موظّف الاستقبال ماتيس..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سامي الشريم
    أديب وكاتب
    • 11-12-2015
    • 107

    موظّف الاستقبال ماتيس..


    استطاع ببنطاله الفضفاض بني اللّون، وبقميصه الأبيض المقلّم بالخطوط الحمراء والسوداء العمودية، وبإعتماره تلك القلنسوة الصفراء أن يجذب انتباهي نحوه عن بقيّة السيّاح. كان واقفًا على رصيف مرفأ سانت رافايل، يتأمّل في المراكب البحرية وهي تتراقص فوق زرقة الماء. لم أر إلى الآن كيف تبدو سحنة هذا الرجل. شدّني الفضول إليه، فدنوت منه كثيرًا، ولم يعد يفصل بيني وبينه غير عامود الإنارة. التفتُ إليه وكأنّني أرنو إلى الصخور الحمراء التي وراءه تمامًا. حدّقت مليًّا في وجهه، ولاح لي أنّه مألوف لديّ. لقد التقيت به من قبل، في مكانٍ ما، ولكن أين ومتى، لا أدري!. جلستُ أسترجع في الذهن جميع الصور إلى أن عرفت من يكون. قلت لنفسي: " إنّه ماتيس موظّف الاستقبال في فندق سافتيل الّذي يقبع في مدينة "ستراسبورغ" لكن ما الّذي جرى له؟ وكيف استحال إلى هذه الهيئة الكالحة التي تشبه لون الرماد؟ وما السبب الّذي حداه أن يغدو شديد الهزال إلى درجة أنّ عظام الترقوة بارزة بشكلٍ مُخيف تكاد تظنّ أن يعيش في مجاعة؟
    بادرته بالحديث: ماتيس، ماذا تفعل هنا؟ التفت إليّ، وتبصّر في وجهي بعينين ملؤهما الغرابة والعجب، ثمّ قال لي: "لا أعرف من أنت، ولكنّك تعرفني، وهذا يشعرني بالخجل من نفسي، أودُّ منك أن تُنعِش ذاكرتي وتُخبرني عمّا كان يربطني بك." قلت له : "هل نسيتني؟ أنا عدنان الّذي لا يسأم أبدًا من زيارة ستراسبورغ، ذاك الّذي كان يُقيم في فندق سافتيل مرارًا كثيرة، وكنت أنت المسؤول الّذي يحفل بشأن حجوزات المسافرين في غُرِف الفُندق. ألاّ تذكر عازف البيانو؟". أغمض عينيه وشرع في فرك شاربه الكثيف مستغرقًا في البحثِ عنّي في حنايا ذاكرته، مرددًا على مسامعي، عدنان، بيانو، الفندق، فسكت برهة ثمّ قال لي: "اعذرني، حاولت أن أتعرّف عليك، فلم أُفلِح في ذلك. فعلاً، كنتُ أعمل في سافتيل، ولكنّي لم أرك قطّ إلّا الآن" أحسستُ أنّي وقعت في مأزق، بل في موقفٍ مُحرج، وهو قد لاحظ ذلك حين بانت على ملامحي ألوان الخجل. قلت: "أتأسف إن ضايقتك، أو تجرأت على جذّ حبائل أفكارك وخيالاتك. قال: "لا عليك، اعتدتُ على مضايقات الغُرباء." فأنصرفتُ عنه، ومشيتُ بضعِ خطوات موليًا ناصيتي صوب المراكب الشراعية عند المرفأ، فصرخ ماتيس مناديًا: "يا عدنان!".

    تكملة..
    التعديل الأخير تم بواسطة سامي الشريم; الساعة 14-07-2018, 18:39.
  • محمد عبد الغفار صيام
    مؤدب صبيان
    • 30-11-2010
    • 533

    #2
    مع آخر كلمة بدأ التشويق !!!
    أتحفنا أيها الأديب ...
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد عبد الغفار صيام; الساعة 13-07-2018, 20:18.
    "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ"

    تعليق

    • سامي الشريم
      أديب وكاتب
      • 11-12-2015
      • 107

      #3

      كدتُ أن أكسر عنقي من سرعة الالتفاتة. عدتُ أدراجي إليه متسائلاً بيني وبين نفسي عمّا إذا كان قد تذكّرني أخيرًا. كان وجه يتلألأ من الغبطة والفرح حين أقبلتُ إليه. صافحني بحرارة كما لو أنّني من أحد سُفراء الدُول، وقال لي: "لا أريد أن أخدعك يا عدنان أكثر من ذلك، بصراحة لم أتعرّف إليك إلا بعد أن حكيت لي أنّك عازف بيانو، ولكن كنتُ راغبًا في حثّك على سرد المزيد من قصص ذلك الفندق الجميل الّذي انسلخ فيما بعد إلى جحيم لا يُطاق." سكت قليلاً بعد أن ألقى على مسامعي تلك الكلمات، ثمّ امتقع لون وجه كلمح البصر، وتبدّدت تلك الفرحة التي استقبلّني بها، وراح يحدّق بعينين مضطربتين في صمت نحو الشمس الغاربة. أفسدتُ بسرعة صيامه عن الكلام بقولي: " ماذا جرى لذلك الفندق؟، كنت أقطن فيه قبل أشهر مضت، لم ألحظ شيئًا غريبًا هناك، هو كما عهدته لم يتغيّر قيد أنملة، المدير تايلفير لا يني يتشبّث بمقعده كما لو أنّه رئيس عربي مُتسلّط، ومُعظم العُمّال، سوريل، وثيبايوت، وسيلفانا، وفيزك، وماتيلد، لا زالوا يكدحون ليل نهار في الفُندق، ولم يفارق أحدًا منهم المكان قطّ.!" رجع ببصره إليّ بوجهٍ مُكفَهِر كأنّني أغضبته دون قصد، فقال لي: "الكارثة سيلفانا، إنّها شيطان خبيث، هي من خرّبت حياتي ودمّرتها من أوّلها إلى آخرها، هي التي دفعتني إلى الفِرار من الفنُدق والمدينة بأسرها، امرأة خائنة العهد، خذلتني، وحطّمت قلبي، عليها آلاف اللّعنات." بدأت عيناه تلمعان بالدموع، بعد نطقه بذلك الكلام الساخن والغاضب. رقّ قلبي على حاله المسكين، لا غرو، أن سيلفانا اجترحت جناية عظيمة في حقّ هذا الرجل الطيّب، ولكني أستغرب، لقد كانت سيلفانا تحبّه حبًا شديدًا، بل تقدّسه أيما تقديس كما لو كان آلهة يونانية، كيف تجرأت وخانت هذا المخلوق المُسالم؟! لم أودّ أن أضايقه أو أُكثر عليه الأسئلة، فأخبرته بصوتٍ هادئ أن ينسى قليلاً تلك الأحداث، وأن نذهب إلى مطعمٍ قريب لنأكل فيه، فمعدتي خاوية مُذ ست ساعات، وهو على ما أظن بحاجةٍ ماسّة إلى غذاء، فمن يرى جسمه الهزيل هذا، لا يرتاب أبدًا من أنّه على وشك الموت في قادم الأيام. وافق على طلبي، وسرنا سويًا بإتجاه مطعم فاخر على ناصية الشارع، صرت أترّدد عليه كثيرًا في الآونة الأخيرة، ليس من أجلِ أكلهِ الشهي، بل ثمّة نادلة إيطالية بالغة الحُسن والجمال، أُعجبت بها من أوّل ما نظرت إليها، وهي أيضًا أُعجبت بي حين عزفت على بيانو المطعم، إحدى معزوفات "لودوفيكو إينودي" الشهيرة. لا أدري إن كانت موجودة الآن، ولكن سأعرف ذلك بعد لحظات.
      التعديل الأخير تم بواسطة سامي الشريم; الساعة 14-07-2018, 18:41.

      تعليق

      • سامي الشريم
        أديب وكاتب
        • 11-12-2015
        • 107

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد عبد الغفار صيام مشاهدة المشاركة
        مع آخر كلمة بدأ التشويق !!!
        أتحفنا أيها الأديب ...
        شُكرًا على تعليقك أستاذ محمد..
        ،

        لا زالت ثمّة تكملة ..

        تعليق

        • فاطمة الزهراء العلوي
          نورسة حرة
          • 13-06-2009
          • 4206

          #5
          ريثما تكتمل أوراق الحكاية
          نحن وارثون مقاعدنا هنا حتى تلك اللحظة
          تحيتي وعساك بخير الأخ الفاضل
          لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

          تعليق

          • سامي الشريم
            أديب وكاتب
            • 11-12-2015
            • 107

            #6

            كان ماتيس صامتًا كاللّيلِ، يسير بخطواتٍ مُتثاقلة كأنّه يجرّ وراءه عربة مُترعة بالحجارة، مما اضطرّني إلى أن أفعل مثله تمامًا، أمشي كما يمشي، مُغلقًا فمي طوال الطريق. عندما وطأت قدمينا عتبة باب المطعم، قال ماتيس مُتبرّمًا: "إنّ هذا المكان باذج الجمال مثل مُتحفٍ للفنون، ولكنّه يُثير في نفسي كلّما مررتُ إلى جواره مشاعر الاشمئزاز والتقزّز، لا أدري لماذا؟! هل تعرف ما سرّ هذا التعارُض يا عدنان؟" نظرتُ إليه ضاحكًا دون صوت، وقلت له: "لستُ أفهم كثيرًا في تناقضات النفس البشرية، ولكن على ما أظنّ أنّك تعيش في دوامة سيئة، وإنّ هذه التضاربات في الذائقة ابنة ساعتها، سوف تزول مع مرور الأيّام، فقط لا تنشغل بالتفكير عمّا يضرك." رفع حاجبيه إلى أعلى ثمّ قال: "ولكنّ ليس هذا التناقض فحسب، فحتّى الأشياء التي أحبّها في وقتٍ ما، أراني أكرهها بشدّة في وقتٍ آخر، ثمّ أرجع إليها فيما بعد بهوسٍ كبير وبحبٍّ يفوق وصف الواصفين، وأيضًا أصدقائي الطيبين، تارة لا أطيق الجلوس معهم، وأودّ لو أنّني لم ألتقِ بهم قطّ، وأخرى أُحِبُّ صحبتهم والحديث إليهم، وأتمنّى من ثنايا فؤادي ألّا نتفارق أبدًا. لقد سئمت من هذا الحال، أقسم بخالق الذرة والمجرّة، إنّي سئمت وتعبت من كلِّ هذا." بعد أن تفوّه ماتيس بشكواه، انهارت قواه، فجلس على درجِ المطعم، ثمّ شرع في البكاء كالأطفال، وكان الداخلين إلى المكان، والخارجين منه، يختلسون النظر إلينا، وتبدو على ملامحهم مشاعر العطف والشفقة. فعلاً، ماتيس غريب الأطوار، إنّ مظهره الخارجي ودواخله، متطابقتان جدًا، وإنّي لأوّل مرّة في حياتي أرى رجلاً مثله، ضعيفًا وهشًا مثل ورقة خريف، سرعان ما يتحدث عن شيء إلا ويشحب وجه ويكتئب. إنّه إنسان سريع الانفعال، والتأثر، والعطب أيضًا. ليست لديه القدرة على السيطرة على مشاعره وأعصابه، وكأنّه مثل الّذي يقود مركبة في طريق سفر، مُسابقًا الريح ثمّ فجأة انفجرت إحدى الإطارات، فعجز عن التحكم بكلّ شيء. ربّتُ على كتفه، وطلبت منه أن يمدّ يده إليّ لكي ندخل إلى المطعم سويًا، ولكنه قال بصوت أجش: "دعني هنا مع نفسي." سألحق بك بعد قليل، احجز لنا الطاولة، وانتظرني." قلت له: "حسنًا، حسنًا، سأكون بإنتظارك بالداخل." فتحتُ الباب، وإذا بالنادلة الإيطالية الحسناء، ترمقني من بعيد بنظرات الفرح، وكأنّها كانت تتوق إلى قدومي.
            التعديل الأخير تم بواسطة سامي الشريم; الساعة 15-07-2018, 22:00.

            تعليق

            • سامي الشريم
              أديب وكاتب
              • 11-12-2015
              • 107

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة فاطمة الزهراء العلوي مشاهدة المشاركة
              ريثما تكتمل أوراق الحكاية
              نحن وارثون مقاعدنا هنا حتى تلك اللحظة
              تحيتي وعساك بخير الأخ الفاضل
              شُكرًا جدًا أستاذة فاطمة على هذه الثقة التي تمنحينها لقلمي.
              أسعدني كثيرًا تعليقك.

              ثمّة تكملة..

              تعليق

              • سامي الشريم
                أديب وكاتب
                • 11-12-2015
                • 107

                #8

                كان يخالجني شعور بأنّني لن أحظى أبدًا بهذه المرأة الفاتنة، ثمّة عوائق تمنعني من ذلك، فهي إيطالية، وأنا عربي، ولا يجمع بيننا سوى اللّغة الفرنسية، وهذا البلد لا أنتمي إليه لا من قريب ولا من بعيد، فأنا هنا مجرّد عابر، وتخيفني جدًا فكرة الحُبّ الطارئ أو المؤقت، إمّا حُبّ طويل المدى، وإلّا فلا. كنتُ أُحدّثُ نفسي بهذه الأفكار، ولم أزل أرى النادلة تخطو نحوي بعذوبة، وفي عينيها الرماديتين وميض الإعجاب. حين وقفت قِبالي، والابتسامة مُشرقة على وجنتيها، قالت لي: "أهلاً بصاحبِ الأنامل الموسيقية، إنّي فرحة بمجيئك في هذا المساء." ما أبهى صوتها! كأنّه مثل ألحان الكنائس القبطية، تدفع قلب المرء إلى الرقص فرحًا وطربا. قلت لها بخجل: "أهلاً بكِ، وأنا سعيد أيضًا لرؤيتكم." إزاء الجمال أعجز أن أسترسل في الكلام، أكتفي بنطق الجُمل القصيرة، ولا أطيل النظر في العينين، بالأخص حين ترمقاني، وهذا بلا مُراء طبعٌ سيِّئ فيّ، ولا أخال أن رجلاً يقدر أن يقف أمام البهاء، ويكون متماسكًا، لا بدّ أن يرتبك ويتلعثم. بادرتني بالسؤال: "أين تريد أن تجلس هذه المرّة، بجانب البيانو، أم على تلك الطاولة التي اخترتها في المرة الفائتة؟" وأشارت بإصبعها في الزاوية التي بالقرب من دورة المياه. فقلت لها مبتسمًا: "تناسبني كثيرًا الزوايا، سأختار تلك الطاولة، ولكن معي صديقي، سيأتي الآن." قالت لي: "حسنًا، سأوفيكما بقائمة الطعام في الحال، تفضّل." رحتُ أمشي إلى الزاوية مغتبطًا بشدّة، وكأنّ الدُنيا أغدقت عليّ بكلّ مسّرات العالم. جلستُ على الطاولة، وشرعتُ أنظر إلى ما حولي من طاولات، وأشخاص، ولوحات، وثريات. كان المطعم أشبه بعالم سحري بديع، الشموع تتوهج في كلّ مكان، والإنارة خافتة قليلاً كاللّيالي الرومانسية، وصوت باربارا أضفى رونقًا فريدًا، مما جعلني أسبح في خيالات الحبور للحظاتٍ قصيرة قبل أن يجيء ماتيس ويبعثر كلّ شيء. كان ماتيس يتململ في جلسته على الكرسي، ممّا سبّب لي الاحراج إزاء النّاس. حركته زائدة جدًا مثل طفل مشاكس، لا يفقه كيف يبقى ساكنًا لدقائق. يُمسك بالأشياء التي على الطاولة ويديم النّظر إليها كما لو أنّه فاحص للذهب. أحسستُ حقًا بالاستياء من تصرفاته الصبيانية، وكم وددت لو أنّني لم أطلب منه أن يأتي معي إلى هنا، فهذا المكان للشخصيات المرموقة في المجتمع الفرنسي، وماتيس بعيد كلّ البعد عن كلّ هذا، ملابسه غير متناسقة، وهيئته رثّة، أقرب ما تكون إلى الطبقة الكادحة التي يظهر على ملامحها الشقاء والعذاب. كنتُ أكثر ما أخشاه أن يورّطني في متاعب إن جاءت النادلة بقائمة الطعام إلينا، في تلك الساعة لن أستطيع أن أتحمّله لثانية واحدة. بعد ثلاثة دقائق، أتت النادلة محتفظةً بتلك الابتسامة المُشرقة المعهودة. حين وقفت أمام طاولتنا، لم تنبس بكلمة، وراحت تنظر بدهشة في ماتيس، وأمّا ماتيس كادت أن تخرج إحدى عينيه من شدة التحديق فيها، ثمّ قال لها بغضب: "هذه أنتِ يا تيلما، لو كنت أعلم أنّكِ هنا لما وطأت قدمي هذا المكان، أنتِ شيطانة أيضًا. أأهرب ممّن الآن؟."

                تعليق

                • سامي الشريم
                  أديب وكاتب
                  • 11-12-2015
                  • 107

                  #9

                  لا زالت ثمّة تكملة..
                  التعديل الأخير تم بواسطة سامي الشريم; الساعة 19-07-2018, 20:25.

                  تعليق

                  • سامي الشريم
                    أديب وكاتب
                    • 11-12-2015
                    • 107

                    #10

                    حاولتُ أن أستوعب هذا الأمر، فلم أزل غير مُصدّقٍ ما يجري. أيعقل أنّ ماتيس قد وقع في حُبِّ النادلة أيضًا؟! لا، هذا مستحيل. نهضت عن الكرسي، وقطعتُ تلك النظرات الغاضبة التي يتبادلانها بسؤالي لماتيس: "ما بك؟ لم كلّ هذا الانفعال؟ أتعرف هذه الفتاة؟". حدجني ماتيس بعينين يملأهما الحنق والغضب، فقال: "أرجوك يا عدنان، لنرحل عن المطعم في الحال، لا أطيق المكوث في مكانٍ تدنّسه أرواح الشياطين، هيّا بنا." خرج مسرعًا مغلقًا الباب وراءه، ولم يجبني حتّى عمّا سألت. كانت النادلة قبالي صامتة كما لو أنّ أصابها الخرس، ولم يكن شيئًا يبان على محيّاها غير أمارات الامتعاض. قلت لها: "لا أريد أن أُقحِم أنفي في شأنكما، ولكن على ما يلوح لي أنّ الأمر في غاية التعقيد، ويستحيل عليكِ أن تشرحي لغريب مثلي ما حدث." لم تنبس النادلة بكلمة واحدة، وظلّت ترنو إلى ماتيس من خلف الزجاج، وهو يُدخن السيجارة. تأسفت منها، ولحقتُ بهذا الرجل الذي أفسد عليّ ليلتي، ونأى بيني وبين الفتاة الإيطالية في لمح البصر. إنّي أودّ الآن فعلاً أن يخبرني ما علاقته بها، أهي حبيبته السابقة؟

                    كان ماتيس يمصّ السيجارة بشراهةٍ كما لو كان خفاشًا يمتص دم إحدى الطيور. دنوت منه بحذر، ثمّ سألته: "هل تعرف من تكون هذه الفتاة؟ لأنّ هذا المطعم أجيء إليه من وقتٍ لآخر، وبات وضعي الآن محرجًا إزاء الجميع. رمى ماتيس السيجارة على الأرض، وداس عليها بقدميه كما يدوس على حشرةٍ مؤذية، ثمّ قال: "علمتُ الآن سبب اشمئزازي حين أمرُّ قرب المطعم، لأنّها تعمل فيه هذه الخبيثة. قسمًا بخالقي لو أنّني لم أدفع نفسي غصبًا إلى الخارج، لكانت هي في عداد الأموات." لا أدري إن كان يفهم سؤالي جيدًا، أم أن ثورة الغضب لم تسعفه بإجابتي؟ احترتُ حقًّا، فالفضوال يحرقني من الداخل، وماتيس لم يبدِ أي تفاعل مع أسئلتي، وكأنّه يروم أن ينسى ما حصل دفعة واحدة. ها هو يُمسك رأسه كالمصاب من جراء حادث، ويقول لي : "صداع، صداع، أريد مسكّنات، أيّ شيء، يخمد لهيب الازعاج." ثمّة صيدلية بجوار المطعم، طلبت من ماتيس أن يجلس هنا ريثما أعود. رحتُ هناك، وابتعتُ عبوة بانادول إكسترا مع علبتين من الماء، ثمّ رجعتُ أدرجي إلى المكان، فوجدتُ الرجل جالسًا في إحدى الزوايا كالمشردين، ولكنّه كان يرتعد بشدة، على الرغم من الأجواء صيفية! مددتُ إليه العبوة، وقلت له : "ها هي المسكنات، وهذا الماء" وضعتهما في يده، وشرع في تناول حبة واحدة، ثمّ شرب الماء، وصمت قليلاً، فقال لي: "إنّ هذه الفتاة، هي أخت تلك الخائنة سيلفانا."

                    تكملة..
                    التعديل الأخير تم بواسطة سامي الشريم; الساعة 26-07-2018, 18:24.

                    تعليق

                    • سامي الشريم
                      أديب وكاتب
                      • 11-12-2015
                      • 107

                      #11

                      غير معقول! كيف حدث هذا؟ هذه النادلة أخت سيلفانا! هكذا قلت لنفسي بإندهاش. بلا مراء، بدأت حياتي تأخذ منحنى الخطر وأنا بالقرب من هذا الرجل، فمُنذ أن التقيتُ به، وأنا لا أحسّ بالارتياح، وعلى ما يبدو لي أنّه إنسان مَنحوس جدًا، ومُعتّل، وقد يصيبني بالضُّرّ والشرّ في أيّ وقت. لستُ أدري ما سيكون مصيري حين أُطيِل معه المرافقة! لا بدّ أن أتملّص منه بأيّ طريقة كانت. قلت لماتيس: " غريب، لم أتوقع أن تكون أختها" ثمّ أردفت قائلاً: " لم تعد لدي رغبة في الأكل، إنني مضطر الآن للعودة إلى منزلي، هل تريد مني شيئًا يا صاحبي." نظر إليّ بمؤخرة عينيه، وقال: "كيف تتركني وحدي هنا، وأنا بهذه الحالة المزرية، على الأقل، خُذ بيدي إلى بيتي أولاً، ثمّ بعد ذلك، بإمكانك أن تنصرف إلى أيّ مكانٍ تشاء." كان وجهه عاصفًا، حين ختم كلمته الأخيرة، ولم يكن بطوقي أن أرفض ذلك، فلتكن أوّل وآخر مساعدة أمنحها له." فقلت له: "معك حقّ، أمنزلك قريب من هنا، لكي نسير إليه على الأقدام، أم بعيد؟." أشار بيديه إلى تلال بعيدة جدًا، وقال: " إنّه وراء تلك الأجمّة، وينبغي لنا أن نستعمل سيارة الأجرة" الآن، تعقّدت الأمور، توقعتُ أن بيته قريب من هنا، ولكن صار في أقصى المدينة! لا حيلة لي إلا أن أسايره، وأن أذهب معه، فهو بحاجة ماسّة إليّ، وليزدني الرب صبرًا على ما ابتليتُ به في هذا اليوم المشئوم. أثناء حديثي معه، مرّت سيارة أجرة بجوارنا، فشرع في التصفير والصراخ حتّى توقف السائق على جانب الطريق.

                      ركبنا أنا وماتيس، وأخبرنا السائق عن وجهتنا، وبعد أن استمع إلينا، حرّك السيارة. طِوال الدرب كُنّا صامتين كما لو أنّنا جثتين أُلقي بهما في قبرٍ واحد، وكان كلانا من خلال نافذته يتأمّل ورود السماء المتلألئة والمتألقة فوق قِنن الجبال السامقة كما لو كنّا ناسكين يجلسان ليلاً على كثبان رملية في جوف الصحراء. كانت الأجواء تستلب الألباب، وتملأ قلب الإنسان بالجمال وبحبِّ نعيم الدُنيا.
                      "هل تؤمن بوجود الرب يا عدنان؟" باغتني ماتيس بهذا السؤال الغريب بالنسبة إليّ، فمنذ وعيت على نفسي، وأنا أعرف أنّ هناك خالق يدعى الله، هكذا علموني، ولكن لم يسألني أحد مباشرة في وجهي بمثل هذا السؤال غير ماتيس. كانت حينئذٍ إجابتي حاضرة في ذهني، فقلت له: "بالطبع، وماذا عنك؟" نظر إلي بعينين مبتسمتين، وكأنّه يهزأ بي، ثم قال لي: "لستُ متأكدًا من وجوده، فلا زلت في منتصف الأشياء، أقف كالبحرِ بين قارتين، بين الربوبية والإلحاد، إنّها نقطة اللاأدرية، ولعمري إنّها أسوأ مرحلة قد يمرّ بها المرء في حياته، أن يكون شكوكيًا، تائهًا في الحياة، ممتلئًا بطوفان من التساؤلات التي لا تنتهي، فلا يرضيه كلام القساوسة، ولا إدعاءات العلماء،يشكّك في النبوءات، ولا يصدق خلق قصّة آدم وحواء، ويرتاب في صحة نظرية التطور، ويسخر من نظريات دوكينز وسام هارس وغيرهم، إنّها مأزق خطر، وليست ركنًا آمنًا كما يقولون. أتمنّى بصدق أن يكون الرب موجودًا، يرانا نحن الاثنان، ويستمع إلى أحادثينا عنه، وأتمنّى بالفعل أن تكون ثمّة حياة ما بعد الموت، جنّة نعيش فيها مع أحبابنا، ونار تحرق أجساد الظالمين، والمفسدين، والخونة أيضًا، ولكن ما نفع التمنّي! ما نفع التمنّي!." كنتُ مصدومًا من اعترافاته التي لو قالها في بلادٍ عربية، لجرّجروه في الشوارع والطرقات، وتراقصوا على جثته لأسابيع. لم أر في حياتي رجلاً مثله، غريب فعلاً، إن سلوكياته المجنونة تخبئ وراءها عقل متسائل، وقلب أثخنته الجِراح. العجيب في الأمر أنّ سائق الأجرة لم يشاطرنا الحديث، وكأنّه مستمتع بما يقوله ماتيس. توقفنا عند منزلٍ صغير فوق إحدى الجبال، إنّه أشبه بالبيوت التي هجرها أصحابها مُذ سنوات، متهالك جدًا، ومُخيف، نوافذه مفتوحة، وبابه خشبي قديم، ولا أدري كيف بمقدور ماتيس أن يعيش في بيتٍ كئيب كهذا. أثناء ترحالي بين الأفكار، ترجّل ماتيس من السيارة، وترك بابه مشرعًا للريح، وراح صوب السائق، ثمّ أخرج من جيبه مسدسًا أسود، وأطلق عليه النّار بسرعةٍ خاطفة.
                      التعديل الأخير تم بواسطة سامي الشريم; الساعة 31-07-2018, 08:12.

                      تعليق

                      • سامي الشريم
                        أديب وكاتب
                        • 11-12-2015
                        • 107

                        #12

                        صرخت بأعلى صوتي " لا، لا، لماذا؟ لماذا؟" كان لون الدم القاني المُتناثر على المقعدِ الأمامي، وعلى الزجاج فضيعًا ومُرعبًا، وقد أصابني بالذعر الشديد، ولم أعد أدري حينها ما أصنع بنفسي، فجلستُ في مكاني لا أحرك ساكنًا، أتابع ماتيس بعينين مغروقتين بالدموع وهو يُخرِج المقتول من السيارة، ويجرّه إلى جانب الطريق. في تلك الدقائق الدموية فكرتُ بالفِرار بعد أن أدار ماتيس ظهره لي، ولكن ثمّة شيء ما بداخلي منعني، وكأنّه يقول لي "تريّث، لا تتعجّل، ألا ترى السلاح الّذي بين يديه؟!" عاد إليَّ ماتيس هادئًا ومُسالمًا، كما لو أن شيئاً لم يحدث، كما لو أنّه أخرج كيس القمامة من منزله، ورماه في حاوية النفايات. بدأتُ أُصلي في أعماقي إلى الرب بأنّ يخلّصني من هذا المُجرم، وشرعتُ بعد ذلك في تبكيتِ ضميري على اقتحامي عالم غريب الأطوار هذا. ركب ماتيس مكان السائق، ونظر إليّ من خلال المرآة الداخلية، وقال لي: "ألا تريد أن تكون هنا بجواري." ثمّ ضرب بيديه بهدوء على مقعد الراكب الأمامي. كنتُ مثل التلميذ المُطيع إزاء تعليمات هذا الماكر الخبيث، ورحتُ إلى حيث طلب مني، فجلستُ بجانبه وجلاً، وخائفًا، لم أنبس إزاءه بشيء، ارتأيت الصمت على النطق، فالنطق بكلمةٍ واحدة في مثل هذه المواقف المُرعبة التي قد لا تحدث إلا مرّة في حياة الإنسان، قد تُسارع به إلى حتفه. أستمرَرتُ في دعائي من أجلِ النجاة والانعتاق، وظلّ ماتيس يقود السيارة مُلتزمًا بالقوانين، فلم يتخطّ السرعة المحدَّدة، ولم يتباطأ في السير كذلك. فجأة! انعطفت المركبة جهة اليمين، فدخلنا في دربٍ ترابي، كلّ ما حوله مُظلمٍ ومُرعِب، ومسجور بالأشجار الكثيفة، وبأصوات الكلاب والبوم. انتابني احساس خانق بأنّي الضحيِّة التالية، سأموت هنا، سأُقتل مثل خنزير وحشي، وستُلقى جُثتي على العُشبِ اليابِس كما لو أنّني ورقة خريف صفراء ليس لها قيمة، ولا وزن. سيجدني أحدهم بعد حين، بعد أن يتعفّن جسدي كاملاً، والحشرات والدود قد أخذوا حصّتهم، ولن يبقى غير العظم، وربّما لن يبقى شيئًا، فالكلاب تنبح في كلِّ مكانٍ، وسأغدو لهم اللّيلة طعامًا سائغًا وشهيًا، لا ريب في ذلك، لا شك. تعمقنا في داخل الغابة المُخيفة إلى أن وصلنا إلى منزلٍ كبير، لونه أبيض، وأمامه بستان صغير، لا أدري ما زُرِع فيه، ولكنِّي لا أظنّه وردًا على أيّة حال. توقفت السيارة أخيرًا أمام البيت، فنظر إليّ ماتيس نظرة ساخرة جدًا، ثمّ قال لي: "هيّا، انزل، وجبة العشاء الفرنسية على حسابي." فضحك ضحكة بلهاء زادتني رُعبًا. لا أعلم ما يخطِّط له؟ ولا لماذا تركني حيًّا إلى الآن؟ أفكاري تعذبني، وتصرفات هذا المُختل تربكني كثيرًا. إن أسوأ شيء على الإطلاق أن تعيش تحت سلطة مخبول، يتحكم بحياتك كما يشاء، وبيده القرار في إمحائك من العالم في لحظات، وفي إبقائك على قيد الحياة. ترجلت من السيارة، ومشيت وراءه، ثمّ صعدنا الدرج خطوة خطوة إلى أن تسمّرنا عند الباب، فشرع ماتيس في إخراج المفاتيح من جيبه الأيمن، وراح يتأمّلها بعينين ضعيفتين، وبدأ يُفتّش عن مفتاح الباب. تذكّرتُ أنّ السلاح الذي استخدمه ماتيس في قتلِ سائق الأجرة، قد وضعه خلف بنطاله، قلت لنفسي إن هذه فرصتي الوحيدة للنجاة، فتجسّرت على سحب المُسدّس بتؤده دون أن يشعر بي، وحين أمسكته، التفت إليّ ماتيس، ونظر إلى يدي مُتعلِّقة في بنطاله، فأدرك فورًا أن ثمة صراع سيقع بعد ثواني. أخذتُ السلاح بسرعة، وتراجعتُ خطوتين إلى الخلف، ثمّ صوبته نحو عينيه، وقلت له: "دعني أرحل الآن بسلام، دون أن أضرّك أو تضرني." تقدّم ماتيس إليّ، وكأن ليس في يدي شيء، فتراجعتُ ست خطوات، ثمّ أطلقتُ رصاصة تحذيرية في الهواء، ولكنها لم تصبه بالخوف، بل زاد في تقدّمه نحوي، قائلاً: "لا تعرف كيف تُمسِك المُسدس يا صغيري، إن يديك ترتجفان، فقط اعطيني هذا الطفل الوديع، وسأغفر لك هذه الخطئية." لم أصدّقه، كنت أحذّره بألا يدنو مني، وإلّا سأقتله، ولكنه كان عنيدًا جسورًا، لم يكفّ عن الاقتراب منِّي، فاتّخذت قراري فورًا بأن أطلق عليه الرصاص، فهذا المريض لن يدعني وشأني أبدًا، سأتخلّص منه الآن، فرميته برصاصة أصابت رأسه، وسقط على الأرض في الحال.
                        التعديل الأخير تم بواسطة سامي الشريم; الساعة 08-08-2018, 22:24.

                        تعليق

                        • سامي الشريم
                          أديب وكاتب
                          • 11-12-2015
                          • 107

                          #13
                          انتهى ...
                          شُكرًا للقراءة..

                          تعليق

                          • فوزي سليم بيترو
                            مستشار أدبي
                            • 03-06-2009
                            • 10949

                            #14
                            قصة مشوقة وسرد لا يخلو من حبكة احترافية .
                            تحياتي
                            فوزي بيترو

                            تعليق

                            • محمد شهيد
                              أديب وكاتب
                              • 24-01-2015
                              • 4295

                              #15
                              بما أن بطل القصة كان يعزف على البيانو من خزانة Ludovico Einaudi، أهدي المقطوعة لمتتبعي القصة الجميلة، وهي بعنوان Nuvole bianche, السحب البيضاء، للموسيقار الإيطالي ذائع الصيت

                              تعليق

                              يعمل...
                              X