ثمة عشرون دقيقة لموعد قدوم قطار منتصف الليل.
الشتاء يمد بساطه الأبيض في المدينة منذ أيام, والانتظار أشد برداً.
كنزتي الصوفية التي صنعتها جدتي بيديها الخشنة لم تعد تقيني صقيع الأمكنة.
لا امرأة, لا شرطي, لا هرة.
أمامي الشوارع العريضة الممتدة إلا ما لانهاية, وخلفي الشوارع التي عرفت خطاي, وعلى جانبي النوافذ.. النوافذ المؤصدة بإحكام-كالقلوب تماماً.
لا أضواء في الطرقات, السيارات وعربات النقل مركونة على الأطراف, مترو الأنفاق يعرف طريقه.
اللوحة الإلكترونية تشير إلى اقتراب الموعد.
دقائق قليلة يا أبو علي وترتاح.
ثلاثة ايام متتالية بلا نوم. ليتك استسلمت للرصاصة ...
عاصي المحبوب رفيق رحلتي لم يستطع اجتياز المعبر الفاصل بين طرفي المدينة. مرضه الصدري جعله عاجزاً عن الركض مثلنا نحن الناجون. فكان وحده الضحية.
آه يا أبو علي..مات رفيق عمرك ولم تلتفت لتلقي عليه النظرة الأخيرة.
أيها الجبان السريع سبقته لترتمي في حضن الحياة القبيحة. بينما استسلم هو للموت الرؤوم.
أيها الوغد، لقد اتفقتما أن تكونا معاً.
واجه أيامك اذاً. غريباً، متشرداً. بلا مأوى، وبلا وطن.
أكمل ما تبقى لك من رصيد في الحياة على هذه الأرض الملعونة هارباً
هربت من المكان الذي تسقط فيه القذيفة إلى الضفة الأخرى التي تنطلق منها القذيفة!
المكان الواسع المتخم بالزبانية والزنازين.
ثم هربت خوفاً من الزنزانة وحينها كان أمامك طريق واحد يؤدي إلى المخيم.
المخيم المفتوح على كل الجهات لكنه كان يحكم قبضته على قلبي.
هه ..تذكرت كلمات جاري في الخيمة المجاورة العجوز أبو عباس
" تباً لك أيها المحظوظ خيمتك مطلة على القمر"
الآن انظر إلى السماء. الضباب يبتلع هذه المدينة الثلجية القاسية. ليلها بلا قمر, صباحاتها شاحبة كأيامك الرمادية. كمعطف هذا الرجل الجالس على كرسي الانتظار في الطرف المقابل.
ليت لي معطفاً كهذا بدل الرداء النايلون الذي وزعته لنا منظمة الun في المخيم. لكن هيهات.
إنه يتسلى بقراءة كتاب, نعم قبعته السوداء لا يرتديها إلا المثقفون.
يكفى أنه في وطنه. لديه بيت وسرير سيأويه بنهاية مطافه في ليلة جليدية كهذه.
أما أنت يا أبو علي فمتى, وكيف, وأين سترتاح؟؟؟
كم قطاراً ستستقل؟ وفي أي محطة ستنتهي رحلتك؟
اللوحة تشير إلى اقتراب الموعد, خمس دقائق وترتاح
لوّحت للرجل الأنيق في الطرف المقابل. قلت بصوت واطئ : ليلة سعيدة أيها المدلل. وسرعان ما انتبهت انه يضع سماعات في أذنيه فرفعت صوتي متيقناً أنه لن يسمع ولن يفهم وصرخت: هل ستنتهي الحروب ونرتاح؟ أم أننا سنرتاح نحن ويرثها أبنائنا.
هيــــــــ تباً لكم...
صوت الصافرة في المحطة المغلقة قطعت هذياني.
انتصب الرجل في الطرف المقابل واقفاً وكذلك فعلت . وسرعان ما توقف المترو كجدار فاصل بيننا.
بضعة ثوانٍ لا أكثر ومضى.
وعاد السكون يلف المكان.. حدقت في الطرف الآخر ..يا إلاهي!!
الرجل ما زال جالساً في مكانه.
قطعت السكة الحديد ومضيت نحوه, أطلت الامعان في عينيه..
حدق بي قائلاً: أنت عربي.
سرت قشعريرة غريبة في جسدي!!
أجبت: كيف عرفت؟
انتصب واقفاً, أمسك يدي وشدني. مضينا بضعة امتار باتجاه النفق
توقفنا.. قال بهدوء: هذا المكان مناسب, ويسعنا.
معنا خمسة ساعات...
رمى حقيبته أرضاً.
وكذلك فعلت أنا ..مددت يدي, أخرجت بطانية المخيم مددتها , خلعت حذائي وجعلته وسادة واستسلمت لنوم عميق.
الشتاء يمد بساطه الأبيض في المدينة منذ أيام, والانتظار أشد برداً.
كنزتي الصوفية التي صنعتها جدتي بيديها الخشنة لم تعد تقيني صقيع الأمكنة.
لا امرأة, لا شرطي, لا هرة.
أمامي الشوارع العريضة الممتدة إلا ما لانهاية, وخلفي الشوارع التي عرفت خطاي, وعلى جانبي النوافذ.. النوافذ المؤصدة بإحكام-كالقلوب تماماً.
لا أضواء في الطرقات, السيارات وعربات النقل مركونة على الأطراف, مترو الأنفاق يعرف طريقه.
اللوحة الإلكترونية تشير إلى اقتراب الموعد.
دقائق قليلة يا أبو علي وترتاح.
ثلاثة ايام متتالية بلا نوم. ليتك استسلمت للرصاصة ...
عاصي المحبوب رفيق رحلتي لم يستطع اجتياز المعبر الفاصل بين طرفي المدينة. مرضه الصدري جعله عاجزاً عن الركض مثلنا نحن الناجون. فكان وحده الضحية.
آه يا أبو علي..مات رفيق عمرك ولم تلتفت لتلقي عليه النظرة الأخيرة.
أيها الجبان السريع سبقته لترتمي في حضن الحياة القبيحة. بينما استسلم هو للموت الرؤوم.
أيها الوغد، لقد اتفقتما أن تكونا معاً.
واجه أيامك اذاً. غريباً، متشرداً. بلا مأوى، وبلا وطن.
أكمل ما تبقى لك من رصيد في الحياة على هذه الأرض الملعونة هارباً
هربت من المكان الذي تسقط فيه القذيفة إلى الضفة الأخرى التي تنطلق منها القذيفة!
المكان الواسع المتخم بالزبانية والزنازين.
ثم هربت خوفاً من الزنزانة وحينها كان أمامك طريق واحد يؤدي إلى المخيم.
المخيم المفتوح على كل الجهات لكنه كان يحكم قبضته على قلبي.
هه ..تذكرت كلمات جاري في الخيمة المجاورة العجوز أبو عباس
" تباً لك أيها المحظوظ خيمتك مطلة على القمر"
الآن انظر إلى السماء. الضباب يبتلع هذه المدينة الثلجية القاسية. ليلها بلا قمر, صباحاتها شاحبة كأيامك الرمادية. كمعطف هذا الرجل الجالس على كرسي الانتظار في الطرف المقابل.
ليت لي معطفاً كهذا بدل الرداء النايلون الذي وزعته لنا منظمة الun في المخيم. لكن هيهات.
إنه يتسلى بقراءة كتاب, نعم قبعته السوداء لا يرتديها إلا المثقفون.
يكفى أنه في وطنه. لديه بيت وسرير سيأويه بنهاية مطافه في ليلة جليدية كهذه.
أما أنت يا أبو علي فمتى, وكيف, وأين سترتاح؟؟؟
كم قطاراً ستستقل؟ وفي أي محطة ستنتهي رحلتك؟
اللوحة تشير إلى اقتراب الموعد, خمس دقائق وترتاح
لوّحت للرجل الأنيق في الطرف المقابل. قلت بصوت واطئ : ليلة سعيدة أيها المدلل. وسرعان ما انتبهت انه يضع سماعات في أذنيه فرفعت صوتي متيقناً أنه لن يسمع ولن يفهم وصرخت: هل ستنتهي الحروب ونرتاح؟ أم أننا سنرتاح نحن ويرثها أبنائنا.
هيــــــــ تباً لكم...
صوت الصافرة في المحطة المغلقة قطعت هذياني.
انتصب الرجل في الطرف المقابل واقفاً وكذلك فعلت . وسرعان ما توقف المترو كجدار فاصل بيننا.
بضعة ثوانٍ لا أكثر ومضى.
وعاد السكون يلف المكان.. حدقت في الطرف الآخر ..يا إلاهي!!
الرجل ما زال جالساً في مكانه.
قطعت السكة الحديد ومضيت نحوه, أطلت الامعان في عينيه..
حدق بي قائلاً: أنت عربي.
سرت قشعريرة غريبة في جسدي!!
أجبت: كيف عرفت؟
انتصب واقفاً, أمسك يدي وشدني. مضينا بضعة امتار باتجاه النفق
توقفنا.. قال بهدوء: هذا المكان مناسب, ويسعنا.
معنا خمسة ساعات...
رمى حقيبته أرضاً.
وكذلك فعلت أنا ..مددت يدي, أخرجت بطانية المخيم مددتها , خلعت حذائي وجعلته وسادة واستسلمت لنوم عميق.
تعليق