استطاع ببنطاله الفضفاض بني اللّون، وبقميصه الأبيض المقلّم بالخطوط الحمراء والسوداء العمودية، وبإعتماره تلك القلنسوة الصفراء أن يجذب انتباهي نحوه عن بقيّة السيّاح. كان واقفًا على رصيف مرفأ سانت رافايل، يتأمّل في المراكب البحرية وهي تتراقص فوق زرقة الماء. لم أر إلى الآن كيف تبدو سحنة هذا الرجل. شدّني الفضول إليه، فدنوت منه كثيرًا، ولم يعد يفصل بيني وبينه غير عامود الإنارة. التفتُ إليه وكأنّني أرنو إلى الصخور الحمراء التي وراءه تمامًا. حدّقت مليًّا في وجهه، ولاح لي أنّه مألوف لديّ. لقد التقيت به من قبل، في مكانٍ ما، ولكن أين ومتى، لا أدري!. جلستُ أسترجع في الذهن جميع الصور إلى أن عرفت من يكون. قلت لنفسي: " إنّه ماتيس موظّف الاستقبال في فندق سافتيل الّذي يقبع في مدينة "ستراسبورغ" لكن ما الّذي جرى له؟ وكيف استحال إلى هذه الهيئة الكالحة التي تشبه لون الرماد؟ وما السبب الّذي حداه أن يغدو شديد الهزال إلى درجة أنّ عظام الترقوة بارزة بشكلٍ مُخيف تكاد تظنّ أن يعيش في مجاعة؟
بادرته بالحديث: ماتيس، ماذا تفعل هنا؟ التفت إليّ، وتبصّر في وجهي بعينين ملؤهما الغرابة والعجب، ثمّ قال لي: "لا أعرف من أنت، ولكنّك تعرفني، وهذا يشعرني بالخجل من نفسي، أودُّ منك أن تُنعِش ذاكرتي وتُخبرني عمّا كان يربطني بك." قلت له : "هل نسيتني؟ أنا عدنان الّذي لا يسأم أبدًا من زيارة ستراسبورغ، ذاك الّذي كان يُقيم في فندق سافتيل مرارًا كثيرة، وكنت أنت المسؤول الّذي يحفل بشأن حجوزات المسافرين في غُرِف الفُندق. ألاّ تذكر عازف البيانو؟". أغمض عينيه وشرع في فرك شاربه الكثيف مستغرقًا في البحثِ عنّي في حنايا ذاكرته، مرددًا على مسامعي، عدنان، بيانو، الفندق، فسكت برهة ثمّ قال لي: "اعذرني، حاولت أن أتعرّف عليك، فلم أُفلِح في ذلك. فعلاً، كنتُ أعمل في سافتيل، ولكنّي لم أرك قطّ إلّا الآن" أحسستُ أنّي وقعت في مأزق، بل في موقفٍ مُحرج، وهو قد لاحظ ذلك حين بانت على ملامحي ألوان الخجل. قلت: "أتأسف إن ضايقتك، أو تجرأت على جذّ حبائل أفكارك وخيالاتك. قال: "لا عليك، اعتدتُ على مضايقات الغُرباء." فأنصرفتُ عنه، ومشيتُ بضعِ خطوات موليًا ناصيتي صوب المراكب الشراعية عند المرفأ، فصرخ ماتيس مناديًا: "يا عدنان!".
تكملة..
تعليق