يُخفي حتى العيوب ويواري التنهيدة والأنين والعيون الحزينة – وكما يقول المثل الليل ساتر العيوب...
اذا ؟ اللوحة في حدّ ذاتها كما سبق وقلت تفتح على قراءات متعددة وأراها قطعة فنية في المرتبة الأولى لأن العمل الفني دوما له ميزة سوى كان قاتما أو مضيئا.
وربما في لوحتنا هذه أراد سائد ريان دلالة رمزية معيّنة ، هواجس وأفكار ومشاعر مختلفة أراد الأستاذ سائد إيصالها للمتلقي بكل عفوية في لحظة ما.....
فشكرا سيدي العزيز على المساحة التي سمحت لنا بها للتحليل وأيضا لما يختلج في الذات من مشاعر وما يكتنف الروح من تعطش للأعمال الفنية التي تقول الكثير الكثير.
تقبّل مروري وكلماتي وأصدق التحيات
-
-
-
-
-
-
-
سليمى السرايري
تعليق