بارود الذكرى في مهب الريح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    بارود الذكرى في مهب الريح

    بـــــــارود الـــــــــذكــــــــــــرى فــــــــــــــي مــــــــــهـــــــــــــــب الــــــــــــــــــــــريــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــح.
    قلب صفحات الجريدة وداس بنظراته السريعة على عناوينها العريضة ؛ ثم طواها طي الكتمان . يعرف أن الموضوعات شبه مكرورة ؛ تلملم جراحات غائرة لواقع متصلب وعنيد ؛ وتعزف على أوتار خطابية .. جرعات متتالية منها ترفع منسوب تشظي الحياة.
    لاح له جهاز التحكم فوق المنضدة ؛ فالتقطه بين أصابعه؛ ضغط على زر التشغيل و ظهرت له الصورة على الشاشة بكامل الوضوح .. يا للمصادفة ..سباق محموم لفرسان بدولة شقيقة؛ وعلى الربضين الأيمن والأيسر تدب قافلتان من السيارات الفخمة لإحصاء الأوائل أو الالتقاط الصور ....تساءل لماذا حشود السيارات !؟؟ المشهد معتم ؛ في الحديد منافع..لكن فيه بأس شديد . ابتلع ريقه ودبت في أوصاله قشعريرة ؛ كأن تخمينه انعطف إلى الأسوأ ؛أحس أن بعض المهالك تتناثر بين الخلق بما كسبت أيدي الناس .... ردد بصوت مسموع متكسر.." حقا المشهد معتم .. ولا معنى للفرجة .." .انتصب واقفا لينفض يديه من كل شيء ثم صاح بأعلى صوته الجهور " يا للهول ... !" جحظت عيناه حين لاحظ ارتطام أحد المتسابقين بسيارة كانت تحفه فحلقت خوذته في الهواء الطلق وأردت الفرس قتيلا . فغر فاه وأطفأ التلفاز..." تبا لكم.. الويل لمن أسرعقله في المتاهة ؛ وسقاه من معين البهرجة ما يكفيه من التخدير ..." ظل يتأفف لم يشعر أن يديه مشغولتان بتعديل المزهرية .نظر صوب الباب وعلى بضعة أمتار لاحت له ورقة في صندوق الرسائل . سحبها بتؤدة وحدق فيها مليا ....فعلم أنها دعوة لحضور انطلاق سباق داخل المدينة ...انطلق كالسهم إلى عين المكان رغم قسوة المشهد الذي لا تزال ذاكرته ماسكة به ...جلس في إحدى المقاعد الخلفية وجال ببصره في الحلبة المسيجة بأسلاك الحديد ...المشهد مؤثث بهالة من مظاهر فانتازيا يبدو جنونيا للغاية ؛ أعلام تترنح على امتداد الممرات.. يافطات بألوان زاهية تغازل الجمهور بمحتويات إشهارية مغرية ...طراز من السيارات العتيقة مرصوفة في نقطة الانطلاق ...الطقس حار والإسفلت ينفث لهيب الجمر ..سحابة دخان توزع العتمة على الحشود بأقساط ؛ وأصوات المحركات تغرف من معين الإزعاج وتجود عليهم بالتساوي ...يبست الشفاه وزاغت الأبصار عن محاجرها .والآذان المتلهفة لسماع صفارة الانطلاق يلاحقها الصمم ..تبعثرت الأوراق في إحصاء الدقائق .
    " لم انا هنا ؟...يا..الله ..ليس لي الحق أن أدفن رأسي في الرمال كالنعامة ..." شعر كأنه صفع على خديه وترفق بمنكبيه فانسل من وسط الحشد وتوارى في الأقصى؛ عقد يديه فوق صدره وأصغى لدقات قلبه التي أطفات شعلة الشوق عنده ؛ وبددت ضياء الحماس من كيانه ..غاص في بحر تفكيره ...إنه الآن هنا بعد خمسة عقود تلوح له بمنديل الوداع ، تقاذفته أمواج الذكريات..ما أطيبها ؛ لكنها ولت إلى غير رجعة .. ! تذكر رائحة البارود التي كانت تزم أنفه عند أول طلقة في اتجاه الغيم وهو رائد فرقة ( تبوريدة .. ) زغاريد صادحة في الهواء الطلق وهتافات تهجم عليه من كل حدب وصوب؛ تبارك له الريادة وسط هالة من الضجيج والتصفيقات التي تعطر أنفاس اللحظة ..قرويات منتشيات لم تنفلت من قبضة أيامهن وهج المناسبات رغم تهافت الموجعات والمنغصات .شباب يتسابقون نحو موكب الفرسان يمدون لهم أيادي العون ؛ يحشون ثغور البنادق بالبارود على إيقاع حركات.الأحصنة التي تهدهد على ظهورها الفرسان في انتظار جاهزية الا نطلاقة الثانية..ما أروع الصورة المنحوتة بين طيات السنين . تمطق وابتلع ريقه للمرة الثانية كالظمآن يركض خلف السراب ..أحس بدوار حين أمعن في الإصغاء لصوت السنين ؛ فلم ينج من وابل الأسئلة التي غمرت كيانه : أين فرسه الأدهم بسرجه المطرز تحفه أهداب زاهية وعلى جيده سماط سميك بعقد بلوري تنبعث منه شرارات ضياء متراقص في وهج الظهيرة . وهو ذا بجلبابه الأنيق وعامته البيضاء .ينتصب شامخا على ظهر الفرس . رجلاه على الراكب تحركان المهماز؛ ويده تداعب البندقية المحشوة بالبارود وأخرى ممسكة بالزمام ؟؟. أين هو ذا حين يصدح بأعلى صوته الجهور. آآآالحفيظ الله ) فينطلق الفرسان كالبرق خلفه مخلفين صوت الحوافر تدك الأرض دكا.وتنفث الغبار الذي يغشي الضياء قبل الإعداد للطلقة الأخيرة ...؟؟
    .لو لم يتناه إلى سمعه صوت صفارة الإعلان عن انطلاق المتسابقين لفقد صوابه . تنبه فجأة فإذا بأذنيه تتلقفان وجع الصمم .ضج المكان وغاص الحشد في زوبعة دخان .اهتدى بصعوبة إلى طريق العودة منكسر النفس دون اكثرات بنتائج السباق..
    التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 09-10-2018, 13:27.
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    #2
    العزيز مصطفى البكري...أعجبني الاستهلال الذي يبطن فكرة المنتوج الصحفي اليومي..حقا كدنا نمل من طنينه حد الإزعاج فلا نملك أن نقول عن الحوادث والوقائع المخبر عنها...وأشكال...حسبنا الله ونعم الوكيل.
    مع التحية.

    تعليق

    • البكري المصطفى
      المصطفى البكري
      • 30-10-2008
      • 859

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة البكري المصطفى مشاهدة المشاركة
      العزيز مصطفى البكري...أعجبني الاستهلال الذي يبطن فكرة المنتوج الصحفي اليومي..حقا كدنا نمل من طنينه حد الإزعاج فلا نملك أن نقول عن الحوادث والوقائع المخبر عنها...وأشكال...حسبنا الله ونعم الوكيل.
      مع التحية.
      إنه مجرد استهلال ؛ لذلك طوى البطل الجريدة طي الكتمان؛وواصل السير.
      طابت أوقاتك.
      التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 16-10-2018, 19:59.

      تعليق

      • البكري المصطفى
        المصطفى البكري
        • 30-10-2008
        • 859

        #4
        الفاضل مصطفى البكري. يبدو لي أنك ترغب في التحليق في سماء الأبداع منتشيا بردي وصفير نقدي حد الإطراب؛ فهاك الرد والصفير....للبارود ذكريات قتالية مع المخلوق الذي لايرعى حرمة الخالق؛ لكن في النص أضحى للبارود ذكرى قتالية مع الزمن المعولم الذي يهدم تقاليد " تبوريدة" فهل غيرنا جلودنا وبدلنا دخانا بدخان؟
        مودتي.

        تعليق

        • البكري المصطفى
          المصطفى البكري
          • 30-10-2008
          • 859

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة البكري المصطفى مشاهدة المشاركة
          الفاضل مصطفى البكري. يبدو لي أنك ترغب في التحليق في سماء الأبداع منتشيا بردي وصفير نقدي حد الإطراب؛ فهاك الرد والصفير....للبارود ذكريات قتالية مع المخلوق الذي لايرعى حرمة الخالق؛ لكن في النص أضحى للبارود ذكرى قتالية مع الزمن المعولم الذي يهدم تقاليد " تبوريدة" فهل غيرنا جلودنا وبدلنا دخانا بدخان؟
          مودتي.
          أكيد لم يكثرت البطل لنتائج السباق ؛ لأنه لا يرغب في تغيير دخان بدخان ؛ ولأنه صفع على خديه مرتين : في الأولى آلمه الذي رأى وسمع ؛ فأطفأ التلفاز، وفي الثانية عايش وتجرع الألم فانسحب يجر ذيول الخيبة ...... من يدري؟ فقد صدم بضجيج المحركات وضجت في دماغه الأفكار التي زلزلت الأرض تحت قدميه ؛ لكنه ظل ثابتا رابط الجأش لم يطو صفحة ماضيه الذي يحمله بين يديه كالثمامة ؛ ويهدهده كالرضيع.
          طابت أوقاتك.

          تعليق

          • محمد شهيد
            أديب وكاتب
            • 24-01-2015
            • 4295

            #6
            (الفنتازيا) الأصيلة حتى و إن كانت موروثا ثقافيا ضاربا في القدم عند المغاربة - لست أدري تاريخها عند الجيران الجزائريين و غيرهم - و بالرغم من مستجدات العصر من تكنولوجيا و ماتلاها من ظهور سباقات (الفورميل 1) التافهة و (راليات الغزالة عائشة) البورجوازية و غيرهما من "سباقات" سواء كانت دلالة السباقات المقصودة في النص حقيقية أم "رمزية"، إلا أن الأصالة لها عنوان واضح و معالم راسخة تتحدى بتباثها كل متحول عابر و مستجد زائل. لكن رغم ذلك، لست أرى أن كل مستجد، بالضرورة، فاسد. وبما أننا في لب الثقافة الشعبية المغربية، دعني أختم بالمقولة الشهيرة: "الجديد له جدة، و القديم لا تفرط فيه".

            كانت مجرد وقفة عابرة على نص ربما يحتاج إلى من هو أكثر مني دراية بالحكي كي يقف لمدة أطول عند معانيه.


            تحياتي للأستاذ البكري.


            م.ش.

            تعليق

            • البكري المصطفى
              المصطفى البكري
              • 30-10-2008
              • 859

              #7
              أخي محمد، تقديري موفور لك على عنايتك بقراءة هذه النص المتواضع.
              { الجديد له جدته والماضي لا تفرط فيه } دعني أقول لك إن هذه العبارة معيار دقيق يجعل المرء ثابت القدمين في زوبعة عالم معولم تتصدع فيه الحدود الثابتة ؛ ويموج بعضه في بعض دون أن يدري هذا الإنسان السر في القديم المناسب والجديد المفيد .
              نحن متعطشون لرؤية الماضي يؤثث حياتنا المعاصرة كقشيب لا تخطئه العين ، لكن هذه الصيحة التي تعالت في سماء ثقافتنا العربية منذ عهد الشيخ محمد عبده ومن سار على نهجه ظلت تراوح مكانها بين من غاص في الماضي حتى فقد عقله ومن غرق في الحديث إلى أخمص القدمين حتى شكك في وجوده ؛ وفي اسمه ؛ وفي انتمائه وازداد الأمر تعقيدا مع مطالب العولمة واكتساحها وتغولها ؛ فهل نحتاج إلى أكثر من مصباح وأكثر من بوصلة الآن أكثر من أي وقت مضى؟؟
              أجدد لك التحية.

              تعليق

              • أميمة محمد
                مشرف
                • 27-05-2015
                • 4960

                #8
                مساء الخير. تعلق بعض النصوص حتما في صفير رد رغم أنها كتبت بعناية.. ناهيك عن صفر نقدي غالب في الشبكة.. وشكرا للأخ محمد الذي علق وشارك قبلي
                بقراءة سريعة للكاتب سرد باهر آسر وعناية تليق بنص جيد بقلم رشيق وتعبيرات أدبية
                القصة اعتمدت على عصف نفسي في يوم تتوالى فيه الذكرى بعيدا عن أحداث درامية ومتأزمة ونهاية غير متوقعة لكسر روتين السباق ومشاهد عصف الذكريات
                إنما أعجبني السرد وتقديم النص بما يليق
                تقديري وتحية

                تعليق

                • البكري المصطفى
                  المصطفى البكري
                  • 30-10-2008
                  • 859

                  #9
                  الأديبة الراقية أميمة محمد
                  لقد سرني تعليقك الذي نبهني إلى أشياء كنت أجهلها؛ أكتفي الآن بحفظها كوديعة في قائمة جهودي الأدبية.
                  شكري موفور لك؛ ودامت لك المسرات.

                  تعليق

                  يعمل...
                  X