" بونُ ما بينَ التَّفاهةِ و التُّفاحةِ "
لقيت صاحب التفاحة و كانت مفاجأة يقصر عن إدراكها الزمان و المكان ، فعزمت أن لا أفلتها لا سيما و أن بعثه مرة أخرى يبقى أندر من حلم يشخص ، و خيال يمثل .
و بدا أنه استقبل رغبتي و تحفزي بصد و فتور فشرع منسلا يروغ و يزوغ ، فتلببت طريقه و أغلقت عليه كل مرصد فصاح :
= إليك عنى أيها العربي !
· على رسلك يا صاحب التفاحة.
فاستشاط غيظا عن ذي قبل و أخال ذلك لقولي " التفاحة " .
= تنح عن طريقي أيها العربي ، فقد ضقت من تفاهاتكم .
· تنعتني بـ " العربي " ! عنصري أنت يا سيد " نيوتن " .
= كلا ؛ و لكن ما نالني منكم أيها العرب إلا الهذْي و الهرْف .
· سيدي فينا الغث و منا السمين ، فلا تعجل بمظنتك و استبن منطقي .
= لم ينشغل العرب بنظريتي قدر انشغالهم بمآل التفاحة !
· و اختلفوا إن كانت تفاحة أو رمانة ، و اختلفوا أسقطت على أم رأسك أم في حجرك، و بعضهم أسقطها في فمك.
= و ادَّعوا زوراً أنني اقتبست نظريتي من العربي ثابت بن قرة ...
· و بعضهم نسبها لابن الحائك ، وقيل البيروني ، أو الخازني ، أو الإدريسي .... و لو صدقوا ـــ ولا أخال ذلك ـــ فلك ـــ في رأيي ـــ السبق و الفضل !
لحظة إذْ قرَّ نيوتن و هدأ و استكان و أصغى منتبها كأنه يطلب المزيد ، فاستدركت :
· كم من حقيقة علمية أمدنا القرآن بطرف خبر عنها مذ أربعة عشر قرناً ، فما سبقنا لكشف اللثام عنها ، و لا استبنا لها طريقا ، و أقولها ــ منصفا ــ بملء فيَّ ما وجدت أضل من أمة هذا حالها !
= زدني أيها العربي الفريد .
· و أن يذكر بعض علمائنا فرضية لا تعدوا بضع كلمات عن جذب الأرض للأجسام ؛ دون علة أو برهان ؛ أوَ يثبت لهم ذلك بزاً أو سبقاً ؟ لا و الله ؛ بل ينال منا نحن الأحفاد ، و لا ينال منك بشيء.
رفع نيوتن قبعته ، و أحنى رأسه لي إجلالا و تحية قائلا :
= أحييك أخي العربي على ثاقب فهمك ، و إنصافك .
· تمهل يا سيدي ، فو اللهِ ما أراك إلا عجولا في أحكامك ، وَلُوجا في إيهامك !
و إثر جملتي الأخيرة بدا زائغ البصر ، يضرب أخماسا في أسداس قائلا بضيق و حيرة :
= أي إيهام تقصد يا عربي ؟
· توهمتَ كمال نظريتك في جذب الأجسام ، لكن لديَّ شواهد تهدم ذلك !
= تدليس و تلبيس ما تدعي أيها العربي ! لقد فاقت و سادت نظريتي علوم الطبيعة و امتد أثرها فغشي بحوث الفلسفة و علوم النفس ...
· تابعْ سيد نيوتن ، إنني مُصغٍ ، و ها أنت تعدو نحو فخِّك !
= على المستوى الفزيائي تتناسب قوة التجاذب بين أي جسمين في الكون ، طرديًاً مع حاصل ضرب كتلتيهما ، وعكسيًا مع مربع المسافة بين مركزيهما .
· و ماذا على المستوى الفلسفي و النفسي...؟
= بعضهم اتكأ على قوانيني في السقوط و الجذب ، حالما فسر ظاهرة التخاطر و توارد الأفكار ، و تجاذب الأرواح بين البشر و الكائنات ؛ فالطيور على أشكالها تقع ، و الإنسان بحسب ما يراكم لديه من طاقات إيجابية أو سلبية يجذب إليه ما يريد ، ألم يخبركم نبيكم : " تفاءلوا بالخير تجدوه " ، و بحسب أحدهم : " إذا رأيت ما تطمح إليه بعين خيالك، فلسوف تُمسك به بين يديك ".
ثم استطرد محاولاً التملص :
= أيها العربي لسنا في معرض محاضرة علمية فاسمح لي بالمغادرة .
· سؤال أخير يا سيدي ، أي الكتلتين أشد جذباً ، و أعظم أثراً ؟
= الكتلة الأكبر بالطبع ؛ لذا تسقط الأجسام الحرة نحو مركز الأرض ؟
· فأي السقوط أهوى نزولاً ، و أوغل وقوعاً ؟
= السقوط القسري المدفوع جبرا بالطبع .
· فلم تعجز كتلة الشعوب عن إسقاط كتلة العروش إذاً ؟
بغته سؤالي و فَجَأَهُ ، لكنه نظر إلي مبتسما مجيبا بثقة العليم :
= و من أوهمك أن الغثاء " كتلة " أيها العربي ؟
أربكتني الإجابة و أبكمتني ، فما أدركت أنَّى ومتى انسل وانصرف ؟!
تعليق