اللحظة الفاصلة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مناف بن مسلم
    أديب وكاتب
    • 19-09-2013
    • 72

    اللحظة الفاصلة

    اللحظة الفاصلة
    وقف على جانب الشارع الرئيسي. كان قد حجز لدى طبيب الأطفال لابنته التي دخلت عامها الرابع .طلب إجازة زمنية من عمله ووقف الآن في انتظار وصولهما معا,هي وأمها على رصيف الشارع العام المحاذي لعيادة الطبيب. كانت الساعة تقترب من الثالثة والنصف عصرا. السماء ملبدة بالغيوم ,والبرد القارص يتغلغل في العظام. ليلة البارحة لم يستطيعا النوم, هو وزوجته, لقد أتعبهم السهر معها. كان سعالها جافا يستمر دونما توقف حتى تقترب من الاختناق. وعندما يحمر وجهها وتتسع عيونها من شدة السعال كان يحتضنها بخوف, شاعرا بالارتباك كلما أحس بأنها ربما تموت بأحدى هذه النوبات الحادة الكريهة. لقد وبختها أمها كثيرا عندما ابتدأت نوبات السعال تتزايد ,طالبة منها أن تقلل من حركاتها, أن تهدأ قليلا حتى تزول منها هذه النوبات المخيفة. لكنها لم تتوقف عن اللعب والركض في أنحاء المنزل. كانت حركتها مستمرة, مما زاد من سعالها. لقد اعتادت النوم على ذراع أبيها. كانت زوجته تقول له بأنه سوف يفسدها بعمله هذا. لكنه لم يكترث بكلامها. فقد كان يحبها ... يحبها جدا . يحب كلامها, حركاتها البريئة ووجودها الذي انتظره ثماني سنوات. نعم لقد مرت ثمان سنوات من الحرمان, ثمان سنوات واجه فيها الكثير من نظرات الشفقة, والكثير من تدخل الآخرين الذين يفرضون أنفسهم عليه. كانوا يتصورون أنهم بذلك يحسون بمعاناته, ويقدمون له المساعدة. بينما في الحقيقة كان يود لو أنه يستطيع أن يقول لهم الواحد بعد الآخر ((هذه حياتي الخاصة وأنا أرفض من أي أحد منكم التدخل فيما لا يعنيه)), لكنه لم يستطع أن يقول ذلك. كان قد أقنع نفسه بأن أخلاقه لا تسمح له أن يكون فضا مع الآخرين . لم يكن عقيما, ولم تكن زوجته كذلك. كل الفحوصات أثبتت أنهم طبيعيان مثل بقية الأزواج . ربما لم يحن الوقت بعد, ربما بسبب عوامل نفسية, وربما بسبب عوامل روحية, يعرفها الروحانيون فقط, ولا أحد غيرهم من له المقدرة على أن يفعل شيئا لهم, يجعلهم ينجبون طفلا يزرع لهم البهجة في أيامهم ولياليهم, مزيلا عنهم كل هذا الفراغ القاتل. في البداية رفض بشدة الذهاب الى الروحانيين أو ذهاب زوجته مع أمها إليهم . لكنه رضخ أخيرا, ووافق على أن تذهب مع أمها, عندما رأى تأثير الحزن والكآبة عليها. ليال طويلة يسمع بكاءها عاجزا عن فعل شيء يزيل كل ذاك الحزن عنها. ولكن دون جدوى. لم يستطع حتى الروحانيون على فعل شيء لهم . ظلوا عاجزين أمام حلمه أن يكون أبا, وعن إزالة جزءا يسيرا من أحزان زوجته التي بدأ اليأس يتسرب الى نفسها وصارت تحس أنها لن تكون أما أبدا, وسوف تموت هكذا, تملؤها الحسرة لاحتضان طفل يخصها هي ,هي وزوجها. رفض بشدة طلب أمه أن يتزوج بأخرى. كانت أمه قد أصرت عليه أن يتزوج مرة أخرى. لكنه لم يتنازل عن موقفه مؤكدا لأمه بأن الله سوف يجازي صبره خيرا. الآن وبعد مرور أربع سنوات وخمسة أشهر على ولادة ابنته, تذكر فجر ذلك اليوم عندما أيقظته أمه, كانت مضطربة جدا, وجهها مشع يعكس فرحا طفوليا, قالت له ((لقد رأيت رؤيا .... لقد زارني أبوك في المنام حاملا معه طفلة وجهها كفلقة القمر قائلا : هذه حفيدتك التي انتظرتموها كل تلك السنين, سوف تكون معكم بعد اثني عشر شهرا )). كانت زوجته قد سجلت تاريخ ذلك الفجر المبارك, متأكدة من صحة كلام عمتها, بينما بقي هو ينظر الى فرح أمه واضطرابها ببلاهة, معتقدا في نفسه بأن ذلك ما هو إلا هلوسة , أو ربما أضغاث أحلام . لكن بعد مرور أشهر تأكد من صحة الرؤيا. منتظرا يوم ولادة زوجته بفارغ الصبر. كانت الأيام تمر بطيئة والأشهر كأنها دهر. كان الانتظار ثقيلا جدا. تمنى لو تمر الأيام سريعا وتأتي الساعة الموعودة. ولن ينسى مهما مرت عليه الأيام والشهور والسنين تلك اللحظة السعيدة جدا ,عندما وضعوا بين يديه طفلته. كانت ملفوفة بالقماط ووجهها مشع كأنها طير من طيور الجنة . لقد كانت تبكي لكنه احسها كملاك مسح على قلبه المضطرب فصار يفيض حبا وحنانا. سألته عمته ماذا تسميها. ((انتظار)) أجابها دون تردد. لقد انتظرناها كل تلك السنين العجاف, لكنها الآن أعطت لوجودنا في هذا العالم معنى .ابتسم دون ان يدري, وهو يرى عبر الشارع عندما وقفت سيارة الأجرة ونزلت منها زوجته وابنته التي ما أن رأته حتى صاحت ((أبي)) راكضة تريد أن تعبر الشارع لتكون قربه. صاح بها أن تقف بمكانها ولا تتحرك لكنها لم تنتظر .أفلتت يدها من يد أمها وركضت باتجاهه, رغم وجود السيارات المسرعة في الشارع . كانت لحظة تشبه الكابوس فعلا. لم يستطع أن يلحقها, فقد كانت تركض مسرعة لا ترى أحدا أمامها غيره, من دون أن تلتفت جانبا لترى السيارة المسرعة القادمة بأتجاهها. لم يستطع السائق أن يوقف السيارة إلا بعد أن ارتطمت بها ,فأرتفعت في الهواء مثل الريشة ثم سقطت على زجاجة السيارة الأمامية, فتدحرجت ليرتطم رأسها على رصيف الشارع . احتضنها أبوها بكلتا يديه. كان رأسها مضرجاً بالدماء. لم يعرف ماذا يفعل وهو يرى الدماء تخرج من فمها مع كل نفس تأخذه بصعوبة. كانت زوجته قد رمت نفسها فوقه صارخة, مرتعبة مما تراه أمامها, لكنها لم تسطع أن تفعل شيئا سوى الصراخ غير المنتظم. أسود العالم أمامه, وصار يحركها مثل المجنون, طالبا من الله أن لايأخذها منه, بعد كل تلك السنين من الإنتظار, بعد كل تلك الليالي من المرارة وهو ينصت عاجزا لبكاء زوجته. لكنها الآن بين يديه مغسولة بالدماء, تنظر إليه بعيون مذهولة ولا تستطيع أن تنطق بكلمة واحدة. وكلما اسرعت أنفاسها كلما خرجت الدماء متدفقة من فمها. ((ابي)) أيقظه صوتها المحبوب فتلاشت كل تلك الخيالات في العدم. نظر إليها فرحا, ناسيا كل ذلك الألم الذي أحسه قبل قليل عندما أخذه خياله الى الخط الفاصل بين الحياة والموت. لقد رآها الآن, كانت تمسك يد أمها, نازلين من سيارة الأجرة. انتبه إليها وهي تحاول أن تفلت يدها الصغيرة من يد أمها كي تعبر الشارع إليه. صاح عليها أن تقف بمكانها ,وركض بكل سرعته إليها ,كان قد ركض مسرعا لا يبصر أي أحد أمامه غيرها, هي فقط ,ولا أحد سواها .لم يلتفت جانبا كي يرى السيارة المسرعة بأتجاهه. ارتطم بالسيارة فارتفع جسمه عاليا في الهواء ثم سقط على زجاجة السيارة الأمامية, فتدحرج ليرتطم رأسه على رصيف الشارع .اغتسل رأسه بالدماء. حاول ان يرفع رأسه ليرى ابنته المحبوبة سالمة, لكنه لم يستطع الرؤيا, كان يشعر به ثقيلا جدا, والأشياء صارت تبدو له مشوشة. أغمض عينيه مستسلما لآلامه ,فاصبح كل شيء من حوله مصبوغا بالأسود.
    مناف بن مسلم
    البصرة 5/5/2018
  • محمد مزكتلي
    عضو الملتقى
    • 04-11-2010
    • 1618

    #2
    أخي مناف المحترم، كل عام وأنت بخير:

    اللحظةُ الفاصلة قصةٌ نبيلةُ الهدف، مرهفةُ الشعور، دقيقةٌ في الوصف، طافِحةٌ بالموهبة.
    لكنها مضطربةٌ...تماماً كبطلِها.
    أخذتنا معها يمنةٌ ويسرة...لكن والحمد لله بلغنا الشاطئ.
    قصة تضمنت قصتان، أو حتى ثلاثة...غير أنها لم تكن مملة وبقيت مثيرة حتى النهاية.
    الراوي تدخل بشكل سافر أكثر من مرة، وأفسد علينا متعة المشاركة.
    الهمزة غير موجودة في النص...
    لكني قمت بتحرير النص لأنه اعجبني جداً.

    تعلمت من القصة أن التشاؤم والتفكير بالموت يحضره...
    وتعلمت أيضاً أن مناف بن مسلم كاتب قصة محترف وموهوب وصاحب اسلوب ممتع ومثير.
    أشكره على هذا وأدعو له بالنجاح والتوفيق.

    صباح الخير.
    أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
    لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.

    تعليق

    • مناف بن مسلم
      أديب وكاتب
      • 19-09-2013
      • 72

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد مزكتلي مشاهدة المشاركة
      أخي مناف المحترم، كل عام وأنت بخير:

      اللحظةُ الفاصلة قصةٌ نبيلةُ الهدف، مرهفةُ الشعور، دقيقةٌ في الوصف، طافِحةٌ بالموهبة.
      لكنها مضطربةٌ...تماماً كبطلِها.
      أخذتنا معها يمنةٌ ويسرة...لكن والحمد لله بلغنا الشاطئ.
      قصة تضمنت قصتان، أو حتى ثلاثة...غير أنها لم تكن مملة وبقيت مثيرة حتى النهاية.
      الراوي تدخل بشكل سافر أكثر من مرة، وأفسد علينا متعة المشاركة.
      الهمزة غير موجودة في النص...
      لكني قمت بتحرير النص لأنه اعجبني جداً.

      تعلمت من القصة أن التشاؤم والتفكير بالموت يحضره...
      وتعلمت أيضاً أن مناف بن مسلم كاتب قصة محترف وموهوب وصاحب اسلوب ممتع ومثير.
      أشكره على هذا وأدعو له بالنجاح والتوفيق.

      صباح الخير.
      اخي العزيز محمد
      اشكرك على قراءتك الرائعة لنصي المتواضع
      وقد سرني فعلا ان يكون تأثير النص بالوصف الجميل الذي وصفته والذي يحفزني للتطور للوصول للافضل
      كما اتمنى ان توضح لي مقصدكم عن ما قلتم ان (الراوي تدخل بشكل سافر أكثر من مرة، وأفسد علينا متعة المشاركة)
      لكي اتجنب هذا الخطأ في النصوص القادمة
      شاكرا لكم ملاحظاتكم القيمة
      واعتذر عن تأخري بالرد عليكم
      تقديري واحترامي

      تعليق

      يعمل...
      X