بكّرت فجر الجمعة ... نهضت قبل أن تصيح الدّيكة. فلبست أسمالي البالية التي أعددتها البارحة. وانتعلت حذاء ممزقا. وركبت سيّارتي. وانخرطت في الطريق الطويل. وكان البرد شديدا. بعد ساعتين, وصلتُ. كنتُ أوّل من يدرك الجامعَ. ألقيت بصرة كانت معي. وجلست عليها مسندا ظهري إلى الحائط. بضع ساعات ويأتي الطيبون, "أولاد الحلال", وجاءت امرأة بعدي بنصف ساعة. فقلت في نفسي :" ليست مثلي على عجلة من الأمر...إنها تعرف المواقيت بالدقّة الكافية ". جاءت المرأة تمسك بيدي طفلين باكيين. كانت تسير متثاقلة وقد بدا عليها المرض. أمّا الطفلان فكانا حافيين. وكانت البنت شعثاء. ومخاط أنفها يسيل فينفذ من بين شفتيها. أمّا الطفل فكان عاري الصّدر وهو يرتعد من وطأة البرد الصباحيّ القارس. وكان يبكي بلا دموع. وقفت المرأة أمامي وأنا جالس على الصرّة أعالج ثقبا في حذائي يلسعني منه البرد. ورأيت شفتيها المتعبتين الجافتين تتحرّكان . وسمعت حشرجة . ولكني لم أفهم ما قالت. وظلت تتمتم وتشير إلى مكان جلوسي. ثمّ جعلت تنقل عينيها وهي تشير بسبّابتها إلى الناحية الأخرى من الحائط. فشككت في أنها تطالبني بترك مكانها. ابتسمت. وتشاغلت عنها بقراءة لافتة بدأت حروفها تتوضّح مع انبلاج بعض من نور الشمس التي توشك أن تبزغ. كان على اللافتة المعلقة على حائط الجامع: ليس منا من بات شبعان وجاره جائع. وتوقفت عن التفكير في اللافتة حينما اقترب مني الطفلان وألحّا في همزي بأصابعهما مطالبينني بترك مكان أمّهما. فابتسمت لهما. وانشغلت عنهما بتغطية رجليّ بفضلة المعطف. فتركاني والتصقا بأمهما وشرعا في البكاء وشرعت البنت في لعق مخاطها. ثمّ مع شروق الشمس بالضبط, وصلت امرأة أخرى شابة كانت تحدب على رضيع تحاول حمايته من البرد رغم سهوها عن تغطية رجليه العاريتين المتدليتين على بطنها. جلست غير بعيد من الأولى. ووصل رجل مقطوع السّاق. ونزل متسوّل بدين من سيّار التاكسي. وجلس غير بعيد منّي ووضع النشوق في فمه وأنفه. ثمّ جعل يعطس وينظر إليّ محمرّ العينين وقد غطت حدقتيه غشاوة من دمع. جلسنا جميعا ننتظر حسنات "أولاد الحلال" حينما ارتفع صوت آذان الجمعة, جعل الناس يتوافدون على الجامع بكثافة. فارتعشت المرأة أمّ الطفلين وغامت عيناها. وثقلت حركة يديها. ودمعت عيناها. وأمعن طفلاها في البكاء. وبكى رضيع الشابة. وجدّت في الإلحاح على المصلين الدّاخلين. وكف المتسول البدين عن وضع النشوق والعطاس. وجعل ينظم حركات الجماعة. والتفت إلى المقطوع. وأمره بتغيير مكانه لكنّه لم يمتثل. كان المتسوّل البدين يكثر من تفحص حذائي الممزق. ولم يكن في فضلة معطفي ما يكفي لإخفاء ما استرعى اهتمامه. تكّدّس الذباب على منخري الفتاة وتفذ إلى فمها. ولم تكن أمها تهتم بالأمر. وما إن بدأ الإمام في الخطبة, حتى تدلت رؤوس المتسولين على الصدور أو مالت على الأكتاف. وجدّ الذباب في مشاغلة الطفلة. وتكدّس على قرحة في رجل الشابة. ومضى يغرس خرطومه في مؤق العيون. والطيبون من "أولاد الحلال" لا يعطون شيئا إلاّ إذا خرجوا بعد الصلاة. وإذا صادف وأن أعطى أحدهم دريهمات قبل الصلاة فإنه ,ولا شكّ, غريب عن الجامع. وإذا ارتفع صوت الخطيب على المنبر تحركت الرؤوس قليلا ثمّ تعود إلى الارتخاء إذا هو عاد إلى نسقه القديم. لم أكن أدري سبب الضحك الذي بداخلي. ربما بسبب تمزّق حذائي. وربما بسبب معطفي الفضفاض. وربما بسبب النشاز الذي يبدو عليّ وعدم توافق حركة رأسي وعينيّ وأصابعي الضعيفة مع نبرات الإمام على المنبر. نظرت إلى من هم أمامي فوجدتهم يصْحُون مع كل آية وحديث. ثم تندلق رؤوسهم وتموت حركة أصابعهم المتسخة وتتمدّد أظافرهم الطويلة السوداء إذا بردت حرار خطابه. ثمّ انتقلت العدوى إلى الشيخ فوق المنبر فجعل صوته يخفت ويخفت حتى سمعته يقول بوضوح "أقم الصلاة". فسرت حركة غريبة في المقطوع الجالس بجانبي. وحوقل السائل البدين. وتنهدت المرضعة. وحركت البنت يدها تطرد بها الذّباب. وارتفع بوق سيارة تاكسي صفراء مرّت أمام الجامع. وبسرعة, جعل السائل البدين يرتب المشهد بطريقته : عضّ على شفتيه. وأمر المرأة الشابة بالاقتراب أكثر من أمّ الطفلين. ولكز المقطوع بعصاه آمرا إيّاه بالابتعاد عنّي قليلا. ونظرَ إليّ مبتسما بمكر وهو يرجوني أن أقترب منه أكثر. وسمعت الإمام يأمر المصلين: "استووا يرحمكم الله. رُصُّوا الصفوف." فاقتربت من المقطوع ومن الرجل البدين وقابلت الشابة الحسناء ذات الوليد. وسمعت الإمام يحذّر من ترك الفرج التي يستغلها الشيطان للتفريق بين المؤمنين .وأحسست بيد السمين تنفذ إلى رجلي من خرم الحذاء. نظرت إليه فأشار إليّ أن ادلق رأسك مثل الشابة. ففعلت. وجذبت رجلي والحذاء المثقوب واجتهدت في دسها في فخذ المقطوع. حينما سلّم الإمام, ارتفعت الرؤوس عن الصّدور والأكتاف واعتَلَّت النظرات وعاد الذباب إلى المناخر والمؤق. وطنّ. وبدأ المصلون في الخروج. كانت وجوههم نيّرة. وبدأت الدّراهم تتقاطر في أيدي المتسولين. كان لوقع الفلوس في يد الشابة أم الرضيع وقعٌ خاصٌ. كانت تهمس بالدّعاء للمحسنين. كانت ترفع نظراتها الذّابلة تستجدي الرّحمة وقد سقطت على ركبتيها بطاقة إعاقة حاولت جاهدا أن أقرأها. ولكني كنت بلا نظارات... قلت في نفسي: عندما يغادر السائل البدين سأسلمها المحصول كاملا. " ثمّ قلت في نفسي مرّة أخرى:" بعد مغادر السائل البدين سأعرض عليها إيصالها إلى بيتها على سيّارتي. وفي السيارة سأسلمها ما وقع في يدي من دراهم." بدأ المصلون من ذوي الرؤوس المثقلة بالمواعظ يمرون عليّ. فلا يحسنون إليّ. وكانوا يتجاوزونني ليرموا بحسناتهم في يد البدين أو في يد الشابة ذات الوليد وأحيانا, وحينما يشتد الزحام في مخرج الجامع , يميلون قليلا إلى المرأة والطفلين فيتصدقون عليها بما تيسر لهم. أحسست بالخجل. وكشفت عن ساقيّ العاريتين وحذائي الممزق. وأملت رأسي قليلا حتى بدا كأنه على وشك السقوط على كتفي. رأيت المتسول البدين يصوب نحوي نظرات ماكرة. ساءني أن يضحك مني في سرّه. أمعتن في الارتعاش. وطلبت الذباب. فلم تقبل ناحيتي ذبابة.و أبرزت صرة الأسمال فلم ينظر إليها ذو رأس عامرة بالتقوى. فالمصلون الطيبون المشبعون بالمواعظ الطيبة كانوا يعرفون بحسهم المرهف وبهدي من الله أنني كاذب, وأنّني دخيل, وأنّني لصّ ومحتال وضعيف الإيمان وأنّ رأسي لم يندلق على صدري, ولم يمل على كتفي. وأنني لا أستطيع تدليس بطاقة إعاقة. ويعلم بعض المؤمنين من أصحاب النظارات أنّني غريب الأطوار. ويعلم الإمام أنّ مثلي ملعون في الدنيا والآخرة . وطفح الكيل عندما رأيت المتسول السمين يدخل يده الممتلئة دراهم إلى جيبه لمرات عديدة. فيفرغ ما فيها. ويعيد بسطها. فتمتلأ في وقت وجيز... ما أكثر ما في هذا الجامع من مال... وما أقل حظّي منه !!! كانت الأيدي تُملأ وتفرغُ. وكلما رنّ فلس في يد المرأتين أنّت البنتُ من ألم وحكّ الولد رأسه وفرك عينيه وتعلق بثوب أمّه يريد أكلا. أدخل المقطوع يده في جيبه. وكذلك فعل المتسول السمين. ومرّرَت المرأتانِ يَدَيْهُما على صرتين محكمتي العقد. نظر إليّ المتسولون والطفلين. وانشغل الرضيع بمص اصبعه وهو يدس رأسه في صدر أمّه. نظروا إليّ مصوبين عيونهم إلى الحذاء الممزق. حركوا أيديهم في جيوبهم يعبثون بمحصول جُمعَة مباركة. قلت لهم بحركات من عينيّ المتعبتين:" لا بأس ... سأوصلها رغم فراغ جيبيّ." انزلقت يد الطّفل في جيب سرواله الصغير. كانت يدا صغيرة عليلة صفراء متسخة. أدخلت يدي في جيبي ... وصحت:" المفاتيحَ...المفاتيحَ" وقفزت متعثّرا ... جريت...جريت وقد تركت لهم صرة الأسمال و خلفت الحذاء الممزق ورائي... جريت حافيا ...جريت بمعطفي الممزق... في المساء كنت أتسوّل ثمن تذكرة...ما أكثر المال عند أولاد الحلال !!! في 14-12-2018
أولاد الحلال
تقليص
X
-
جميل جدا هذا النص من قلم كما يبدو قدير جدا
تحية طيبة
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركةلحسن الحظ فإنّ السّاحة لا تخلو تماما من فنّاني القصّة القصيرة. معلّم ، أستاذ توفيق. لقد استمتعتُ حقّا بالقراءة. أشكرك لأنّك تعيد لي الأمل. متطوّر وشيّق ما وجدت. سعيد حقّا أنا بعودة هذا الإحساس، إحساس Le plaisir du texte على حدّ تعبير رولان بارت.
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة سعد الأوراسي مشاهدة المشاركةأهلا بالكاتب الذي ينتصر لمهمته ، بحسن الأخلاق والتصرف .. تتحفنا دوما بثمار المفيد في رسالتك وتعلمنا صورتك الشخصية كيف نقرأ الرسالة من تفاصيل وملامح التأمل .. تحيتي واحترامي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة وفاء حمزة مشاهدة المشاركةجميل جدا هذا النص من قلم كما يبدو قدير جدا تحية طيبة
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 223554. الأعضاء 5 والزوار 223549.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق