إن الشباب إذا سما بطموحه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    إن الشباب إذا سما بطموحه

    **
    إن الشباب إذا سما بطموحه
    ***
    احتدم الصّراع بيني وبينه ، ما أصعب هذا الجيل ! كنت أسمع عن صراع الأجيال حتّى رأيته بأمِّ عيني ، وليس من سمع كمن رأى . لقد فتح هذا الجيل عينيه على الرّبح السّريع والرفّاهيّة المترفة ، فلم يعد يُعيره شيء على الإطلاق . قدوته في ذلك حثالة من نجوم الفن والخلاعة . يحقّ لهذا الجيل " المحفوظ " أن يرى كل شيء ورديّ أمامه ، فالمال كلّ شيء بالنّسبة إليه ، وليس المال كلّ شيء في هذه الحياة .جرّني الحديث مع ولدي الأوسط ، والولد الأوسط دائمًا مظلوم ، لأنّه يأتي بين " مطرقة " الابن البكر و " سندان " الابن الأصغر ، وذكّرني حاله بقصة أغنى رجل في بلدتنا ، بل من أكبر الأثرياء في الجزائر ، بل تجاوزت شمعته حدود الوطن ؛ ترك من ورائه مالاً عظيمًا و نسلاً كتيرا ، حتّى أنه بعد وفاته – رحمه الله - جاء شخص من دولة جارة يطلب نصيبه من الميراث . و بلغت به الشّهرة لدرجة أن حزمة الأوراق النّقديّة التي كانت تُختم باسمه " تحت الطلب " ، ويتمّ شحنها في سُفن فرنسيّة تعبر البحر المتوسّط ، وذلك قبل الاستقلال . وكان لديه مستشارون و محاسبون رسميّون وعمّال عرب وأجانب ، كلّهم يعملون لديه ، ولديه ما لا يحصى من الأراضي الخصبة و المستثمرات الضّخمة والمساكن الفارهة والعقارات والمحلات والمستودعات الكبيرة ،،، حتّى أنّه غدا يُحاكي ( قارون ) في مفاتيحه التي ( تنوء بالعصبة أولِى القُوّة ) ، غير أنّه كان متواضعًا ووهب قطعة من أرضه لبناء مسجد وسط المدينة ، ولا يزال هذا المسجد قائمًا لحد السّاعة يشهد عليه. بمعنى آخر ، فإن المرحوم كان عبارة عن دولة متكاملة ، وكان قد تزوّج بعدد من النّساء ؛ بحيث سبق وأن جاء شخص غريب من دولة جارة يُطالب بنصيبه في الميراث .مع مرور الأيام ، وبعدما بلغ من العمر أرذله ، فقد العجوز الثّريّ بصره ولم يفلح في استعادته ، رغم الأموال الطّائلة والمستشفيات التي زارها بما في ذلك مستشفى أمريكي ، حسب رواية أعيان البلدة الذين ذهبوا لزيارته حيث يُقيم بمدينة ساحلية ، فاستقبلهم بحفاوة كبيرة وكان الوقت قد أشرف على الظّهيرة ، فعزمهم على الغذاء وألحّ عليهم ، فلبّوا دعوته احتراما لمقامه وسنّه الكبير. حين حضر الطّعام لم يحرّك ساكنا ، ولأن " المسكين " كان ينتظر من يأخذ بيده ويساعده على تناول الطّعام ، لكنّه أشفقوا ولم يقدروا على ذلك مهابةً . و بلغ الأسى من العجوز المسكين مبلغه ، فتنهّد تنهيدة ، عبّر من خلالها عن حرقته ، وتمتم - معاتبا نفسه - : " آهٍ يا ( فُلان ) يقصد ذاته ؛ بالأمس فقط كنت تظنّ المال أعزّ شيء في الوجود ، واليوم وقد فقدت بصرك الغالي ، لن يستطيع مالُك العزيز أن يستردّ بصرَك الغالي " ." أ تعرف كيف حتّى أصبح هذا التّعيس ثريّا ؟ " . سألت ولدي الذي كنت أحسبه يتابع كلامي . لكنّه سكت وفضّل الصّمت بدلا منّي .فأجبت نفسي قائلا : " طبعا نحن لا تدرك معنى أن يكون للاخلاق دور في الثّراء " و أردفت :" بالأمس ، قبل أن يمسي هذا الثّري كفيفًا ضريرا ، كان شابًّا زاهدًا يعمل بكدّ وإخلاص في مزرعة أحد المعمّرين ، وعندما قرّر الفرنسيون مغادرة الجزائر ، وهب له " الكولون " ، المعمّر صاحب المزرعة ، المزرعة وما فيها ".هزّ الولد كتفيه استخفافا بما أقول ، فرحت أحاول إقناعه من جديد : " أزيدك واحدة ، تعرف قصّة ابن مدينتك الكبير ؛ عميد الجامعة الذي تخرّج من جامعة فرنسية بدكتوراه في الفيزياء النوويّة بدرجة مشرّفة ، ربما لكونه أكبر منك سنّا فأنت لاتعرفه جيّدا ؛ والده كان عضوا في فرقة متنقّلة تقتات من مواسم الأفراح ، بمعنى أنّها " لا تأتي أُكلها كل حين " ، ورغم الحاجة وضيق ذات اليد إلاّ أن " عازف النّاي " أباه استطاع أن يربيّه أحسن تربيّة ، وأن يجعل منه مثالا حيًّا في الهمّة والأخلاق العالية . وجارنا الطبيب الجرّاح ، هل تعرف مهنته الأصليّة قبل أن يصير طبيبا جرّاحًا ، طبعًا ، كنت صغيرًا يوم كان يغسل الكئوس وفناجين الشاي والقهوة في مقهى بوسط المدينة كي يعول أسرته الكبيرة ، لأنّ أباه كان شيخا مُقْعَدا . و، و، و " . رحت أكرّر عليه بعض الأسماء لأشخاص عانوا كثيرا في صغرهم ، لكنّهم لمّا كبروا التحقوا بمراتب عليا بفضل أخلاقهم وتربيتهم السّليمة . ومن ثمّة فإن للأخلاق والتنشئة السّليمة خاصّة ، فضل في بلوغ الإنسان المراتب الأولى .
    ونختم في الأخير بهذه القصيدة الرّائعة للفقيد الرّاحل ( محمد العيد آل خليفة ) – رحمة الله الواسعة عليه - :
    يا معشر الطلاب هذا عهدكم *** فاسعوا لكسب المجد سعي عظام
    أنتم رجاء الشعب أنتم ذخـره *** و حمـــــاه في مستقبل الأيــــــام
    إني أرى فيكم مخـايــل فطنة *** كالبرق يومض من خلال غمــــام
    و أرى دراستكم دراسة فطنة *** و دراية و رعايـــــة و نظــــــــام
    فتدارسوا القرآن فهو هدى لكم *** و شفاء أنفسكــم من الأسقـــام
    و تعلموا فصحى اللغات فإنها *** علوية الأسرار و الأنغــــــــــــام
    كونوا عمالقة الشباب شهامــــة *** و كرامة و اسموا عن الأقـزام
    إن الشباب إذا سما بطموحـــه *** جعل النجوم مواطئ الأقــــــــدام
    في كل قلب منه قلب مجاهــــد *** و بكل نفس منا نفس عصـــــامي
    يا معشر الطلاب هذا عهدكــــم *** فاسعوا لكسب المجد سعي عظـام
    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 28-12-2018, 01:49.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
يعمل...
X