القرآنُ واللغةُ العربية
أبدأُ موضوعي بسؤالٍ بسيط.
هل يفهمُ المسلمونَ العربَ اليومَ كتابِهم كما كانَ يفعلُ أسلافهم؟.
وهَل السَّلَفُ كانوا بحاجةٍ إلى معاجمٍّ وقواميسٍ وتفاسير ؟.
يجبُ الأخذُ بِعينِ الاِعتبار في الإجابةِ، أنَّ اللغةَ تحاكَمُ على ضوءِ الحاضرِ وليسَ الماضي.
والقولُ بأنَّ الحقَّ على أصحابها ، وأنَّهم السببَ في ترهلها كلامٌ فارغ.
يناقضُ قَولَهم في أنَّ اللَّهَ حَفِظَ اللغةَ العربية، لأجل أن يحفظَ القرآن.
اللَّهُ تعهدَ بحفظِ القرآن صراحةً، ولم يُصرِّح بذلك عن العربية.
ولهَذا نجدُ القرآنَ اليومََ كما كانَ من أوَّلِ يوم، لم يتغير قيْدَ شعرة.
أمّا اللغةُ فقد شهدت الكثيرَ من التغيير والتطوير والتحديث، مبنى ومعنى ونحْواً وإعراب.
وهذا دليلٌ صارخٌ على أنَّ اللَّهَ لم يتعهد العربيةَ بالحفظ.
إنَّ ربْطَ القرآنَ باللغةِ هو عمليةُ تقريرُ مصيرٍ له، وهذا تدخلٌ في عملِ اللَّهِ.
اللَّهُ الَّذي أخبرَنا بأنَّهُ المنوطُ بحفظِ كتابه ولم يُطْلِعنا على الوسيلةِ أو الكيفية.
نحن ندفُنُ رؤوسَنا في الرَّملِ ونُنْكرُ بشدةٍ بأنَّ العربيةَ تغيرت كثيراً.
عَنِ اللغةِ التي تحدثت بها قُريشٌ أو كِنْدَة
اللَّهُ لاَ يحفظ الأشياءَ بهَذهِ الطَّريقة، ولا أيَّةِ طريقةٍ يتخيلُها العقلُ البشريُّ المحدود.
لاَ بدَّ من ضربِ الأمثلةِ لتوضيحِ الحقيقة.
لغةُ القرآن تكْتُبُ الألِفَ واواً، وعلى هذا كانت قُريش.
واليومُ لو كَتَبَ تِلميذٌ الألِفَ واواً في اختبارِ الإملاء.
لن ينالَ سوى التوبيخَ الشديدَ مِنَ المعلم.
ولهَذا عمَدَ أهلُ العربيةِ إلى وضعِ ألِفاً صغيرةً فوقَ الواوِ.
وقالوا أنَّ علينا أن نقرأها ألِفاً، ولا نقرأ كما قرَأَت قريش.
وكثيرةٌ هي المفردات في القرآن لو خرجت عن سياقه، لَأصبحت أخطاءً إملائيَّةً فادحة.
هذا مِنْ جانبِ رسمِ الحروفِ والكلمات.
أمّا مِنْ ناحيةِ النحوِ والبلاغةِ فهناكَ الكثير في القرآن، ما يتعارض مع قواعدِ اللغةِ التي نعرفها اليوم.
أقتطعُ عِبارةً من الآيةِ 69 من سورةِ التوبة، (وخضتم كالذي خاضوا).
جاءَ الاسمُ الموصولُ مفرداً مع أنَّ العربيةَ التي نعرفها تقولُ أنهُ يجبُ أن يكون بصيغةِ الجمع
وفي سورة البقرة 124 قال تعالى، (لا ينال عهدي الظالمين).
وأساتذة اللغة العربية يقولون لا ينال عهدي الظالمون
يدفعهم لذلك اعتقادُهم بأنَّ الظالمون هي فاعل
القرآنُ يقصدُ بعبارتهِ شيئاً والعربيةُ البشريةُ تحكي شيئاً آخر.
إمّا أنَّ كُتّاب الوحيَ أخطأوا في الكتابة، وهذا مستحيل، أو أنَّ قواعدَ العربية خاطئة، وهذا أيضاً غير معقول.
هذا يفضي بِنا إلى أنَّ اللغةَ العربيةَ شيء، ولغةُ القرآن شيءٍ آخر.
كلُّ هَذهِ التفاصيل هي تمهيدٌ للحقيقةِ الكبرى.
أشكالُ الأحرُفِ التي تستعمِلُها العربيةُ ليست لها وحدها.
الفارسيةُ ولُغاتٌ أخرى تستعمِلُها أيضاً والتطابُق في الرسمِ والشكل
حتى أنها تشترِكُ معها في بعضِ أدواتِ الوصِلِ والربطِ والضمائرِ وحروفِ الجر.
هل يستطيعُ مَنْ يتكلمون الفارسيةَ أن يدَّعوا أنَّ لغتَهم هي لغةُ القرآن.
مؤكَدٌ لاَ.
إذن ما يحددُ اللغةَ هو معنى العبارة وليسَ شكْلَها ورسمها.
لغةُ القرآن ورسمُهُ شيء، واللغةُ العربيةُ ورسمُها شيء آخر.
لقد ورَّطَ المُشتغِلونَ بالدينِ أنفسَهم بتمسكِهِم بهَذهِ المسألة.
وسمحوا للمشككين بالقرآنِ أن يَطعنوا به من خلالِ زعمِهم
بأن القرآنَ يحتوي على أخطاءٍ لغويةٍ وإملائيةٍ واضحةٍ وصريحة.
وتتنافى مع أبسطِ قواعدِ اللغة التي نعرفها اليوم.
وما داموا يتمسكون بهَذهِ الخرافة فلن يستطيعوا أن يرُدُّوا عليهم أبداً.
أصحابُُ نظريةِ عروبةِ القرآن في مشكلةٍ كبيرة، حين دفعتهم الحاجةُ إلى ترجمةِ القرآن.
وحاولوا الخروجَ منها بحِيلةٍ سخيفة.
حين قالوا أنَّ هَذهِ الترجمةُ هي ترجمةُ معنى وليست ترجمةُ مبنى.
هو كلامٌ لا معنى له يضحكون بهِ على أنفُسِهم.
الترجمةُ لا تقومُ إلا على المعنى، ومن المستحيل ترجمةُ نصٍّ لا معنى له.
هل يستطيعُ واحدٌ من أُولاءِ أن يُترجِمَ النَّصَ التالي:
(برنات على سهمندول في أمشيري سلتيس)
الحقيقةُ الثالثةُ التي تنسفُ هذا الاعتقاد.
هي أنَّ اللَّهَ أنزَلَ القرآنَ على سبعةِ أحرُفٍ كما هو ثابتٌ في الصحيح...أقولُ أحرُفٌ وليسَ قِراءات.
الأحرُفُ شيء والقِراءاتُ التي نعرفها اليوم شيءٍ آخر.
جاء الخليفةُ عثمان ابن عفّان وجمعَ القرآن في مُصحَفٍ واحدٍ على حرفِ لغةِ قُريش.
وأَحرَقَ الستَّةَ الأخرى.
وهذه الأحرُفُ هي لُغاتٌ متبايِنةٌ، لسانُ بعضَ القبائلِ التي كانت تَسكنُ مكةَ في زمنِ نزولِ القرآن.
هذه اللغاتُ أو الأحرُفُ الستَّةُ ماتت واندثرت، ولم يعُد أحدٌ يعرفها اليوم.
كيف ماتت ولم يحفَظْها القرآن!؟.
كيف سمحَ اللَّهُ بهذا وهيَ لُغاتٌ نزلَ بها القرآن!؟، وكان لا بدَّ من حفظها لحفظِ القرآن!.
لقد شاءَ اللَّهُ أن يجعلَ كتابهُ على الشكلِ الذي نعرفُهُ، ومن عرَفَهُ ، ومن سيَعرِفَهُ.
ولا يُسألُ اللَّهَ عن ما يشاءَ ويفعل.
القرآنُ هو من يحفظُ لغةَ قُريشٍ وليست قرَيشٌ ولغتُها من تحْفَظَه.
وكما نحنُ اليومَ نبذلُ جهداً في تعلُّمِ لغةَ قُريشٍ وفهمِها وتفسيرِها.
ستبذلُ الأجيالُ القادمةُ جهداً أكبراً في ذلك نظراً لابتعادِ اللغةِ الحاضرة عنها في كُلِّ يوم.
ولهَذا أخبرَنا اللَّهُ بأنهُ حافظٌ لكتابه.
ولو أنَّ عربيتنا بقيت على لغةِ قُريش، فأين الحِكْمةُ والمعجزةُ في حفظِ القرآن.
كيف ننكرُ موتَ اللغةِ ونحنُ نرى ذلك بأُمِّ أعيننا.
وعُلماءُ اللغات يؤكدون بالإجماعِ على أنَّ ظهورَ اللَّهجاتِ هو مؤشرٌ على بدايةِ النهايةِ لأيةِ لغة.
وأنََّّ هَذهِ اللهجاتُ ستتحولُ بدورها إلى لُغاتٍ جديدة.
اللاتينيةُ وهي في طريقها للموت، خلفت الفرنسيةَ والألمانيةَ والإنكليزيةَ وغيرهم.
واندثرت الصينيةُ القديمةُ بعدَ ظهورِ لُغاتٍ صينيةٍ حديثة، والهنديةُ والتُركيةُ والبُرتغالية...
اللَّهُ لا يبالي باللغات، بَل بكتابهِ الذي تعهدَ بحفظه.
وفرضٌ على كُلٍّ مَنْ آمَنَ بهِ أن يتعلَّمَهُ ويَقرأَهُ ويفهمَهُ ويتدبرَهُ ويعملَ به.
بغضِّ النظرِ عن لغتهِ التي يتحدثُ بها ويكتبُ بها ويقرأُ بها.
وسيَنالُ الأجرَ كاملاً مثلَهُ مثلَ من يتحدثُ العربية.
وهذا فعلاً ما يقوم به المسلمون اليوم في أوساط الأقوام الأخرى.
القرآنُ المجيدُ هو كتابُ اللَّهِ وكلامه.
صالحٌ حتماً لكُلِّ زمانٍّ وعصرٍ ومكان، ذلك لأنَّ اللَّهَ قرَّرَ ذلك.
وإن وجدنا في آياتهِ ما يخالفُ واقعِ الحال، فالعيبُ في الواقعِ والحال.
الإيمانُ الراسخُ بصِدْقِ القرآن، وجهلُ الكثير وقصورِهم عن إسقاطِ الآيات على الواقع.
وما تطَوَّرَ من أدواتِ المعرفةِ والكشفِ العلمي.
يحيلهم إلى التشبُثِ بما قالهُ السلفُ الذين كانَ قولُهم على قدرِ معرفتهم الضئيلة.
هل يصدِّقُ أحدٌ ما قالهُ الإمامُ الشافعي عن تَسطُّحِ الأرض!؟، طبعاً الشافعي له عذره
لكن لاَ عُذْرَ اليومَ لمن يقولوا بأنَّ العربيةَ هي اللغةُ التي علَّمَها اللَّهُ لِآدَم.
وقد بينت الكشوفُ العِلميةُ والأثريَّةُ مئاتَ الوثائقِ والرُّقَمِ والمَخطوطات.
الَّتي تؤكدُ بما لاَ يقبل الشك، نشأةُ العربيةِ ما بينَ الألفِ الرّابعةِ والخامسةِ قبلَ الميلاد.
فضلاً على أنَّ الآيةَ الكريمةَ الَّتي جاءت برقم 31 في سورةِ البقرة.
لاَ تدل على أيِّ لغةٍ بعينها، لاَ من بعيدٍ ولاَ من قريب
للَّهِ كُلَّ شيء، خالقُ كُلَّ شيء، ولهُ كُلَّ اللغات.
نعم، لقد أخبرَنا اللَّهُ بأنَّهُ أنزَلَ القرآنَ باللغةِ العربية، وأخبرَنا أيضاً أنَّهُ أنزَلَ كُتُبِهِ بلُغاتٍ أخرى.
هذا يساوي العربيةَ بغيرها، ويحرِمها مِنَ التَّمَيُّز.
واللَّهُ له أن يخاطِبَ خلْقهِ وعبيْدهِ باللغةِ التي يشاء.
ألم يُنزل مزاميْرَ داوودٍ بلُغةِ القومِ الَّذينَ بُعِثَ فيهم النبي داوود.
كذلك الإنجيلُ نزلَ بالسريانية، والتوراةُ بالعبرية.
نحنُ نؤمنُ باللَّهِ وكُتُبِهِ ورسله، لاَ نفرقُ بينَ أحدٍ منهم.
القرآنُ بدورِهِ نزلَ على لغةِ العرب.
القرآنُ هوَ مَنْ كرَّمَ العربيةَ وليسَ العكس، وقد كرَّمَ العربَ أنفسهم.
الإسلامُ ليسَ عربيّاً كما يدعي المتعصبونَ للعروبة.
الإسلامُُ دينٌ عالميٌّ، ولاَ علاقةَ بينَ العروبةِ والإسلام.
الإسلامُ دينٌ والعربيةُ قومية، والرَّبطُ بينهما هو فكرٌ سياسيٌّ محض.
أكَّدَ اللَّهُ ذلك في القرآن، وحدَّثَنا عنهُ الرسولُ الكريم
في أكثرِ من موقفٍ وحديث، وأنَّهُ أُرسِلَ للخلقِ أجمعيْن.
وللجِنِّ أيضاً حيثُ نحنُ نَنْسَى هذا في العدة، ولاَ نسأل إنْ كانَ الجنُّ مِنْ جنسِ العرب أو غيرهم.
وصادرْنا الإسلامَ للعربِ وحدهم فقط.
بهذا وَدونَ أن نَدري نَتْبَعُ اليهودَ في تعصُّبهم لِدِيِنهِم ولُغتهِم وكتابهم.
ما لم يفعلَهُ النَّصارى، ذلك لأنَّهم أكثرَ ذكاءً ومعرفةً بربِّهم ودينِهم مِنَ المسلمينَ العرب.
العلاقةُ بينَ العروبةِ والإسلامِ هي علاقةٌ رمزيةٌ روحية، وليست علاقةٌ وظيفيةٌ مصيرية.
حدَّثَنا الرسولُ الكريمُ أنَّ كُلَّ نبيٍّ بُعِثَ بلُغةِ قومه.
هذا يعطينا صورةً واضحةً عن أنَّ القرآنَ ما نزلَ عربيّاً إلّاَ لأنَّ الرسولَ بُعِثَ مِنْ بينِ العرب.
لو أنَّ العروبةَ لاَ تنفَكُّ عن الإسلام، فهذا يعني بالضرورةِ أنَّ كلَّ مسلمٍ هو عربي.
هل هذا هوَ الصَّحيحُ والواقعُ اليوم؟.
إنَّ واقعَ الإسلامِ اليوم هو انحسارهِ وانحباسِهِ بينَ جدرانِ المساجد.
وما أن يخرجَ إلى النّاسِ في البيتِ والشارعِ والمؤسسة، حتَّى يتبخرَ ويختفي.
لماذا؟!...لأنَّ المشتغلينَ بهِ لهم مصلحةٌ كبرى في أن يبقى الحالُ على ما هوَ عليه.
هذا التراخي في تدبُّرِ القرآنِ على ضوءِ المستجداتِ العلميةِ وتطوُّرِ أدواتِ المعرفة.
يُوقعُ الأُمَّةَ في الإثمِ لعدمِ تدبُّرِ القرآنَ تدبُّراً صحيحاً يوافقُ العِلْمَ والواقع.
ويفتحُ ثغرةً لِأعداءِ الدينِ ويقدِّمُ لهم الحججَ على عدمِ مصداقيةِ القرآن.
الحديثُ عن كيفيةِ نُشوءِ اللُّغةِ العربيةِ ليسَ مِنْ مستجدّات اليوم.
المؤرخونَ العربُ القُدماءُ لم ينكروا فَضْلَ اللغات الأخرى على اللغةِ العربية، ولم ينكروا كيفيةَ نشوئها وتطورها.
ولم يقُل أيَّ واحدٍ منهم بأنَّها لُغةٌ جاهزةٌ خلقها اللَّهُ وأنزَلَها لهم مع المطر.
كما يقولُ المشتغِلونَ بالدينِ وأهلُ اللغةِ في وقتنا الحاضر.
كتَبَ صاعد الأندلسي في كتابهِ طَبَقات الأمم:
(وكانت هذه البلادُ واحدةٌ ملكها واحد ولسانها واحد سرياني وهو اللسان القديم)
وذكَرَ المسعودي:
(كانَ أهلُ نينوَى ممن سُمُّوا نَبيطاً وسريانيين وجنسهم واحد ولغتهم واحدة، وإنما كان النبط عنهم بأحرفٍ يسيرة).
وحكا لنا البَلاذري في فتوحِ البُلدان:
(أجتمعَ ثلاثةُ نَفرٍ من طي ببَقَّة.
وهم مَرار ابن مُرة وأسلم ابن سدرة وعامر ابن جذرة.
فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية وأخذوا أسماء الخط منها).
ومعنى كلام البلاذري أنَّ الأحرُفَ الهجائيَّةَ العربيةَ أُخِذَت مِنَ السُّريانية رسماً ولفظاً.
كالألف والباء والتاء.
الألِفُ السُريانية هي يليف وتعني التعلم.
لا بد لنا من تصديق هذا الكلام، وقد أيَّدهُ القرآنُ في سورةِ قُريش.
(لإيلافِ قُريش إيلافهِم رحلَةَ الشتاء والصيف).
وترَكَنا المعلِّمون ونحنُ صغاراً فترةً طويلة، قبل أن نتعلم بأنفسنا ماذا تعني كلمة إيلاف.
إنَّ اللَّهَ بعَظَمَتِهِ وجلالهِ محيطٌ بكل شيء، وضَعَ ناموساً لهذا الكون لا يمكن لأحد أن يخرقه.
حتى نظريةُ التَّطوُّرِ إن كانت صحيحةً أو خاطئةً لا تخرجُ عن هذا النّاموس.
أيضاً المَلاحِدةُ والكُفّارُ هم تحتَ قُبَّةِ اللَّهِ ولَو ادَّعُوا غيرَ ذلك.
من واقعِ جهلهم بمعرفةِ اللَّهِ الحقيقي.
وهذا للأسفِ ما نراهُ اليومَ بينَ المسلمينَ أنفسهم، في قصورِهِم عن إدراكِ حقيقَةَ الله.
لقد سمحَ الله بنشوءِ آلاف اللغات، وكم من لُغاتٍ عاشت وماتت.
ربما عُمْرُ اللغة الطويل بالنسبةِ لعمْرِ الإنسان، جعلته يعتقد أنها خالدة.
نحن لاَ نعرفُ لُغةَ أهلَ الجنَّةِ وأهلَ النّارِ لأنَّ اللَّهَ لم يخبرنا بذلك.
وقد أنطَقَهُم بالسريانية في الإنجيل وبالعبرية في التوراة وبالعربية في القرآن.
وها هو يُنطِقُهُم بالفرنسية واليابانية والبلغارية...بعدَ أن تمَّت ترجمةُ القرآن.
يجبُ التمعُّنُ جيِّداً في هذا الكلام من منظار القلب والروح، لأن هذا كلام الله
وليس رِوايةً لِبشريٍّ نالت شُهرةً عالمية، صارَ أبطالُها ينطقون بكلِّ اللُّغات.
المتعصبونَ للعربيةِ يقولونَ كلاماً لا لَونَ له ولا طعم، عن أنَّ اللَّهَ كرَّمَ العربيةَ وجعلها لُغةَ أهلِ الجنَّة.
ما هي إذن لُغةُ أهلِ النار!؟...طبعاً لهم لغةٌ أخرى لأنهم غير مكرَّمين.
من عرفَ لُغةَ أهلِ الجنَّة لِمَ استعصَت عليه لُغةُ أهلِ النّار!؟.
هذا كلامٌ مرسَلٌ لا يُقبَل لا في إطارِ الدين ولا في إطارِ العروبة.
خلقَ اللَّهُ هذا الكونَ وجعلَ لكلِّ شيءٍ سبباً.
ونظريةُ التطور وغيرها من آلافِ النظريات سمَحَ بهم الله
ليكونوا أسباباً لترسيخ ناموسه بين عِباده.
القرآنُ باقٍ ما بقيت الحياة بحرفهِ ورسمِهِ وشكْلهِ ولغتِه.
وتأتي لُغاتٌ وتذهبُ لُغات إلى أن يرثَ اللَّهُ الأرضَ ومَنْ عليها.
القرآنُ الكريمُ هو المعجزةُ الباقيَّةُ وَرَكيزةُ الإسلام.
ومن خلالهِ نثبتُ لغيرِ المسلمين صِدْقَ سَيدنا محمد وثبوتَ رسالته.
ومن خلالِ القرآن الكريم نثبتُ للمُلحِدينَ وجودَ اللَّهِ الخالقِ وصحَّةِ رسالةِ الإسلام.
من هنا كانَ لا بدَّ من الاهتمامِ بهَذا الكتاب وتعظيمه وتنزيهه عن كل فكرٍ بَشري.
وليسَ إضعاف الثقة بهِ بتقديمِ الظَنِّياتِ عليه، كما فعَلَ أهلُ اللُغةِ ويفعلون.
اللهم إن كنتُ قد أخطأت، فأنتَ الَّذي لاَ يُخطئ.
وإن كنتُ قد أَصَبْت، فأنتَ الَّذي يُجزِئ.
أبدأُ موضوعي بسؤالٍ بسيط.
هل يفهمُ المسلمونَ العربَ اليومَ كتابِهم كما كانَ يفعلُ أسلافهم؟.
وهَل السَّلَفُ كانوا بحاجةٍ إلى معاجمٍّ وقواميسٍ وتفاسير ؟.
يجبُ الأخذُ بِعينِ الاِعتبار في الإجابةِ، أنَّ اللغةَ تحاكَمُ على ضوءِ الحاضرِ وليسَ الماضي.
والقولُ بأنَّ الحقَّ على أصحابها ، وأنَّهم السببَ في ترهلها كلامٌ فارغ.
يناقضُ قَولَهم في أنَّ اللَّهَ حَفِظَ اللغةَ العربية، لأجل أن يحفظَ القرآن.
اللَّهُ تعهدَ بحفظِ القرآن صراحةً، ولم يُصرِّح بذلك عن العربية.
ولهَذا نجدُ القرآنَ اليومََ كما كانَ من أوَّلِ يوم، لم يتغير قيْدَ شعرة.
أمّا اللغةُ فقد شهدت الكثيرَ من التغيير والتطوير والتحديث، مبنى ومعنى ونحْواً وإعراب.
وهذا دليلٌ صارخٌ على أنَّ اللَّهَ لم يتعهد العربيةَ بالحفظ.
إنَّ ربْطَ القرآنَ باللغةِ هو عمليةُ تقريرُ مصيرٍ له، وهذا تدخلٌ في عملِ اللَّهِ.
اللَّهُ الَّذي أخبرَنا بأنَّهُ المنوطُ بحفظِ كتابه ولم يُطْلِعنا على الوسيلةِ أو الكيفية.
نحن ندفُنُ رؤوسَنا في الرَّملِ ونُنْكرُ بشدةٍ بأنَّ العربيةَ تغيرت كثيراً.
عَنِ اللغةِ التي تحدثت بها قُريشٌ أو كِنْدَة
اللَّهُ لاَ يحفظ الأشياءَ بهَذهِ الطَّريقة، ولا أيَّةِ طريقةٍ يتخيلُها العقلُ البشريُّ المحدود.
لاَ بدَّ من ضربِ الأمثلةِ لتوضيحِ الحقيقة.
لغةُ القرآن تكْتُبُ الألِفَ واواً، وعلى هذا كانت قُريش.
واليومُ لو كَتَبَ تِلميذٌ الألِفَ واواً في اختبارِ الإملاء.
لن ينالَ سوى التوبيخَ الشديدَ مِنَ المعلم.
ولهَذا عمَدَ أهلُ العربيةِ إلى وضعِ ألِفاً صغيرةً فوقَ الواوِ.
وقالوا أنَّ علينا أن نقرأها ألِفاً، ولا نقرأ كما قرَأَت قريش.
وكثيرةٌ هي المفردات في القرآن لو خرجت عن سياقه، لَأصبحت أخطاءً إملائيَّةً فادحة.
هذا مِنْ جانبِ رسمِ الحروفِ والكلمات.
أمّا مِنْ ناحيةِ النحوِ والبلاغةِ فهناكَ الكثير في القرآن، ما يتعارض مع قواعدِ اللغةِ التي نعرفها اليوم.
أقتطعُ عِبارةً من الآيةِ 69 من سورةِ التوبة، (وخضتم كالذي خاضوا).
جاءَ الاسمُ الموصولُ مفرداً مع أنَّ العربيةَ التي نعرفها تقولُ أنهُ يجبُ أن يكون بصيغةِ الجمع
وفي سورة البقرة 124 قال تعالى، (لا ينال عهدي الظالمين).
وأساتذة اللغة العربية يقولون لا ينال عهدي الظالمون
يدفعهم لذلك اعتقادُهم بأنَّ الظالمون هي فاعل
القرآنُ يقصدُ بعبارتهِ شيئاً والعربيةُ البشريةُ تحكي شيئاً آخر.
إمّا أنَّ كُتّاب الوحيَ أخطأوا في الكتابة، وهذا مستحيل، أو أنَّ قواعدَ العربية خاطئة، وهذا أيضاً غير معقول.
هذا يفضي بِنا إلى أنَّ اللغةَ العربيةَ شيء، ولغةُ القرآن شيءٍ آخر.
كلُّ هَذهِ التفاصيل هي تمهيدٌ للحقيقةِ الكبرى.
أشكالُ الأحرُفِ التي تستعمِلُها العربيةُ ليست لها وحدها.
الفارسيةُ ولُغاتٌ أخرى تستعمِلُها أيضاً والتطابُق في الرسمِ والشكل
حتى أنها تشترِكُ معها في بعضِ أدواتِ الوصِلِ والربطِ والضمائرِ وحروفِ الجر.
هل يستطيعُ مَنْ يتكلمون الفارسيةَ أن يدَّعوا أنَّ لغتَهم هي لغةُ القرآن.
مؤكَدٌ لاَ.
إذن ما يحددُ اللغةَ هو معنى العبارة وليسَ شكْلَها ورسمها.
لغةُ القرآن ورسمُهُ شيء، واللغةُ العربيةُ ورسمُها شيء آخر.
لقد ورَّطَ المُشتغِلونَ بالدينِ أنفسَهم بتمسكِهِم بهَذهِ المسألة.
وسمحوا للمشككين بالقرآنِ أن يَطعنوا به من خلالِ زعمِهم
بأن القرآنَ يحتوي على أخطاءٍ لغويةٍ وإملائيةٍ واضحةٍ وصريحة.
وتتنافى مع أبسطِ قواعدِ اللغة التي نعرفها اليوم.
وما داموا يتمسكون بهَذهِ الخرافة فلن يستطيعوا أن يرُدُّوا عليهم أبداً.
أصحابُُ نظريةِ عروبةِ القرآن في مشكلةٍ كبيرة، حين دفعتهم الحاجةُ إلى ترجمةِ القرآن.
وحاولوا الخروجَ منها بحِيلةٍ سخيفة.
حين قالوا أنَّ هَذهِ الترجمةُ هي ترجمةُ معنى وليست ترجمةُ مبنى.
هو كلامٌ لا معنى له يضحكون بهِ على أنفُسِهم.
الترجمةُ لا تقومُ إلا على المعنى، ومن المستحيل ترجمةُ نصٍّ لا معنى له.
هل يستطيعُ واحدٌ من أُولاءِ أن يُترجِمَ النَّصَ التالي:
(برنات على سهمندول في أمشيري سلتيس)
الحقيقةُ الثالثةُ التي تنسفُ هذا الاعتقاد.
هي أنَّ اللَّهَ أنزَلَ القرآنَ على سبعةِ أحرُفٍ كما هو ثابتٌ في الصحيح...أقولُ أحرُفٌ وليسَ قِراءات.
الأحرُفُ شيء والقِراءاتُ التي نعرفها اليوم شيءٍ آخر.
جاء الخليفةُ عثمان ابن عفّان وجمعَ القرآن في مُصحَفٍ واحدٍ على حرفِ لغةِ قُريش.
وأَحرَقَ الستَّةَ الأخرى.
وهذه الأحرُفُ هي لُغاتٌ متبايِنةٌ، لسانُ بعضَ القبائلِ التي كانت تَسكنُ مكةَ في زمنِ نزولِ القرآن.
هذه اللغاتُ أو الأحرُفُ الستَّةُ ماتت واندثرت، ولم يعُد أحدٌ يعرفها اليوم.
كيف ماتت ولم يحفَظْها القرآن!؟.
كيف سمحَ اللَّهُ بهذا وهيَ لُغاتٌ نزلَ بها القرآن!؟، وكان لا بدَّ من حفظها لحفظِ القرآن!.
لقد شاءَ اللَّهُ أن يجعلَ كتابهُ على الشكلِ الذي نعرفُهُ، ومن عرَفَهُ ، ومن سيَعرِفَهُ.
ولا يُسألُ اللَّهَ عن ما يشاءَ ويفعل.
القرآنُ هو من يحفظُ لغةَ قُريشٍ وليست قرَيشٌ ولغتُها من تحْفَظَه.
وكما نحنُ اليومَ نبذلُ جهداً في تعلُّمِ لغةَ قُريشٍ وفهمِها وتفسيرِها.
ستبذلُ الأجيالُ القادمةُ جهداً أكبراً في ذلك نظراً لابتعادِ اللغةِ الحاضرة عنها في كُلِّ يوم.
ولهَذا أخبرَنا اللَّهُ بأنهُ حافظٌ لكتابه.
ولو أنَّ عربيتنا بقيت على لغةِ قُريش، فأين الحِكْمةُ والمعجزةُ في حفظِ القرآن.
كيف ننكرُ موتَ اللغةِ ونحنُ نرى ذلك بأُمِّ أعيننا.
وعُلماءُ اللغات يؤكدون بالإجماعِ على أنَّ ظهورَ اللَّهجاتِ هو مؤشرٌ على بدايةِ النهايةِ لأيةِ لغة.
وأنََّّ هَذهِ اللهجاتُ ستتحولُ بدورها إلى لُغاتٍ جديدة.
اللاتينيةُ وهي في طريقها للموت، خلفت الفرنسيةَ والألمانيةَ والإنكليزيةَ وغيرهم.
واندثرت الصينيةُ القديمةُ بعدَ ظهورِ لُغاتٍ صينيةٍ حديثة، والهنديةُ والتُركيةُ والبُرتغالية...
اللَّهُ لا يبالي باللغات، بَل بكتابهِ الذي تعهدَ بحفظه.
وفرضٌ على كُلٍّ مَنْ آمَنَ بهِ أن يتعلَّمَهُ ويَقرأَهُ ويفهمَهُ ويتدبرَهُ ويعملَ به.
بغضِّ النظرِ عن لغتهِ التي يتحدثُ بها ويكتبُ بها ويقرأُ بها.
وسيَنالُ الأجرَ كاملاً مثلَهُ مثلَ من يتحدثُ العربية.
وهذا فعلاً ما يقوم به المسلمون اليوم في أوساط الأقوام الأخرى.
القرآنُ المجيدُ هو كتابُ اللَّهِ وكلامه.
صالحٌ حتماً لكُلِّ زمانٍّ وعصرٍ ومكان، ذلك لأنَّ اللَّهَ قرَّرَ ذلك.
وإن وجدنا في آياتهِ ما يخالفُ واقعِ الحال، فالعيبُ في الواقعِ والحال.
الإيمانُ الراسخُ بصِدْقِ القرآن، وجهلُ الكثير وقصورِهم عن إسقاطِ الآيات على الواقع.
وما تطَوَّرَ من أدواتِ المعرفةِ والكشفِ العلمي.
يحيلهم إلى التشبُثِ بما قالهُ السلفُ الذين كانَ قولُهم على قدرِ معرفتهم الضئيلة.
هل يصدِّقُ أحدٌ ما قالهُ الإمامُ الشافعي عن تَسطُّحِ الأرض!؟، طبعاً الشافعي له عذره
لكن لاَ عُذْرَ اليومَ لمن يقولوا بأنَّ العربيةَ هي اللغةُ التي علَّمَها اللَّهُ لِآدَم.
وقد بينت الكشوفُ العِلميةُ والأثريَّةُ مئاتَ الوثائقِ والرُّقَمِ والمَخطوطات.
الَّتي تؤكدُ بما لاَ يقبل الشك، نشأةُ العربيةِ ما بينَ الألفِ الرّابعةِ والخامسةِ قبلَ الميلاد.
فضلاً على أنَّ الآيةَ الكريمةَ الَّتي جاءت برقم 31 في سورةِ البقرة.
لاَ تدل على أيِّ لغةٍ بعينها، لاَ من بعيدٍ ولاَ من قريب
للَّهِ كُلَّ شيء، خالقُ كُلَّ شيء، ولهُ كُلَّ اللغات.
نعم، لقد أخبرَنا اللَّهُ بأنَّهُ أنزَلَ القرآنَ باللغةِ العربية، وأخبرَنا أيضاً أنَّهُ أنزَلَ كُتُبِهِ بلُغاتٍ أخرى.
هذا يساوي العربيةَ بغيرها، ويحرِمها مِنَ التَّمَيُّز.
واللَّهُ له أن يخاطِبَ خلْقهِ وعبيْدهِ باللغةِ التي يشاء.
ألم يُنزل مزاميْرَ داوودٍ بلُغةِ القومِ الَّذينَ بُعِثَ فيهم النبي داوود.
كذلك الإنجيلُ نزلَ بالسريانية، والتوراةُ بالعبرية.
نحنُ نؤمنُ باللَّهِ وكُتُبِهِ ورسله، لاَ نفرقُ بينَ أحدٍ منهم.
القرآنُ بدورِهِ نزلَ على لغةِ العرب.
القرآنُ هوَ مَنْ كرَّمَ العربيةَ وليسَ العكس، وقد كرَّمَ العربَ أنفسهم.
الإسلامُ ليسَ عربيّاً كما يدعي المتعصبونَ للعروبة.
الإسلامُُ دينٌ عالميٌّ، ولاَ علاقةَ بينَ العروبةِ والإسلام.
الإسلامُ دينٌ والعربيةُ قومية، والرَّبطُ بينهما هو فكرٌ سياسيٌّ محض.
أكَّدَ اللَّهُ ذلك في القرآن، وحدَّثَنا عنهُ الرسولُ الكريم
في أكثرِ من موقفٍ وحديث، وأنَّهُ أُرسِلَ للخلقِ أجمعيْن.
وللجِنِّ أيضاً حيثُ نحنُ نَنْسَى هذا في العدة، ولاَ نسأل إنْ كانَ الجنُّ مِنْ جنسِ العرب أو غيرهم.
وصادرْنا الإسلامَ للعربِ وحدهم فقط.
بهذا وَدونَ أن نَدري نَتْبَعُ اليهودَ في تعصُّبهم لِدِيِنهِم ولُغتهِم وكتابهم.
ما لم يفعلَهُ النَّصارى، ذلك لأنَّهم أكثرَ ذكاءً ومعرفةً بربِّهم ودينِهم مِنَ المسلمينَ العرب.
العلاقةُ بينَ العروبةِ والإسلامِ هي علاقةٌ رمزيةٌ روحية، وليست علاقةٌ وظيفيةٌ مصيرية.
حدَّثَنا الرسولُ الكريمُ أنَّ كُلَّ نبيٍّ بُعِثَ بلُغةِ قومه.
هذا يعطينا صورةً واضحةً عن أنَّ القرآنَ ما نزلَ عربيّاً إلّاَ لأنَّ الرسولَ بُعِثَ مِنْ بينِ العرب.
لو أنَّ العروبةَ لاَ تنفَكُّ عن الإسلام، فهذا يعني بالضرورةِ أنَّ كلَّ مسلمٍ هو عربي.
هل هذا هوَ الصَّحيحُ والواقعُ اليوم؟.
إنَّ واقعَ الإسلامِ اليوم هو انحسارهِ وانحباسِهِ بينَ جدرانِ المساجد.
وما أن يخرجَ إلى النّاسِ في البيتِ والشارعِ والمؤسسة، حتَّى يتبخرَ ويختفي.
لماذا؟!...لأنَّ المشتغلينَ بهِ لهم مصلحةٌ كبرى في أن يبقى الحالُ على ما هوَ عليه.
هذا التراخي في تدبُّرِ القرآنِ على ضوءِ المستجداتِ العلميةِ وتطوُّرِ أدواتِ المعرفة.
يُوقعُ الأُمَّةَ في الإثمِ لعدمِ تدبُّرِ القرآنَ تدبُّراً صحيحاً يوافقُ العِلْمَ والواقع.
ويفتحُ ثغرةً لِأعداءِ الدينِ ويقدِّمُ لهم الحججَ على عدمِ مصداقيةِ القرآن.
الحديثُ عن كيفيةِ نُشوءِ اللُّغةِ العربيةِ ليسَ مِنْ مستجدّات اليوم.
المؤرخونَ العربُ القُدماءُ لم ينكروا فَضْلَ اللغات الأخرى على اللغةِ العربية، ولم ينكروا كيفيةَ نشوئها وتطورها.
ولم يقُل أيَّ واحدٍ منهم بأنَّها لُغةٌ جاهزةٌ خلقها اللَّهُ وأنزَلَها لهم مع المطر.
كما يقولُ المشتغِلونَ بالدينِ وأهلُ اللغةِ في وقتنا الحاضر.
كتَبَ صاعد الأندلسي في كتابهِ طَبَقات الأمم:
(وكانت هذه البلادُ واحدةٌ ملكها واحد ولسانها واحد سرياني وهو اللسان القديم)
وذكَرَ المسعودي:
(كانَ أهلُ نينوَى ممن سُمُّوا نَبيطاً وسريانيين وجنسهم واحد ولغتهم واحدة، وإنما كان النبط عنهم بأحرفٍ يسيرة).
وحكا لنا البَلاذري في فتوحِ البُلدان:
(أجتمعَ ثلاثةُ نَفرٍ من طي ببَقَّة.
وهم مَرار ابن مُرة وأسلم ابن سدرة وعامر ابن جذرة.
فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية وأخذوا أسماء الخط منها).
ومعنى كلام البلاذري أنَّ الأحرُفَ الهجائيَّةَ العربيةَ أُخِذَت مِنَ السُّريانية رسماً ولفظاً.
كالألف والباء والتاء.
الألِفُ السُريانية هي يليف وتعني التعلم.
لا بد لنا من تصديق هذا الكلام، وقد أيَّدهُ القرآنُ في سورةِ قُريش.
(لإيلافِ قُريش إيلافهِم رحلَةَ الشتاء والصيف).
وترَكَنا المعلِّمون ونحنُ صغاراً فترةً طويلة، قبل أن نتعلم بأنفسنا ماذا تعني كلمة إيلاف.
إنَّ اللَّهَ بعَظَمَتِهِ وجلالهِ محيطٌ بكل شيء، وضَعَ ناموساً لهذا الكون لا يمكن لأحد أن يخرقه.
حتى نظريةُ التَّطوُّرِ إن كانت صحيحةً أو خاطئةً لا تخرجُ عن هذا النّاموس.
أيضاً المَلاحِدةُ والكُفّارُ هم تحتَ قُبَّةِ اللَّهِ ولَو ادَّعُوا غيرَ ذلك.
من واقعِ جهلهم بمعرفةِ اللَّهِ الحقيقي.
وهذا للأسفِ ما نراهُ اليومَ بينَ المسلمينَ أنفسهم، في قصورِهِم عن إدراكِ حقيقَةَ الله.
لقد سمحَ الله بنشوءِ آلاف اللغات، وكم من لُغاتٍ عاشت وماتت.
ربما عُمْرُ اللغة الطويل بالنسبةِ لعمْرِ الإنسان، جعلته يعتقد أنها خالدة.
نحن لاَ نعرفُ لُغةَ أهلَ الجنَّةِ وأهلَ النّارِ لأنَّ اللَّهَ لم يخبرنا بذلك.
وقد أنطَقَهُم بالسريانية في الإنجيل وبالعبرية في التوراة وبالعربية في القرآن.
وها هو يُنطِقُهُم بالفرنسية واليابانية والبلغارية...بعدَ أن تمَّت ترجمةُ القرآن.
يجبُ التمعُّنُ جيِّداً في هذا الكلام من منظار القلب والروح، لأن هذا كلام الله
وليس رِوايةً لِبشريٍّ نالت شُهرةً عالمية، صارَ أبطالُها ينطقون بكلِّ اللُّغات.
المتعصبونَ للعربيةِ يقولونَ كلاماً لا لَونَ له ولا طعم، عن أنَّ اللَّهَ كرَّمَ العربيةَ وجعلها لُغةَ أهلِ الجنَّة.
ما هي إذن لُغةُ أهلِ النار!؟...طبعاً لهم لغةٌ أخرى لأنهم غير مكرَّمين.
من عرفَ لُغةَ أهلِ الجنَّة لِمَ استعصَت عليه لُغةُ أهلِ النّار!؟.
هذا كلامٌ مرسَلٌ لا يُقبَل لا في إطارِ الدين ولا في إطارِ العروبة.
خلقَ اللَّهُ هذا الكونَ وجعلَ لكلِّ شيءٍ سبباً.
ونظريةُ التطور وغيرها من آلافِ النظريات سمَحَ بهم الله
ليكونوا أسباباً لترسيخ ناموسه بين عِباده.
القرآنُ باقٍ ما بقيت الحياة بحرفهِ ورسمِهِ وشكْلهِ ولغتِه.
وتأتي لُغاتٌ وتذهبُ لُغات إلى أن يرثَ اللَّهُ الأرضَ ومَنْ عليها.
القرآنُ الكريمُ هو المعجزةُ الباقيَّةُ وَرَكيزةُ الإسلام.
ومن خلالهِ نثبتُ لغيرِ المسلمين صِدْقَ سَيدنا محمد وثبوتَ رسالته.
ومن خلالِ القرآن الكريم نثبتُ للمُلحِدينَ وجودَ اللَّهِ الخالقِ وصحَّةِ رسالةِ الإسلام.
من هنا كانَ لا بدَّ من الاهتمامِ بهَذا الكتاب وتعظيمه وتنزيهه عن كل فكرٍ بَشري.
وليسَ إضعاف الثقة بهِ بتقديمِ الظَنِّياتِ عليه، كما فعَلَ أهلُ اللُغةِ ويفعلون.
اللهم إن كنتُ قد أخطأت، فأنتَ الَّذي لاَ يُخطئ.
وإن كنتُ قد أَصَبْت، فأنتَ الَّذي يُجزِئ.
تعليق