ملاك رحيم
قبل أن يتنفس الفجر تسللّت نسمات منعشة إلى داخل البناية من نوافذها المشرّعة في ليلة ربيعية تنصّلت من اعتدالها، وغرقت في حرّ لا تطيقه الجباه المشتعلة والأجساد الّتى تتشوّى على الأسرّة. طوال اللّيل كان مصطفى يطلق تنهداته العميقة بإيقاع يجاري سمفونية حزينة تضطرب تفاعيلها بين الحين والآخر، ثلة من المسهّدة عيونهم تكتفي بازدراد تلك المأدبة في صمت كاظمة آهاتها، بينما يجهر آخرون ممّن طفح بهم الكيل وتهشّمت هممهم، فما عادوا يتحرّجون من إعلان الضعف وقلّة الحيلة. مصطفى يعرف يقين المعرفة هذه المراقد التي يهجرها النوم وتفرّ منها الرّاحة، يتذكر حين تسلّق أوّل أدراج فتوّته وحطّت به قدمه ذات كبوة في إحدى هذه المشافي، يكره تلك الابتهالات الليليّة التي دأب البعض على ترديدها كورد لا يكتمل نصاب الطقس اليومي إلاّ به، يدرك أن جذوة حياة انطفأت في غسق الليل كلّما اختلّ ميزان الأوراد، وانسحبت نبرة كانت على شفا استراحة أبدية. يومها كان مريضا لكنه قياسا لهؤلاء الذين يطلقون العنان لأنينهم فهو معافى يرفل في نعيم الصّحة، يستطيع تتبّع حكايات وأخبار المشفى، يستطيع رصد الفاتن الذي تزوره الفتيات الجميلات، تحمل عيونهن بعضا من الأسى وقسطا لا يخفى من بريق الألفة، يثيره ذلك المقطوع من شجرة، المتروك تركا موحشا لحاله، والمرميّ رميا خشنا على قارعة الحياة، لا يؤانسه إلاّ صمته المديد، يناطحه حين استفحاله باقتحام جلسة سمر أو هتك حرمة حديث نجوى بين صاحبين حميمين. عشرة أعوام بعدها وقد استوى عوده وأشرقت رجولته جاء المرقد حاملا جرحا بليغا أصرّ هذه المرة على ترك بعض أثر على جسده المأخوذ بلذّة الحياة، تذكر الطّبيبة كما المنظفة وذلك الممرض الكهل الذي كاد يعرض عليه فتاته البكر للزواج، كاد أنينه يتوقف برهة وكادت ملامحه ترسم ابتسامة زهو وهو يسترجع تلك الجاذبية التي كان يمارسها على محيطه. مضت السنوات تلو السنوات، وترك وراءه ذلك العمر الجميل. ساعة جاء هذه المصحّة، كنّ أول ما أثار انتباهه، هن سبع أو ثمان نجمات أو يزدن قليلا، يخطف ألقهن الأبصار، داعبته فكرة خبيثة أن الموت هنا قد يكون طعمه مختلفا عن مرارته في بقعة مهجورة، حين بدأ يتخلّص من أثوابه واحدا واحدا خُيّل إليه أنه يسير في شاطئ هادئ بين ظلات قزحيّة اللّون وقدماه تنغمسان في رماله الذهبية برفق، ولمّا ارتدى ذلك الرداء الأخضر توهّم نفسه كالغادي إلى المجهول، دقّت لدغة توجّس طبول قلبه، ملاك رحمة يدفع عربة تحمله، وآخر إلى جانبه يسير سيرا موزونا، ينزل بهم المصعد من الدور العلوي إلى السفليّ، بعد بهرجة وحركة متسارعة حوله، شمّ شمّة أغوته فزادها أخرى فأخرى ليسرح في دنيا العدم. آه يتبعه آه، لكأنّ حيوانا ضاريا أطبق فكّيه على بطنه فلا هو أرخى القبضة ولا مزّق الأغشية شرّ ممزّق فينتهي هذا الألم الفظيع، لسانه يرتّل موّال الأنين منذ استفاق، ولادة جديدة، بكاء جديد، ملاك رحمة يغيثه بحقنة لعلها تخفّف القبضة اللّعينة، وجع يتبعه وجع وهكذا تتناسل الآلام متدافعة محتشدة محتفلة بعودته إلى الحياة، زغرد لسانه المتيبس كلمات شكر بلغات الدّنيا التّسع في وجه الملك الصّبوح الرؤوف، مضت السّاعات تلو السّاعات حتى جاء اللّيل بأستاره الثقيلة وغادر آخر الزّوار غرفته، انقضّت عليه تلك التي جاء دورها، يجب أن تقوم وتمشي على قدميك، ساعدته حتى جلس فأكمل المهمة واقفا، كانت تتحدث عن ضياع الرجولة في يده وصاحبتها تومئ برأسها إيجابا، تستفزّانه أن هناك من مشى على قدميه منذ فتح عينيه، قال لها متهكما، أنا لست رجلا إلى هذه الدّرجة، وبالمناسبة سأحكي لكما نكتة، وقفتا مصغيتين وعيناهما تتشوقان لانتزاع الكلمات من حلقه: "صاحت النسوة مستغيثات، بوشعيب هيا يا بوشعيب، أدركنا يا بوشعيب، هذا ثعبان وليس مجرد فأر، جاء بوشعيب مستأسدا، حاملا لواء الرجولة والفحولة، مسلحا بعصا طويلة، أين هذا الثعبان البغيض، أين تلك الحيّة الملعونة؟ هناك،، هناك يا بوشعيب،، استوت عينا بوشعيب على صفاق أسود يتطاول ملتويا عشر التواءات، فارتعدت فرائصه، و خويت ركبتاه، فتمتم مبتلعها ريقه، هذا الثعبان يحتاج إلى رجل." ضحكت الحسناء من أعماقها كما قهقهت رفيقتها النجلاء، كادت الضحكة تقتل مصطفى، وأوشك أن يلفظ أمعاءه جميعها، وتوالت طعنات الألم في بطنه وصاح صيحة حادّة، مواصلا خطواته، أشدّ ما يؤلمه، الضّحكُ كما العطاس، فأن يدفن نفسه في التراب خير له من عطسة تفوق شدّتها طعنة رمح محكمة، وخير له أن يبكي متوجّعا الليل كلّه من ضحكة تنفجر في أحشائه بارودا. عندما عاد إلى غرفته واستوى على مضجعه قال لتلك التي رجّح ارتفاع حظّها من الحسن وتيقّن من قلّة رصيدها من الرّأفة، ومع ذلك فأنا رجل ونصف يا امرأة. كانت ليلة عصيبة، لم تنصرم حتّى تضخّم غيظه، فانهال على أول متفقديه صبحا توبيخا، فرغم ما أظهره من حاجة إلى المساعدة فلا أحد استجاب لرغبته فمضى عليه الليل طويلا غليظا، سرعان ما جاءت الثانية، فالثالثة يسألن عن حاله، و عن رغبته، فكان يجيب بجفاء، "لست بخير". جاء الملك الكريم فأشرقت الغرفة وأومض قلبه أملا، نزلت مواساته بردا وسلاما على أحزانه وأوجاعه، ما أعجبك أيتها الحياة، في خطوات البعض بلسم شاف لكل الأمراض، ومن نغمة اللّسان يتدفق إكسير البهجة وترياق البهاء. أضاءت مصابيح قلبه و استنارت دروب يومه وماهي إلا لحظات فإذا بابنه يملأ عليه وحشته، كيف أمضيت ليلتك يا أبي؟ لا تقل لي إنك متعب وسهران، لا تحدّثني عن إهمالهم لك؟ لا تفتعل هذا الانكسار؟ فأنا أعرفك" ابتسم في وجهه ابتسامة خفيفة مجيبا، "نعم صدقت يا ولدي، لكن هذه المرّة ربما كنتُ محقّا في ادّعائي ..."
قبل أن يتنفس الفجر تسللّت نسمات منعشة إلى داخل البناية من نوافذها المشرّعة في ليلة ربيعية تنصّلت من اعتدالها، وغرقت في حرّ لا تطيقه الجباه المشتعلة والأجساد الّتى تتشوّى على الأسرّة. طوال اللّيل كان مصطفى يطلق تنهداته العميقة بإيقاع يجاري سمفونية حزينة تضطرب تفاعيلها بين الحين والآخر، ثلة من المسهّدة عيونهم تكتفي بازدراد تلك المأدبة في صمت كاظمة آهاتها، بينما يجهر آخرون ممّن طفح بهم الكيل وتهشّمت هممهم، فما عادوا يتحرّجون من إعلان الضعف وقلّة الحيلة. مصطفى يعرف يقين المعرفة هذه المراقد التي يهجرها النوم وتفرّ منها الرّاحة، يتذكر حين تسلّق أوّل أدراج فتوّته وحطّت به قدمه ذات كبوة في إحدى هذه المشافي، يكره تلك الابتهالات الليليّة التي دأب البعض على ترديدها كورد لا يكتمل نصاب الطقس اليومي إلاّ به، يدرك أن جذوة حياة انطفأت في غسق الليل كلّما اختلّ ميزان الأوراد، وانسحبت نبرة كانت على شفا استراحة أبدية. يومها كان مريضا لكنه قياسا لهؤلاء الذين يطلقون العنان لأنينهم فهو معافى يرفل في نعيم الصّحة، يستطيع تتبّع حكايات وأخبار المشفى، يستطيع رصد الفاتن الذي تزوره الفتيات الجميلات، تحمل عيونهن بعضا من الأسى وقسطا لا يخفى من بريق الألفة، يثيره ذلك المقطوع من شجرة، المتروك تركا موحشا لحاله، والمرميّ رميا خشنا على قارعة الحياة، لا يؤانسه إلاّ صمته المديد، يناطحه حين استفحاله باقتحام جلسة سمر أو هتك حرمة حديث نجوى بين صاحبين حميمين. عشرة أعوام بعدها وقد استوى عوده وأشرقت رجولته جاء المرقد حاملا جرحا بليغا أصرّ هذه المرة على ترك بعض أثر على جسده المأخوذ بلذّة الحياة، تذكر الطّبيبة كما المنظفة وذلك الممرض الكهل الذي كاد يعرض عليه فتاته البكر للزواج، كاد أنينه يتوقف برهة وكادت ملامحه ترسم ابتسامة زهو وهو يسترجع تلك الجاذبية التي كان يمارسها على محيطه. مضت السنوات تلو السنوات، وترك وراءه ذلك العمر الجميل. ساعة جاء هذه المصحّة، كنّ أول ما أثار انتباهه، هن سبع أو ثمان نجمات أو يزدن قليلا، يخطف ألقهن الأبصار، داعبته فكرة خبيثة أن الموت هنا قد يكون طعمه مختلفا عن مرارته في بقعة مهجورة، حين بدأ يتخلّص من أثوابه واحدا واحدا خُيّل إليه أنه يسير في شاطئ هادئ بين ظلات قزحيّة اللّون وقدماه تنغمسان في رماله الذهبية برفق، ولمّا ارتدى ذلك الرداء الأخضر توهّم نفسه كالغادي إلى المجهول، دقّت لدغة توجّس طبول قلبه، ملاك رحمة يدفع عربة تحمله، وآخر إلى جانبه يسير سيرا موزونا، ينزل بهم المصعد من الدور العلوي إلى السفليّ، بعد بهرجة وحركة متسارعة حوله، شمّ شمّة أغوته فزادها أخرى فأخرى ليسرح في دنيا العدم. آه يتبعه آه، لكأنّ حيوانا ضاريا أطبق فكّيه على بطنه فلا هو أرخى القبضة ولا مزّق الأغشية شرّ ممزّق فينتهي هذا الألم الفظيع، لسانه يرتّل موّال الأنين منذ استفاق، ولادة جديدة، بكاء جديد، ملاك رحمة يغيثه بحقنة لعلها تخفّف القبضة اللّعينة، وجع يتبعه وجع وهكذا تتناسل الآلام متدافعة محتشدة محتفلة بعودته إلى الحياة، زغرد لسانه المتيبس كلمات شكر بلغات الدّنيا التّسع في وجه الملك الصّبوح الرؤوف، مضت السّاعات تلو السّاعات حتى جاء اللّيل بأستاره الثقيلة وغادر آخر الزّوار غرفته، انقضّت عليه تلك التي جاء دورها، يجب أن تقوم وتمشي على قدميك، ساعدته حتى جلس فأكمل المهمة واقفا، كانت تتحدث عن ضياع الرجولة في يده وصاحبتها تومئ برأسها إيجابا، تستفزّانه أن هناك من مشى على قدميه منذ فتح عينيه، قال لها متهكما، أنا لست رجلا إلى هذه الدّرجة، وبالمناسبة سأحكي لكما نكتة، وقفتا مصغيتين وعيناهما تتشوقان لانتزاع الكلمات من حلقه: "صاحت النسوة مستغيثات، بوشعيب هيا يا بوشعيب، أدركنا يا بوشعيب، هذا ثعبان وليس مجرد فأر، جاء بوشعيب مستأسدا، حاملا لواء الرجولة والفحولة، مسلحا بعصا طويلة، أين هذا الثعبان البغيض، أين تلك الحيّة الملعونة؟ هناك،، هناك يا بوشعيب،، استوت عينا بوشعيب على صفاق أسود يتطاول ملتويا عشر التواءات، فارتعدت فرائصه، و خويت ركبتاه، فتمتم مبتلعها ريقه، هذا الثعبان يحتاج إلى رجل." ضحكت الحسناء من أعماقها كما قهقهت رفيقتها النجلاء، كادت الضحكة تقتل مصطفى، وأوشك أن يلفظ أمعاءه جميعها، وتوالت طعنات الألم في بطنه وصاح صيحة حادّة، مواصلا خطواته، أشدّ ما يؤلمه، الضّحكُ كما العطاس، فأن يدفن نفسه في التراب خير له من عطسة تفوق شدّتها طعنة رمح محكمة، وخير له أن يبكي متوجّعا الليل كلّه من ضحكة تنفجر في أحشائه بارودا. عندما عاد إلى غرفته واستوى على مضجعه قال لتلك التي رجّح ارتفاع حظّها من الحسن وتيقّن من قلّة رصيدها من الرّأفة، ومع ذلك فأنا رجل ونصف يا امرأة. كانت ليلة عصيبة، لم تنصرم حتّى تضخّم غيظه، فانهال على أول متفقديه صبحا توبيخا، فرغم ما أظهره من حاجة إلى المساعدة فلا أحد استجاب لرغبته فمضى عليه الليل طويلا غليظا، سرعان ما جاءت الثانية، فالثالثة يسألن عن حاله، و عن رغبته، فكان يجيب بجفاء، "لست بخير". جاء الملك الكريم فأشرقت الغرفة وأومض قلبه أملا، نزلت مواساته بردا وسلاما على أحزانه وأوجاعه، ما أعجبك أيتها الحياة، في خطوات البعض بلسم شاف لكل الأمراض، ومن نغمة اللّسان يتدفق إكسير البهجة وترياق البهاء. أضاءت مصابيح قلبه و استنارت دروب يومه وماهي إلا لحظات فإذا بابنه يملأ عليه وحشته، كيف أمضيت ليلتك يا أبي؟ لا تقل لي إنك متعب وسهران، لا تحدّثني عن إهمالهم لك؟ لا تفتعل هذا الانكسار؟ فأنا أعرفك" ابتسم في وجهه ابتسامة خفيفة مجيبا، "نعم صدقت يا ولدي، لكن هذه المرّة ربما كنتُ محقّا في ادّعائي ..."
تعليق