تساؤل يبحث له عن إجابة: من الأحق بالاستمتاع بالمكتوب، أالكاتب بما كتب أم القارئ بما قرأ؟
[align=justify]دار بخلدي يوم أمس، الجمعة، تساؤل غريب لم أبت فيه برأي نهائي لتضارب الإجابات التي خطرت لي كذلك، فأحببت إشراك القراء لي فيه عساني أجد له إجابة مقنعة، أو استجابة مساعدة على الفهم، والسؤال هو كما أثبته في العنوان أعلاه: من الأحق بالاستمتاع بالمكتوب، أالكاتب بما كتب أم القارئ بما قرأ؟ وأنا الآن أعرض عليكم ما جال في خاطري عن هذا وذاك.
أنا أرى، ولا أعوذ بالله من كلمة "أنا" البريئة، أنه لا وجود للقارئ قبل وجود الكاتب، فالكاتب أحق بالاستمتاع وأولى بما كتب من القارئ بما قرأ، فالقراءة تابعة للكتابة وليس العكس وعليه كان القارئ تابعا للكاتب؛ كما أن الكاتب الذي لا يستمتع بما يكتب لا يستحق وصف "الكاتب" إلا من باب المجاز العقلي، أو المرسل، أو كليهما معا، لأن الكتابة ترتيب لمفردات ذات معنى في جمل دالة مرتبة، مفيدة أو ذات كذلك، يحسن السكوت عليها لغرضٍ، فمن "كتب" نصا مشوشا شكلا ومضمونا فليس كاتبا حتى وإن عدَّ نفسه، هو، أو عدَّه الناس رغما عنه، كاتبا أو كاتبة؛ و"كتابته" ليست كتابة إلا من حيث مشابهة حروفها حروفَ اللغة التي يُكتب بها ليس غير ألبتة، هكذا بالجزم الحاسم الصارم وبلا تردد؛ ولعل "الكاتب" المخربش يستمتع بخربشته استمتاع الكاتب المتقن بكتابته (رسالة الأديب بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح)، وهذا تساؤل وجيه وارد جدا وهو غير مستبعد أيضا، ألا يستمتع المهرج بتهريجه استمتاعَ المتفرج له بل أكثر؟
وقد كنت زعمت في بعض مقالتي السيارة أن النّاص سابق في الوجود عن النص حتما وجزما[(نَصْ/ناصٌّ) لما في هذا العنوان في الأذن من "نصنصة"، على وزن "نسنسة"، ومن معاني "النسنسة" صوت الريح عند هبوبها وآمل أن يكون للنصنصة معنى يشبهه لكن بقوة أكثر لما للصاد من قوة صوتية على السين]، وها أنا ذا أعيد الفكرة بعبارات أخرى من جديد عساها تعيد النقاش إلى الواجهة من جديد.
لكن، ألا يمكن تصور استمتاع القارئ بما يقرأ أكثر من استمتاع الكاتب بما كتب، وهو سؤال وجيه ووارد كذلك، غير أن حديثنا هنا انتقل من الأولوية إلى الكمية وهما مختلفتان تماما، حديثنا عن "الأولوية"، أو "الأحقية" بالاستمتاع وليس عن "الكمية" ولا عن "الكيفية" غير أن ما أحاول توصيله إلى القارئ هو: قد، وقد هنا للتقليل أو للاحتمال، يستمتع القارئ بما قرأ قبل استمتاع الكاتب بما كتب وأكثر منه، وقد يلفت القارئ النبيه الكاتب إلى جانب في كتابته لم يتفطن الكاتب نفسه إليه، وقد حدث هذا في تاريخ الأدب العربي حيث كان ابن جني يتسمتع بما في شعر المتنبي من المعاني لم يتفطن إليها المتنبي نفسه، وكان المتنبي يقول عنه:"ابن جني أعرف [أو أعلم] بشعري مني"، كما اكتشف بعض المتذوقين لشعر أبي نواس معانيَّ لم يتفطن إليها أبو نواس نفسه، وهناك أمثلة كثيرة.[/align]
هذا، وللحديث بقية، إن شاء الله تعالى، إن كان للعمر بقية، فما رأيكم دام فضلكم؟ مع التحيات الخالصات.
تعليق