أسمعت لوناديت حيًّا
****************
في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، خرج شيخ عجوز يتوكّأ على عصا وراح يسأل : " أين يكمن الاعوجاج ؟ " . ثم أشار إلى مقبض عكّازه .
لاتزال صورة ذاك الشّيخ الوقور عالقة بذهني ، وكان قد أطلّ علينا من غير موعد ولا ميعاد عبر قناة " اليتيمة " المحترمة ، بعد ان اشتدّ الخلاف حول بعض مواد الدّستور، يوم كان الاهتمام منصبًّا حول الأفكار في الموائد المستديرة ، وليس حول موائد الأكل و الطّعام مثلما هو الحال بالنسبة لشاشاتنا " المقعّرة " في هذه الأيّام . تمرّ الأعوام تترى ، وما تزال دار لقمان على حالها .
قبل هذا ، وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، عندما كانت النّوايا الطيّبة وأحب المجتمع الجزائري يومها أن يتصالح مع نفسه ، جرت مواجهات وحوارات ...، كتلك التي حدثت بين وزير البناء والأشغال وأحد الولاة . وكان هذا الأخير جريئًا بما يكفي لإحراج الوزير ، والذي لم يجد ما يرد به على سؤال الوالي الشّهير : " وأين كانت الدّولة عندما بدأ البناء الفوضوي يأخذ في الانتشار ؟ا " . كانت البلاد يومها قد شهدت " بريسترويكا " مبكّرة ، لم يشهد العالم العربي مثلها ، والذي اجتاحه فيما بعد ما يُسمّى " بالرّبيع ".
الدولة مسؤولة أخلاقيا عن كل ما يحدث . و ما يعيشه المجتمع من تردّي ، سببه يعود إلى استقالة ، أو بالأحرى انسحابها من حياة النّاس وتركهم " يأكلوا بعضهم البعض " ، وقد خلّفت هذه الاستقالة و هذا الانسحاب " ديستوبيا " حقيقية . حقيقة مرّة وواقع مرير اا
نشاهد اليوم كيف ارتمى الناس بكل سذاجة في أحضان وسيلة " التكنولوجية " البرّاقة ، والتي لوّثت عقولنا وأسماعنا ، وملأت الدّنيا بالضّجيج . حتّى أن بيوت الله لم تنجوا هي الأخرى من هذا التلوّث ؛ لم تعد مساجدنا اليوم سوى أماكن لتمضية الأوقات في اللّهو والعبث ، ونهش الأعراض ، و الاستغراق في النّوم الطّويل حتى آخر الأوقات ، لما توفّره من أسباب الرّاحة ، و فسيفساء ، وزخارف التّزاويق البرّاقة . وما يقال عنها أيضًا يقال عن بقيّة المرافق الأخرى.
لو قُدّر لي أن ألتقي بصاحب العصا المعوجّة لقلت له إن الاعوجاج جاء من الأسفل ؛ لم أشهد في حياتي قط ، وقد ناهزت الستّين من عمري ، بنّاءً بدأ بنايته من فوق ثم نزل بعدها إلى أسفل الأرضيّة . ولنا في المثل الذي يقول تبنى " الجبال من الحصى " خير دليل. كذلك الشّأن بالنّسبة للدّولة والأفراد، كل شيء في هذه الدّنيا يبدأ من الأساس . والأخلاق باعتبارها أساس الحياة الجميلة الرّاقية ، فعندما تغيب الأخلاق من حياتنا نفقد الأمل في كل شيء جميل .وحتّى المولى عزّ وجل بنفسه باعتباره المهندس الأوّل لهذه الأكوان ، أوّل شيء بدأ به هو القلم ( فقال له أكتب...إلى آخر الرواية ) لأهميّة القلم الذي به قدّر الأقوات والأرزاق ، وعندما أراد أن يمدح حبيبه قال له ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ). فلو قُدّر لي أن ألتقي بالشّخص ذاته مرّة أخرى ، لقلت له كما قال الشّاعر قديما : لقد أسمعت لوناديت حيًّا...ولكن لاحياة لمن تنادي .
****************
في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، خرج شيخ عجوز يتوكّأ على عصا وراح يسأل : " أين يكمن الاعوجاج ؟ " . ثم أشار إلى مقبض عكّازه .
لاتزال صورة ذاك الشّيخ الوقور عالقة بذهني ، وكان قد أطلّ علينا من غير موعد ولا ميعاد عبر قناة " اليتيمة " المحترمة ، بعد ان اشتدّ الخلاف حول بعض مواد الدّستور، يوم كان الاهتمام منصبًّا حول الأفكار في الموائد المستديرة ، وليس حول موائد الأكل و الطّعام مثلما هو الحال بالنسبة لشاشاتنا " المقعّرة " في هذه الأيّام . تمرّ الأعوام تترى ، وما تزال دار لقمان على حالها .
قبل هذا ، وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، عندما كانت النّوايا الطيّبة وأحب المجتمع الجزائري يومها أن يتصالح مع نفسه ، جرت مواجهات وحوارات ...، كتلك التي حدثت بين وزير البناء والأشغال وأحد الولاة . وكان هذا الأخير جريئًا بما يكفي لإحراج الوزير ، والذي لم يجد ما يرد به على سؤال الوالي الشّهير : " وأين كانت الدّولة عندما بدأ البناء الفوضوي يأخذ في الانتشار ؟ا " . كانت البلاد يومها قد شهدت " بريسترويكا " مبكّرة ، لم يشهد العالم العربي مثلها ، والذي اجتاحه فيما بعد ما يُسمّى " بالرّبيع ".
الدولة مسؤولة أخلاقيا عن كل ما يحدث . و ما يعيشه المجتمع من تردّي ، سببه يعود إلى استقالة ، أو بالأحرى انسحابها من حياة النّاس وتركهم " يأكلوا بعضهم البعض " ، وقد خلّفت هذه الاستقالة و هذا الانسحاب " ديستوبيا " حقيقية . حقيقة مرّة وواقع مرير اا
نشاهد اليوم كيف ارتمى الناس بكل سذاجة في أحضان وسيلة " التكنولوجية " البرّاقة ، والتي لوّثت عقولنا وأسماعنا ، وملأت الدّنيا بالضّجيج . حتّى أن بيوت الله لم تنجوا هي الأخرى من هذا التلوّث ؛ لم تعد مساجدنا اليوم سوى أماكن لتمضية الأوقات في اللّهو والعبث ، ونهش الأعراض ، و الاستغراق في النّوم الطّويل حتى آخر الأوقات ، لما توفّره من أسباب الرّاحة ، و فسيفساء ، وزخارف التّزاويق البرّاقة . وما يقال عنها أيضًا يقال عن بقيّة المرافق الأخرى.
لو قُدّر لي أن ألتقي بصاحب العصا المعوجّة لقلت له إن الاعوجاج جاء من الأسفل ؛ لم أشهد في حياتي قط ، وقد ناهزت الستّين من عمري ، بنّاءً بدأ بنايته من فوق ثم نزل بعدها إلى أسفل الأرضيّة . ولنا في المثل الذي يقول تبنى " الجبال من الحصى " خير دليل. كذلك الشّأن بالنّسبة للدّولة والأفراد، كل شيء في هذه الدّنيا يبدأ من الأساس . والأخلاق باعتبارها أساس الحياة الجميلة الرّاقية ، فعندما تغيب الأخلاق من حياتنا نفقد الأمل في كل شيء جميل .وحتّى المولى عزّ وجل بنفسه باعتباره المهندس الأوّل لهذه الأكوان ، أوّل شيء بدأ به هو القلم ( فقال له أكتب...إلى آخر الرواية ) لأهميّة القلم الذي به قدّر الأقوات والأرزاق ، وعندما أراد أن يمدح حبيبه قال له ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ). فلو قُدّر لي أن ألتقي بالشّخص ذاته مرّة أخرى ، لقلت له كما قال الشّاعر قديما : لقد أسمعت لوناديت حيًّا...ولكن لاحياة لمن تنادي .