يا سايق النجع
منيرة الفهري
منيرة الفهري
«يا سايق النجع لوال...هات العصا خنسوقه....»
جرت للمذياع ترفع صوت الأغنية العتيقة...
ايييه..صوت صليحة يأتي من غابر الزمان..و يحيي ذكريات نحتت فيها و أبت أن تفارقها..صوت الماضي الذي مازالت تعيش معه رغم تآكل السنين..
أحست بيد تربت على كتفها و صوت يطلب منها أن تخفض صوت المذياع..إنه أبوها العائد من العمل...كانت بيده قصة باللغة العربية عرفت تِبْر للتوّ لماذا اشتراها ...ابتسمت و تبعت أباها لغرفة الجلوس و أخذت منه القصة و بدأت تتصفحها..إنها تروي إحدى الفتوحات الاسلامية..هكذا هو أبوها ...يذهب للمكتبة و يختار قصة لتقرأها له ...حتى يستمتع بالحكاية...لأنه لم يدرس اللغة العربية فقد كانت ثقافته _ لظروف ما_ فرنسية بحتة..و كانت تستهويه الروايات العربية...
أحست بالفخر و هي تقرأ القصة على مسامع أبيها و صوت صليحة مازال يطن خارج الغرفة...
انضمت إليهما أمّها تحمل خبز الفرن الترابي الساخن و إذا بأبيها يبتهج و يقول هيا بنا نشبع المعدة بعد أن أشبعنا الفكر...اجتمعت مع إخوتها السبعة على المائدة و أكلوا ما لذ و طاب من شكشوكة و زيت زيتون و خبز لذيذ...غسلت يديها و أرادت الخروج لتلعب مع أترابها في الحي..لكنها تذكرت أوامر أبيها بأن لا خروج من المنزل الا للذهاب للمدرسة او لشراء سكر من الدكان المجاور...و دون ان تنبس ببنت شفة دخلت الغرفة الكبيرة و استقلت حاشية كانت ملقاة هناك للغرض و أغمضت عينيها محاولة النوم...هذه نسميها قيلولة و القيلولة في منزلهم مقدسة...هذا هو النظام في بيتها...
لم تغمض تبر عينيها طويلا لانها فتحتهما لتستقبل أخاها بضحكة مكتومة..هو أيضا سينام حسب الأوامر...و جاء أخوها الثاني و الثالث و الرابع...أتوا كلهم و اصطفوا على الحشايا البالية ...فكنت لا تسمع سوى وشوشات و ضحكا خافتا..ثم سرعان ما يسود الصمت الرهيب عندما تدخل الام لتتفقد ابناءها و ترتاح معهم على الطرف الباقي من الحشايا....
رن جرس الساعة ...الرابعة مساء...الحمد لله ...الان يستطيع الأولاد النهوض و اللعب كما يحلو لهم...
يا سايق النجع..
هذا صوت صليحة... و هذا بيتهم العتيق...و هذه شجرة البرتقال تتوسط «الحوش»...و هذه أمّها تطرّز لحافا حتى لا تضيّع الوقت في الحديث السفسطائي مع الجيران...و هؤلاء إخوتها يجرون...يلهثون و ينادون: يا تِبْر..تعالي و العبي معنا « الريقلة»...و تلعب تبر و تربح إخوتها و تعود فائزة منتصرة لأمّها التي كانت ترقبهم من خلال ثقبات « القرقاف»...
و فجأة صاح أخوها الصغير طالبا النجدة..هرعت الأم تستكشف الأمر...فإذا باخوته يفتكون له كرة القماش لعبته المفضلة....
سكتت صليحة و انتهت أغنية يا سايق النجع...
انتبهت تبر لمقدم نشرة الأخبار و هو يعلن أن غدا الخميس السابع عشر من جانفي سيكون هناك اضراب عام في تونس....
ليت صليحة لم تسكت و ليت سايق النجع يعود....
تعليق