المتاهة
قصة قصيرة
رائد قاسم
في ليلة ميلادي وبعد حفلة جميلة قضيتها مع اصدقائي خرجت للتنزه قليلا بعد ان ودعتهم ..
في هدوء... نظرت الى السماء فوجدتها صافية تماما ونجومها متلألئة بعكس الليلة الماضية فقد كانت مليئة بالغيوم .. لم يكن القمر مشرقا فقد كان الشهر في آخره .. اوقفت سيارتي لأمشي متنفسا بعمق الهواء العليل وناظرا للسماء حالكة السواد التي تزينها النجوم... فجأة شاهدت سفينة فضائية في السماء تسير بسرعة عالية ووقفت فوقي مباشرة.. سرعان ما تملكني الخوف فتجمدت في مكاني لا اعرف ماذا افعل.. شعرت بالخطر المحدق فهربت بأقصى سرعتي وانا في قمة رعبي إلا ان السفينة الفضائية الغامضة ما برحت اشعاعاتها تطاردني فتيقنت بأنها تستهدفني .. بينما كنت اركض باحثا عن سبيل نجاة وجدت صخرة فتوجهت نحوها على الفور واختبئت تحتها ..
الا انني لم اشعر بالأمان فقد كان صوت السفينة المفزع يملا الارجاء ..
جلت النظر في كل الاتجاهات علني اجد طريقا للفرار.. كنت ارى سيارتي التي كانت على مسافة ليست بالبعيدة من مكاني ..
سرقت النظر نحو السماء فوجدت السفينة ثابتة في مكانها وإشعاعاتها تبحث عني في كل اتجاه.. جثمت على الارض وبدأت ادعوا الرب أن ينجيني منهم.. بعد اكثر من نصف ساعة من الرعب غادرت السفينة الاجواء ليعم الهدوء التام .. ركضت بأقصى سرعتي متجها نحو سيارتي التي قدتها بسرعة لا غادر المكان واعود الى منزلي..
لم استطع كتم ما جرى لي في صدر فقصصته على اصدقائي الذين ضحكوا مني واعتقدوا بأني امزح معهم بينما اعتقد اخرون بأني كنت اتوهم إلا أني اكدت لهم بأنها الحقيقة ..
احد الاصدقاء قال لي بأني محظوظ لان المخلوقات الفضائية اختارتني لا عقد معها صفقة قد تغير مجرى حياتي وربما حياة الإنسانية!.
قد يكون ما قاله لي صديقي هذا نابعا من سخرية ، ولكن قد يكون مطابقا للحقيقة، نعم قد تكون تلك المخلوقات تريدني انا ولكن لحظة! لا اظن ذلك فقد حاولت اختطافي وانا في منطقة نائية ولو كان فيها شخصا آخر لحاولوا اختطافه ايضا.
قررت على كل حال ان لا اذهب الى الاماكن البعيدة خوفا من تلك المخلوقات الفضائية التي لا يعرف احدا عنها شيئا ولم يراها احد من البشر على حد علمي ..
لم انسى ما حدث لي ، بل كنت افكر فيه ليل ونهار ، في الليل كانت اقدامي تقودني لممارسة هوايتي في التنزه الليلي في احياء المدينة الهادئة وكأني اريد ان اشاهد السفينة الفضائية مرة اخرى ولكن يبدوا بانها دوافعي فعلا .. كنت انظر للسماء في كل حين علني اراها ، وأتساءل عما اذا كنت مستعدا للمجازفة وتحمل تكاليف مغامرة خطيرة كهذه.
في تلك الليلة مشيت في احياء لفها الصمت ، وفجأة وبينما كنت احدق في السماء ظهرت لي السفينة الفضائية مرة اخرى..اصابني الذعر واختبأت منها فورا .. سمعت صوتها وهي ثابتة في السماء. قلت في نفسي لا شك بأنهم يريدونني شخصيا! لا شك بأن اختيارهم وقع علي لأرى عالما طالما سعت البشرية الى رؤيته .. اخيرا سألتقي بمخلوقات عاقلة تعيش في ارجاء هذا الكون اللامتناهي.. سوف ادخل التاريخ بإنجازي هذا العمل العظيم ولكن قد يختطفونني ولا اعود الى الارض ابدا.
اذا حدث ذلك فسينتهي امري وينتهي سري معي ... حسنا لماذا اذن يطاردونني انا بالذات؟ لو لم اكن مهما بالنسبة لهم لما قصدوني للمرة الثانية .. لو كانوا يريدون قتلي لتمكنوا من ذلك بكل سهولة.
في لحظة اختيار عاصفة خرجت من مخبئي ومشيت بهدوء في الشارع فسلطت علي السفينة اشعة شلتني وأفقدتني القدرة على كل شيء .. ثوان معدودة وجدت نفسي ارتفع الى الاعلى بسرعة رهيبة
.. رأيت نفسي ارتفع الى السماء ، نظرت الى الاسفل فشاهدت الارض تصغر شيئا فشيئا... اقل من دقيقة ابتلعتني السفينة اثنائها بداخلها وغادرت الاجواء بسرعة عاتية.
استيقظت من غشوتي .. فتحت عيني فوجدت شخصين جالسين بقربي ثم التفت حولي فشاهدت الاف الناس ، نظرت بتركيز فوجدت انني معهم في سفينة فضائية ضخمة .. عرفت ذلك من جدرانها وارضيتها.. سالت احدهما اين انا ؟ ومن أنتم؟ وما الذي يحدث؟.
اجابني بلا مبالاة : اهلا بك معنا ، حيث لا حياة ولا موت ، لا حقيقة ولا خيال، حيث كل شيء هو لا شيء.
انتصبت واقفا لأرى بوضوح الاف الناس وهم يسرحون ويمرحون ... لم استوعب ما اشاهده.. سألته برجاء ان يخبرني اين انا؟.
اجابني قائلا:
قضينا في هذا السجن الفضائي مدد متفاوتة ، بعضنا منذ عشر سنين واقدمنا منذ عشرين عاما ، وأنت اقل من يوم !
لم استطع استيعاب ما يقوله.. جلست على الارض وقد غمرني الغبن العارم والحزن الشديد ..
ثم جلس الى جانبي قائلا:
بكيت بدموع غزيرة وانا اقول لهما اريد العودة الى الارض ، الى حياتي ، الى عالمي، ليس مهما اين سأكون على الارض فأينما سأكون فيها سأكون في وطني وبين اهلي واحبابي.
رد علي قائلا : الان اعتبرت كل ارجاء الارض موطنك ، اظنك قبل ساعات لو خرجت من مدينتك لشعرت بالغربة والحنين .. اما الان فقد اصبحت الارض بأسرها بلادك وكل الشعوب قومك وأحبابك.
ثم جلس الآخر ببرود والتفت نحوي سائلا:
نظرت لهما بانكسار ثم لذت بالصمت ، ولكنه اعاد علي السؤال مرة اخرى ، ولكن بماذا اجيبه؟ هل اخبره بأني راهنت رهانا خاسرا؟ هل اقول له بأني ضحية لحظة غباء عاتية؟ ام اخبره بأنني جئت الى هنا نتيجة مغامرة مجنونة او لحظات غرور مهلكة؟
بماذا اجيبه؟ بأني تصورت انني انسان مميز وان القدر اختارني للقاء مخلوقات اخرى جاءت من كوكب بعيد ؟
انسكبت دموعي مجددا.. بكيت وكأني لم ابكي قبلا.. رق الرجلان لحالي وقال لي أحدهما : تعز علي دموعك ولكن عليك ان تعتاد الحياة هنا، وإلا فلن تجد احدا يهتم بك، انظر لم يهتم بك احدا عندما وجدناك مغميا عليك إلا اننا حملناك الى هنا رأفت بك.
شكرتهما واعربتهما عن بالغ امتناني وسألتهما عن طبيعة الحياة في هذه السفينة فاخبراني بأني سوف اعرف كل شيء في حينه.
جلست قليلا حائرا حزينا بينما انشغلا بالتحدث مع الاشخاص الذين يمرون عليهما ، فجأة انبثقت اشعة ليزرية سوداء وبدأت بالإمساك بأرجل الناس واحدا تلو الاخر .. وقفت خائفا وكأني اريد الهروب الا ان احدهما قال لي لا تخف ، ستعتادها كما أي شيء هنا!
عندما امسكتهما الاشعة الليزرية عبرا عن الم بسيط ثم سرعان ما وصلني الدور وسلطت الاشعة على رجلاي ، شعرت وكأنهما وغزتا بحقنة ولكنها كانت سريعة جدا.
لاحظت بأن الحركة بوجود هذه الاشعة صعبة ، وهذا ما وجدته عند اغلب الناس الواقعين تحت ناظري حيث فضل اغلبهم القعود في اماكنهم.
اخبرني احدهما ان المخلوقات الفضائية تغذي اجسامنا بهذه الاشعة السوداء، حيث تمنحها كل احتياجاتها من الطاقة وانها الطريقة الوحيدة للتغذية.. انتابني العجب الشديد من هذا الامر وكيف سأقضي بقية حياتي من دون تناول أي طعام او شراب ورغم ذلك سأظل حيا ومحتفظا بنشاطي وحيويتي.
سألت احدهما هل يمكن رؤية المخلوقات الفضائية او التحدث معها؟. ضحك من سؤالي ثم اجاب:
هم كالحكام الديكتاتوريين لا نراهم ولا نلتقي بهم ورغم ذلك نخضع لهم وبيدهم قرارنا ومصيرنا!.
لم اتمالك نفسي فبكيت مرة اخرى والناس من حولي لا يبالون بي .. يا الهي ماذا جنيت على نفسي؟ كيف رميت بها الى هذا الجحيم ؟ كيف هانت علي وأسلمتها الى هذه المخلوقات الشريرة؟
كيف الخلاص ؟ واي خلاص ونحن في سفينة تطوف في الفضاء وتطير في سماء الارض من دون ان يراها احد! حتى الموت هنا يبدوا بأنه بعيد المنال!!
نمت كغيري بلا سرير او وسادة ، في منامي شاهدت نفسي وانا على الارض امارس حياتي اليومية ، ، نمت طويلا بالرغم من الضوضاء التي لا تنتهي ، التقيت بأصدقائي في الحلم ، وتجولت كعادتي في ارجاء مدينتي، كم اكنت اتمنى ان اعيش في هذا الحلم بقية حياتي، ليكون جسدي نائما في هذه المركبة اللعينة حتى وفاتي ، بينما اعيش حياتي بكل تفاصيلها داخل حلمي ، ولكني استيقظت لأرى الناس وقد تقلصت اعدادهم في منطقتي ، نهضت بسرعة وذهبت استطلع الخبر فلم اجد بدا من ان اسال احد فأجابني من سألته بأن الناس ذهبوا للتنزه!.
انتابني العجب من جوابه فأي تنزه في هذه السفينة الصماء ؟ ذهبت في الاتجاه الذي يذهب اليه الناس، فقد كان في نهاية منطقتي اربع مسارات توصل الى مناطق اخرى ولا احد يعرف كم يبلغ عددها بالضبط ومن دون معرفة الطريق جيدا فأن المرء يضل موقعه ولن يتمكن من العودة بسهولة.
مشيت طويلا حتى وصلت الى بوابة يغمرها الماء والناس يدخلون ويخرجون منها .. اقتربت منها رغم ان الزحام كان شديدا.. قال لي احدهم اما ان تدخل واما ان تبتعد !. سألته الى اين تأخذنا هذه البوابة الغريبة؟ اجابني : ادخل وستعرف!
بينما اجابني آخر: لا تخف لن تموت لأنك ميت اصلا!!.
امسك بيدي وبمساعدة شخص اخر من الخلف ورمى بي في البوابة المائية .. ثواني معدودة شاهدت فيها اناس كثيرين وكأني في اعماق البحر ثم خرجت منها لأجد نفسي في طريق جبلي مغطى بالثلوج التي كانت تتساقط من السماء!!
شاهدت مئات الناس وهم يسيرون فيه بوجوم وكأنهم الفوه ولم يعد غريب عليهم.. بالنسبة لي كان مكانا رائعا فقد اعادني الى الارض بالرغم من ان الطقس لم يكن باردا ابدا وهذا ما آثار استغرابي اكثر! بيد اني مشيت مع الناس في الطريق .. كنا نسلك طريقا حقيقيا فقد كنت المس الثلوج والاشجار المغطاة بها! شعرت بالسعادة القصوى لوجودي في هذا المكان، سألت بعض العابرين عن نهاية الطريق فأجابني وهو ويضحك استمر وستعرف!!مشيت وانا في قمة المرح حتى وصلت مع المئات الى نهاية الطريق ، ثم بدئوا ينزلون منه نحو قرية لمحتها من الاعلى..نزلت بسرعة حتى وصلتها .. شاهدت فيها قرويين رجالا ونساء وهم يرتدون ملابس ثقيلة ورأيت اطفالا يلعبون بالثلج بينما كان المئات من الناس قد تفرقوا الى افراد وجماعات وافترشوا الارض في انحاء متفرقة من القرية.
انا لم اكن اعرف ماذا يجري .. تجولت قليلا ثم وجدت جماعة وانضممت اليهم .. سألتهم عما يحدث فسألوني ماذا اذا كنت حديث القدوم الى هنا؟ فجاوبتهم بنعم . فسألوني عن كيفية اختطافي. ولكنني لم اخبرهم بالحقيقة وقلت لهم بأني كنت اتنزه في الصحراء بمفردي فلم اشعر الا وأنا ارتفع الى الفضاء وأغمي علي ولم اجد نفسي الا وانا في هذه السفينة.
ثم قص كل واحد منهم واقعة اختطافه وتحدث عن حياته السابقة على الارض ببرود ولا مبالاة ، ثم سالتهم عن هذا الذي نحن فيه فأجابني احدهم انها اشبه بحديقة ، حيث يمكن لنا ان نتجول فيها وكأننا نسير على الارض ، وكل ما نشاهده هنا اشبه بالحقيقة حيث يمكننا لمسه ، بما في ذلك القرويين الذين يتجولون في القرية ولكننا لن نستطيع التحدث معهم لان كل ما نشاهده هنا ليس سوى وهم في النهاية، ولكنه وهم يشعرنا بالسعادة والبهجة.
فجأة كل شيء حولنا تضاءلت كثافته وكأنه يختفي شيئا فشيئا، ارتسمت على وجهي علامات القلق ، التفت لي احدهم وقال لي : لا تقلق ، ستعتاد على كل ما تراه!
سرعان ما بدأ كل شيء بالاختفاء.. دقائق معدودة ووجدت نفسي في سجن السفينة الفضائية.. لم اصدق ما رأته عيني.. ذهبت عنهم والدموع تنهمر مني بلا ارادة .. سرت حتى وصلت الى مكاني الاول بصعوبة بالغة وبعد قضاء وقت طويل في البحث ، والحقيقة بأني لم أعثر عليه إلا مصادفة عندما ناداني احد صديقي الاوليين.
استلقيت على الارض متعبا ولكن لم تدم راحتي طويلا فقد ظهر شخصان وأخذا يكيلان اللعان
للمخلوقات الفضائية ، سرعان ما وقفا في الناس خاطبين وحرضوهم على تدمير السفينة وان البقاء هكذا على امل النجاة لا جدوا منه . طلب منهما احد الاشخاص الهدوء إلا انهما استمرا في الحديث بقوة ونبرات التضحية بادية عليهما. تحلق حولهما جمعا غفيرا من الناس الذين ظهرت على وجوههم امارات الاقتناع بما يقولان .. بينما الجميع كذلك وبينما كان الموقف قد بلغ مستويات عالية من التوتر والاضطراب سلطت عليهما اشعة ليزرية فصرعا على الارض وهما يصرخان من شدة الالم ... انفض الناس عنهما وزادت حدة الاشعة مما جعلنا نوقن بأنهما يعذبان فقد كان صراخهما فظيعا ..
نظر لهما الجميع بخوف وذهول ولم يكن احدا قادرا على مساعدتهما ، فكل من يقترب منهما ستصيبه اشعاعات الغضب والعذاب .. بعد عدة دقائق سكت انينهما وتحولا الى جثتين. حاول البعض الاقتراب منهما الا ان الجثتين سلطت عليها اشعاعات اخرى وفي ثواني كانتا قد اختفت عن الانظار.
ساد الهرج والمرج بين الناس .. سرعان ما سلطت علينا جميعا اشعة ليزرية قيدت اطرافنا جميعا. قال لي احد صديقي بانها قيود ليزرية حقيقية .. استلقى الجميع على الارض وسرعان ما ساد فينا الهدوء .. كان مقتل الشخصين وقيودنا الليزرية رسالة من تلك المخلوقات التي تسيطر علينا وتتحكم بمصيرنا ونحن لا نراها ولا نعرف ماهيتها بأن أي تمرد او تحريض على العصيان سيواجه بالقتل الفوري والعذاب الشديد الذي سيتضاعف حتى يبلغ بنا الامر بأن نطلب الموت فلا نجده.
ما ابشع ان يسيطر على المرء اشخاص لا يعرفهم ولا يمكنه الوصول اليهم ، ويظل طوال عمره خاضعا لإرادتهم وسيطرتهم .. ما ابشع ما نحن فيه.
لم اعد اطيق الحياة في هذه السفينة اللعينة .. قررت البحث عن مخرج .. ما ان زال ذلك القيد الليزري حتى بدأت السير في انحاء السفينة علني اجد مخرجا ..كل من شاهدني ابحث سخر مني وقال لقد بحثنا قبلك ولم نجد بصيص امل .. لا شيء هنا سوى هذه المكان الذي لا ينتمي لأي شيء نعرفه او لا نعرفه !! انه لا فراغ .. ولا وجود.. لا حياة بعدها موت ولا موت بعده حياة...
في يوم ما كان احد الناس يحتضر.. مرض مرضا شديا، كان عمره في الستين . قال وهو على فراش موته انه كان جالسا على سطح منزله قبل عشر سنوات قبل ان يغمى عليه ويجد نفسه هنا، قال انه يتمنى ان يشاهد حفيدته الصغيرة وقد اصبح عمرها العمر الان عشرين عام، ثم نظر الى الاعلى قائلا بأنه يشاهد والديه وبعض من اقاربه الراحلين وانهم يدعونه للرحيل معهم .. مد يده الى الاعلى قائلا :خذوني معكم ارجوكم لا تدعوني بعد اليوم في هذا الجحيم . لم تلبث يده ان سقطت ليعلن وفاته وسط بكاء الحاضرين...ما لبث ان سلطت المخلوقات الفضائية اشعة ليزرية على جثمانه ليختفي عن انظارنا على الفور.. سرعان ما تفرق الناس وكونوا مجموعات توزعت في كل مكان وسط اجواء اليأس والقنوط..
لم اعد اطيق .. لا امل في الخلاص من هذا الجحيم سوى بالموت، فالموت شفاء من لا شفاء له .. صرخت بأعلى صوتي.. طلبت من الناس ان يلتموا حولي ويسمعون خطابي .. سرعان ما تجمع حولي الالاف من الناس بوجوه شاحبة ويأس مرتسم على ملامحهم وكأنهم اعتادوا على كل شيء...
وقت فيهم خطيبا قائلا:
نظروا لي باستغراب ..
انبرى احدهم وسألني غاضبا: كيف ذلك؟ كيف اخترت لنفسك هذا المصير بمحض ارادتك؟
وانبرى شخص اخر : اخبرنا بما جرى لك يا هذا!
تعالت الاصوات قائلة:
رفعت صوتي طالبا منهم السكوت والهدوء. ثم خاطبتهم قائلا والألم يعتصر قلبي : لم اكن اتوقع ان هذا سيحدث لي ، كانت هذه السفينة الفضائية تطاردني وكأنها تريدني انا بالذات، حسبت انني كنزا ثمينا بالنسبة لهم ، اعتقدت بأني دو شان ومتميز عن الاخرين ، لذلك فهم يريدوني ان اذهب معهم لاكتشاف عالمهم ، لم اكن اتوقع ابدا ان في هذا الافق البعيد تكمن هذه المأساة المروعة التي نعيشها هنا في هذه المقبرة التي تجوب الكون بحثا عن احياء سيجعلونهم يعيشون حياة الموت!
لم اتمالك نفسي .. بكيت امامهم ، بينما بدئوا بالسخرية والاستهزاء والضحك علي..
نظرت اليهم فرأيت وجوههم الشامتة الساخرة الا اني قاطعتم بصوت جبهوي قائلا:
ثم خاطبتهم بقوة قائلا:
فلنهتف ضدهم بصوت انسان واحد ، فلنزلزل ارض هذه المركبة بأقدامنا ولنحطم كل ما نستطيع تحطيمه وليكن ما يكون فحياة الذل موت.
هتفت فيهم فهتفوا معي.. التفوا حولي وبدأت اقودهم ونحن نهتف اما الخلاص واما الموت.. فجأة سلطت علي اشعاعات شلت حركتي... عذبت عذابا رهيبا حتى اني فقدت مقدرتي على أي حركة وكأني خرجت من جسدي.. تفرق الناس من حولي وهم في خوف شديد ، الا ان كل واحد منهم سلطت عليه اشعة ليزرية وأصبحوا يتعذبون مثلي.. اما انا فقد رفعوا عني العذاب فالتقطت انفاسي ثم رأيت الناس وهم يتوجعون ... قلت لهم قاوموا ولا تخضعوا ولنموت ونحن نقاوم افضل من ان نموت ونحن خاضعين ..
قال احدهم : لا استطيع الاحتمال .
وقال آخر: انه عذاب رهيب.
وآخر قال: المعضلة ليست في الموت بل في الذي قبله.
سرت فيهم وانا احثهم على المقاومة ...
قال لي احدهم انت لا تشعر بعذابنا ، انت تطلب منا ان نقاوم بينما انت في مأمن.
قلت لهم ما دام العذاب قد رفع عني فأن واجبي ان اقف معكم بكل ما اوتيت من قوة.
الا ان صرخات عذابهم تتعالى لينطق الكثير منهم بعبارات الاستسلام والرضوخ وأنا اناشدهم بأن يصبروا .. فجأة رفع عنهم العذاب ليسكن الجميع ويعم الصمت الحذر إلا ان الجميع بدئوا ينظرون لي بحقد وغل وكأنهم يحملونني مسئولية العذاب الذي حل بهم .. تجمعوا وتحلقوا حولي.. كانت وجوههم شاحبة وينظرون لي بعيون مفتوحة على مصراعيها وكأنهم فقدوا عقولهم..
قال لي احدهم: عرضتنا لهذا العذاب الرهيب بينما كنت في مأمن منه.
احد آخر: ما نتيجة ثورنا هذه؟ لم يتغير شيء؟ لا نزال اسرى بل عبيد.
واحد اخر : انت السبب، انظر لقد شلت يدي!
واحدهم: لقد شلت رجلي اليمنى!
واحدهم: لقد شلت رجلي اليسرى! بينما انت سليم معافى.
قلت لهم : ان الحرية لا بد لها من تضحيات ، لا يمكن ان ننال المجد دون ثبات وصبر.
احدهم: علينا قتلك لأنك انت السبب ، كنا نعيش بكامل صحتنا والان اصبنا جميعا بإمراض وعلل ، انت المسئول!
احدهم: لم نغنم الحرية ولم نغنم الموت.
اجبتهم بقوة : عندما يناضل المرء من اجل مبادئه او يؤدي واجبه لا يجب عليه ينتظر النجاح ، ان اماله تغذوا مبعثرة في السماء ، قد يعود بعضها الى الارض فيمسك بها وقد تضيع في السماء الى الابد.
تقدم بعضهم نحوي يريدون قتلي وسط هتافات عارمة الا ان صديقي اعترضا طريقهم وانبرى احدهما قائلا:
اخذ الناس يتطلعون في وجوه بعضهم البعض وكأنهم استيقظوا للتو من سبات طويل..
اضاف صديقي الثاني قائلا:
واضاف : لا تدعوهم يهنئون بما يأملون . ان لم تتمكنوا من نيل حريتكم وكسر جبروتهم فعليكم على الاقل ان تثبتوا لهم بأنكم احرار في قلوبكم وارواحكم وعقولكم وانكم لم ولن تستلموا لهم وان صمودكم هزيمة لهم.
فجأة سلط علي اشعاع ليزري.. صرخت ووقعت على الارض وبدئت اتلوى من الالم ، بينما ابتعد الناس عني خوف من ان يصيبهم ما اصابني .. حاول صديقاي الاقتراب مني الا انني طلب منهما ان يبتعدا لئلا يصبهم اذى .. نظرت للناس من حولي فرأيتهم ينظرون لي بشفقة ورحمة مشوبة بخوف ويأس .. ابتسمت في وجوههم ..حركت يدي ببط ورفعت اصبعي السبابة والوسطى ولوحت لهم بعلامة النصر ثم اختفيت عن انظارهم...
فتحت عيني.. وجدت نفسي في مستشفى .. لم اصدق ما رأيته... نهضت من فراشي الا ان احدى الممرضات جاءتني مسرعة وطلبت مني البقاء في السرير لأني لا ازال مريضا ولكني لم اعبأ بها .. وقفت اتأمل حولي وأنا في قمة استغرابي وتعجبي ثم وقفت عند الشرفة فرأيت الشارع يعج بالسيارات والمارة.
لم استوعب ما يحدث لي؟ هل كان كل ما مررت به عبارة عن حلم؟ هل وقع لي حادث سيارة فدخلت في غيبوبة طوال هذه الفترة ؟ مستحيل!
فجأة دخل علي شخصان وهما يبتسمان.. نظرت لهما بدهشة .. ثم تذكرت انهما نفس الشخصان اللذان حثا الناس على التمرد على المخلوقات الفضائية ثم ماتا بالأشعة الليزرية القاتلة...
ما ان نطقت حرفي الاول لهما حتى طلبا مني التزام الصمت ، ثم اخذا بيدي نحو حديقة المستشفى بعد ان اكدا للممرضة بأنهما سوف يعتنيان بي ..ما ان وطأة ارض الحديقة حتى اخذت اتنفس الهواء بعمق ثم رجوتهما ان يخبراني بما يجري وكيف لم يموتا من اشعاعات السفينة الفضائية وقد اختفيا عن الانظار؟
اجابني احدهما: كل من يعلن الثورة والعصيان يعيدونه الى الارض! انهم لا يريدون سوى المستسلمين الذين ارتضوا ان يعيشوا اسرى في سجن مركبتهم الفضائية، وهذا ما جرى لنا نحن الثلاثة.
اجبتهم قائلا باندفاع : اذن علينا ان ننقدهم.
اجابني الشخص الثاني بأن لا فائدة من ذلك، فلن يصدقنا احدا والسفينة لم ترصد رغم انها تطير في اجواء الارض.
اجبته : ولكن هناك في الافق البعيد الاف البشر مثلنا اسرى مخلوقات شريرة.
احدهما: ان نجاتهم بأيديهم، اذا ما توحدوا وتحدوا ضد المخلوقات الفضائية واصبحوا على قلب انسان واحد فسوف يتحررون من الاسر.
بالشجاعة ووحدة الكلمة سوف يتحررون من الاسر والاستعباد، ان تلك المخلوقات التي تبدوا لنا قوية ومدمرة لكل من يريد الخروج عن سيطرتها ضعيفة جدا اذا ما اصبحنا ارادة واحدة ضدها ، وسوف يهزمونها ويدحرونها لا محال اذا واجهوها كانسان واحد.
ودعاني فقدر حان وقت خروجهما من المستشفى بعد علاجهما من اثار الاشعاعات الليزرية..
مكث مدة اعالج انا ايضا منها ، ثم خرجت ولكني ظللت احدق في النجوم واراقب السماء دون جدوا، كنت اتوق لرؤية سفينة القهر الفضائية لأثبت للعالم بانها موجودة وان على متنها الاف من بني جلدتنا مسجونين ومستعبدين فيها وان علينا انقاذهم والقبض على تلك المخلوقات الشريرة ومعاقبتها على اعتدائها على الجنس البشري.
مرت سنوات وانا اتطلع الى ذلك اليوم ولكن من دون جدوا ، حاولت التلميح للناس بأن هناك مخلوقات شريرة سلبت الامل والنور والحرية من آلاف البشر وان علينا تحريرهم ولكن كان كلامي مجرد اوهام بالنسبة لهم ، ولكني سأظل احدق في افاق السماء واراقب مواقع النجوم حتى اجدها واحرر اصدقائي حتى لو انتظرتها الى اخر العمر.
قصة قصيرة
رائد قاسم
في ليلة ميلادي وبعد حفلة جميلة قضيتها مع اصدقائي خرجت للتنزه قليلا بعد ان ودعتهم ..
في هدوء... نظرت الى السماء فوجدتها صافية تماما ونجومها متلألئة بعكس الليلة الماضية فقد كانت مليئة بالغيوم .. لم يكن القمر مشرقا فقد كان الشهر في آخره .. اوقفت سيارتي لأمشي متنفسا بعمق الهواء العليل وناظرا للسماء حالكة السواد التي تزينها النجوم... فجأة شاهدت سفينة فضائية في السماء تسير بسرعة عالية ووقفت فوقي مباشرة.. سرعان ما تملكني الخوف فتجمدت في مكاني لا اعرف ماذا افعل.. شعرت بالخطر المحدق فهربت بأقصى سرعتي وانا في قمة رعبي إلا ان السفينة الفضائية الغامضة ما برحت اشعاعاتها تطاردني فتيقنت بأنها تستهدفني .. بينما كنت اركض باحثا عن سبيل نجاة وجدت صخرة فتوجهت نحوها على الفور واختبئت تحتها ..
الا انني لم اشعر بالأمان فقد كان صوت السفينة المفزع يملا الارجاء ..
جلت النظر في كل الاتجاهات علني اجد طريقا للفرار.. كنت ارى سيارتي التي كانت على مسافة ليست بالبعيدة من مكاني ..
سرقت النظر نحو السماء فوجدت السفينة ثابتة في مكانها وإشعاعاتها تبحث عني في كل اتجاه.. جثمت على الارض وبدأت ادعوا الرب أن ينجيني منهم.. بعد اكثر من نصف ساعة من الرعب غادرت السفينة الاجواء ليعم الهدوء التام .. ركضت بأقصى سرعتي متجها نحو سيارتي التي قدتها بسرعة لا غادر المكان واعود الى منزلي..
لم استطع كتم ما جرى لي في صدر فقصصته على اصدقائي الذين ضحكوا مني واعتقدوا بأني امزح معهم بينما اعتقد اخرون بأني كنت اتوهم إلا أني اكدت لهم بأنها الحقيقة ..
احد الاصدقاء قال لي بأني محظوظ لان المخلوقات الفضائية اختارتني لا عقد معها صفقة قد تغير مجرى حياتي وربما حياة الإنسانية!.
- انهم بلا شك يريدونك انت ، يا لك من صاحب حظ سعيد ، في المرة القادمة اذهب معهم من دون تردد، سوف تفتح لك آفاق عظيمة لا تفتح الا للمتميزين من البشر.
قد يكون ما قاله لي صديقي هذا نابعا من سخرية ، ولكن قد يكون مطابقا للحقيقة، نعم قد تكون تلك المخلوقات تريدني انا ولكن لحظة! لا اظن ذلك فقد حاولت اختطافي وانا في منطقة نائية ولو كان فيها شخصا آخر لحاولوا اختطافه ايضا.
قررت على كل حال ان لا اذهب الى الاماكن البعيدة خوفا من تلك المخلوقات الفضائية التي لا يعرف احدا عنها شيئا ولم يراها احد من البشر على حد علمي ..
لم انسى ما حدث لي ، بل كنت افكر فيه ليل ونهار ، في الليل كانت اقدامي تقودني لممارسة هوايتي في التنزه الليلي في احياء المدينة الهادئة وكأني اريد ان اشاهد السفينة الفضائية مرة اخرى ولكن يبدوا بانها دوافعي فعلا .. كنت انظر للسماء في كل حين علني اراها ، وأتساءل عما اذا كنت مستعدا للمجازفة وتحمل تكاليف مغامرة خطيرة كهذه.
في تلك الليلة مشيت في احياء لفها الصمت ، وفجأة وبينما كنت احدق في السماء ظهرت لي السفينة الفضائية مرة اخرى..اصابني الذعر واختبأت منها فورا .. سمعت صوتها وهي ثابتة في السماء. قلت في نفسي لا شك بأنهم يريدونني شخصيا! لا شك بأن اختيارهم وقع علي لأرى عالما طالما سعت البشرية الى رؤيته .. اخيرا سألتقي بمخلوقات عاقلة تعيش في ارجاء هذا الكون اللامتناهي.. سوف ادخل التاريخ بإنجازي هذا العمل العظيم ولكن قد يختطفونني ولا اعود الى الارض ابدا.
اذا حدث ذلك فسينتهي امري وينتهي سري معي ... حسنا لماذا اذن يطاردونني انا بالذات؟ لو لم اكن مهما بالنسبة لهم لما قصدوني للمرة الثانية .. لو كانوا يريدون قتلي لتمكنوا من ذلك بكل سهولة.
في لحظة اختيار عاصفة خرجت من مخبئي ومشيت بهدوء في الشارع فسلطت علي السفينة اشعة شلتني وأفقدتني القدرة على كل شيء .. ثوان معدودة وجدت نفسي ارتفع الى الاعلى بسرعة رهيبة
.. رأيت نفسي ارتفع الى السماء ، نظرت الى الاسفل فشاهدت الارض تصغر شيئا فشيئا... اقل من دقيقة ابتلعتني السفينة اثنائها بداخلها وغادرت الاجواء بسرعة عاتية.
استيقظت من غشوتي .. فتحت عيني فوجدت شخصين جالسين بقربي ثم التفت حولي فشاهدت الاف الناس ، نظرت بتركيز فوجدت انني معهم في سفينة فضائية ضخمة .. عرفت ذلك من جدرانها وارضيتها.. سالت احدهما اين انا ؟ ومن أنتم؟ وما الذي يحدث؟.
اجابني بلا مبالاة : اهلا بك معنا ، حيث لا حياة ولا موت ، لا حقيقة ولا خيال، حيث كل شيء هو لا شيء.
انتصبت واقفا لأرى بوضوح الاف الناس وهم يسرحون ويمرحون ... لم استوعب ما اشاهده.. سألته برجاء ان يخبرني اين انا؟.
اجابني قائلا:
- انت في الفضاء ، في سفينة فضائية لا نعرف جميعا هويتها ؟ ولماذا خطفتنا؟ وماذا تريد منا؟
قضينا في هذا السجن الفضائي مدد متفاوتة ، بعضنا منذ عشر سنين واقدمنا منذ عشرين عاما ، وأنت اقل من يوم !
لم استطع استيعاب ما يقوله.. جلست على الارض وقد غمرني الغبن العارم والحزن الشديد ..
ثم جلس الى جانبي قائلا:
- كل الذي استطيع قوله لك بأنك ستعيش هنا معنا بقية عمرك.
بكيت بدموع غزيرة وانا اقول لهما اريد العودة الى الارض ، الى حياتي ، الى عالمي، ليس مهما اين سأكون على الارض فأينما سأكون فيها سأكون في وطني وبين اهلي واحبابي.
رد علي قائلا : الان اعتبرت كل ارجاء الارض موطنك ، اظنك قبل ساعات لو خرجت من مدينتك لشعرت بالغربة والحنين .. اما الان فقد اصبحت الارض بأسرها بلادك وكل الشعوب قومك وأحبابك.
ثم جلس الآخر ببرود والتفت نحوي سائلا:
- اخبرنا كيف تمكنوا من الامساك بك؟
نظرت لهما بانكسار ثم لذت بالصمت ، ولكنه اعاد علي السؤال مرة اخرى ، ولكن بماذا اجيبه؟ هل اخبره بأني راهنت رهانا خاسرا؟ هل اقول له بأني ضحية لحظة غباء عاتية؟ ام اخبره بأنني جئت الى هنا نتيجة مغامرة مجنونة او لحظات غرور مهلكة؟
بماذا اجيبه؟ بأني تصورت انني انسان مميز وان القدر اختارني للقاء مخلوقات اخرى جاءت من كوكب بعيد ؟
انسكبت دموعي مجددا.. بكيت وكأني لم ابكي قبلا.. رق الرجلان لحالي وقال لي أحدهما : تعز علي دموعك ولكن عليك ان تعتاد الحياة هنا، وإلا فلن تجد احدا يهتم بك، انظر لم يهتم بك احدا عندما وجدناك مغميا عليك إلا اننا حملناك الى هنا رأفت بك.
شكرتهما واعربتهما عن بالغ امتناني وسألتهما عن طبيعة الحياة في هذه السفينة فاخبراني بأني سوف اعرف كل شيء في حينه.
جلست قليلا حائرا حزينا بينما انشغلا بالتحدث مع الاشخاص الذين يمرون عليهما ، فجأة انبثقت اشعة ليزرية سوداء وبدأت بالإمساك بأرجل الناس واحدا تلو الاخر .. وقفت خائفا وكأني اريد الهروب الا ان احدهما قال لي لا تخف ، ستعتادها كما أي شيء هنا!
عندما امسكتهما الاشعة الليزرية عبرا عن الم بسيط ثم سرعان ما وصلني الدور وسلطت الاشعة على رجلاي ، شعرت وكأنهما وغزتا بحقنة ولكنها كانت سريعة جدا.
لاحظت بأن الحركة بوجود هذه الاشعة صعبة ، وهذا ما وجدته عند اغلب الناس الواقعين تحت ناظري حيث فضل اغلبهم القعود في اماكنهم.
اخبرني احدهما ان المخلوقات الفضائية تغذي اجسامنا بهذه الاشعة السوداء، حيث تمنحها كل احتياجاتها من الطاقة وانها الطريقة الوحيدة للتغذية.. انتابني العجب الشديد من هذا الامر وكيف سأقضي بقية حياتي من دون تناول أي طعام او شراب ورغم ذلك سأظل حيا ومحتفظا بنشاطي وحيويتي.
سألت احدهما هل يمكن رؤية المخلوقات الفضائية او التحدث معها؟. ضحك من سؤالي ثم اجاب:
هم كالحكام الديكتاتوريين لا نراهم ولا نلتقي بهم ورغم ذلك نخضع لهم وبيدهم قرارنا ومصيرنا!.
لم اتمالك نفسي فبكيت مرة اخرى والناس من حولي لا يبالون بي .. يا الهي ماذا جنيت على نفسي؟ كيف رميت بها الى هذا الجحيم ؟ كيف هانت علي وأسلمتها الى هذه المخلوقات الشريرة؟
كيف الخلاص ؟ واي خلاص ونحن في سفينة تطوف في الفضاء وتطير في سماء الارض من دون ان يراها احد! حتى الموت هنا يبدوا بأنه بعيد المنال!!
نمت كغيري بلا سرير او وسادة ، في منامي شاهدت نفسي وانا على الارض امارس حياتي اليومية ، ، نمت طويلا بالرغم من الضوضاء التي لا تنتهي ، التقيت بأصدقائي في الحلم ، وتجولت كعادتي في ارجاء مدينتي، كم اكنت اتمنى ان اعيش في هذا الحلم بقية حياتي، ليكون جسدي نائما في هذه المركبة اللعينة حتى وفاتي ، بينما اعيش حياتي بكل تفاصيلها داخل حلمي ، ولكني استيقظت لأرى الناس وقد تقلصت اعدادهم في منطقتي ، نهضت بسرعة وذهبت استطلع الخبر فلم اجد بدا من ان اسال احد فأجابني من سألته بأن الناس ذهبوا للتنزه!.
انتابني العجب من جوابه فأي تنزه في هذه السفينة الصماء ؟ ذهبت في الاتجاه الذي يذهب اليه الناس، فقد كان في نهاية منطقتي اربع مسارات توصل الى مناطق اخرى ولا احد يعرف كم يبلغ عددها بالضبط ومن دون معرفة الطريق جيدا فأن المرء يضل موقعه ولن يتمكن من العودة بسهولة.
مشيت طويلا حتى وصلت الى بوابة يغمرها الماء والناس يدخلون ويخرجون منها .. اقتربت منها رغم ان الزحام كان شديدا.. قال لي احدهم اما ان تدخل واما ان تبتعد !. سألته الى اين تأخذنا هذه البوابة الغريبة؟ اجابني : ادخل وستعرف!
بينما اجابني آخر: لا تخف لن تموت لأنك ميت اصلا!!.
امسك بيدي وبمساعدة شخص اخر من الخلف ورمى بي في البوابة المائية .. ثواني معدودة شاهدت فيها اناس كثيرين وكأني في اعماق البحر ثم خرجت منها لأجد نفسي في طريق جبلي مغطى بالثلوج التي كانت تتساقط من السماء!!
شاهدت مئات الناس وهم يسيرون فيه بوجوم وكأنهم الفوه ولم يعد غريب عليهم.. بالنسبة لي كان مكانا رائعا فقد اعادني الى الارض بالرغم من ان الطقس لم يكن باردا ابدا وهذا ما آثار استغرابي اكثر! بيد اني مشيت مع الناس في الطريق .. كنا نسلك طريقا حقيقيا فقد كنت المس الثلوج والاشجار المغطاة بها! شعرت بالسعادة القصوى لوجودي في هذا المكان، سألت بعض العابرين عن نهاية الطريق فأجابني وهو ويضحك استمر وستعرف!!مشيت وانا في قمة المرح حتى وصلت مع المئات الى نهاية الطريق ، ثم بدئوا ينزلون منه نحو قرية لمحتها من الاعلى..نزلت بسرعة حتى وصلتها .. شاهدت فيها قرويين رجالا ونساء وهم يرتدون ملابس ثقيلة ورأيت اطفالا يلعبون بالثلج بينما كان المئات من الناس قد تفرقوا الى افراد وجماعات وافترشوا الارض في انحاء متفرقة من القرية.
انا لم اكن اعرف ماذا يجري .. تجولت قليلا ثم وجدت جماعة وانضممت اليهم .. سألتهم عما يحدث فسألوني ماذا اذا كنت حديث القدوم الى هنا؟ فجاوبتهم بنعم . فسألوني عن كيفية اختطافي. ولكنني لم اخبرهم بالحقيقة وقلت لهم بأني كنت اتنزه في الصحراء بمفردي فلم اشعر الا وأنا ارتفع الى الفضاء وأغمي علي ولم اجد نفسي الا وانا في هذه السفينة.
ثم قص كل واحد منهم واقعة اختطافه وتحدث عن حياته السابقة على الارض ببرود ولا مبالاة ، ثم سالتهم عن هذا الذي نحن فيه فأجابني احدهم انها اشبه بحديقة ، حيث يمكن لنا ان نتجول فيها وكأننا نسير على الارض ، وكل ما نشاهده هنا اشبه بالحقيقة حيث يمكننا لمسه ، بما في ذلك القرويين الذين يتجولون في القرية ولكننا لن نستطيع التحدث معهم لان كل ما نشاهده هنا ليس سوى وهم في النهاية، ولكنه وهم يشعرنا بالسعادة والبهجة.
فجأة كل شيء حولنا تضاءلت كثافته وكأنه يختفي شيئا فشيئا، ارتسمت على وجهي علامات القلق ، التفت لي احدهم وقال لي : لا تقلق ، ستعتاد على كل ما تراه!
سرعان ما بدأ كل شيء بالاختفاء.. دقائق معدودة ووجدت نفسي في سجن السفينة الفضائية.. لم اصدق ما رأته عيني.. ذهبت عنهم والدموع تنهمر مني بلا ارادة .. سرت حتى وصلت الى مكاني الاول بصعوبة بالغة وبعد قضاء وقت طويل في البحث ، والحقيقة بأني لم أعثر عليه إلا مصادفة عندما ناداني احد صديقي الاوليين.
استلقيت على الارض متعبا ولكن لم تدم راحتي طويلا فقد ظهر شخصان وأخذا يكيلان اللعان
للمخلوقات الفضائية ، سرعان ما وقفا في الناس خاطبين وحرضوهم على تدمير السفينة وان البقاء هكذا على امل النجاة لا جدوا منه . طلب منهما احد الاشخاص الهدوء إلا انهما استمرا في الحديث بقوة ونبرات التضحية بادية عليهما. تحلق حولهما جمعا غفيرا من الناس الذين ظهرت على وجوههم امارات الاقتناع بما يقولان .. بينما الجميع كذلك وبينما كان الموقف قد بلغ مستويات عالية من التوتر والاضطراب سلطت عليهما اشعة ليزرية فصرعا على الارض وهما يصرخان من شدة الالم ... انفض الناس عنهما وزادت حدة الاشعة مما جعلنا نوقن بأنهما يعذبان فقد كان صراخهما فظيعا ..
نظر لهما الجميع بخوف وذهول ولم يكن احدا قادرا على مساعدتهما ، فكل من يقترب منهما ستصيبه اشعاعات الغضب والعذاب .. بعد عدة دقائق سكت انينهما وتحولا الى جثتين. حاول البعض الاقتراب منهما الا ان الجثتين سلطت عليها اشعاعات اخرى وفي ثواني كانتا قد اختفت عن الانظار.
ساد الهرج والمرج بين الناس .. سرعان ما سلطت علينا جميعا اشعة ليزرية قيدت اطرافنا جميعا. قال لي احد صديقي بانها قيود ليزرية حقيقية .. استلقى الجميع على الارض وسرعان ما ساد فينا الهدوء .. كان مقتل الشخصين وقيودنا الليزرية رسالة من تلك المخلوقات التي تسيطر علينا وتتحكم بمصيرنا ونحن لا نراها ولا نعرف ماهيتها بأن أي تمرد او تحريض على العصيان سيواجه بالقتل الفوري والعذاب الشديد الذي سيتضاعف حتى يبلغ بنا الامر بأن نطلب الموت فلا نجده.
ما ابشع ان يسيطر على المرء اشخاص لا يعرفهم ولا يمكنه الوصول اليهم ، ويظل طوال عمره خاضعا لإرادتهم وسيطرتهم .. ما ابشع ما نحن فيه.
لم اعد اطيق الحياة في هذه السفينة اللعينة .. قررت البحث عن مخرج .. ما ان زال ذلك القيد الليزري حتى بدأت السير في انحاء السفينة علني اجد مخرجا ..كل من شاهدني ابحث سخر مني وقال لقد بحثنا قبلك ولم نجد بصيص امل .. لا شيء هنا سوى هذه المكان الذي لا ينتمي لأي شيء نعرفه او لا نعرفه !! انه لا فراغ .. ولا وجود.. لا حياة بعدها موت ولا موت بعده حياة...
في يوم ما كان احد الناس يحتضر.. مرض مرضا شديا، كان عمره في الستين . قال وهو على فراش موته انه كان جالسا على سطح منزله قبل عشر سنوات قبل ان يغمى عليه ويجد نفسه هنا، قال انه يتمنى ان يشاهد حفيدته الصغيرة وقد اصبح عمرها العمر الان عشرين عام، ثم نظر الى الاعلى قائلا بأنه يشاهد والديه وبعض من اقاربه الراحلين وانهم يدعونه للرحيل معهم .. مد يده الى الاعلى قائلا :خذوني معكم ارجوكم لا تدعوني بعد اليوم في هذا الجحيم . لم تلبث يده ان سقطت ليعلن وفاته وسط بكاء الحاضرين...ما لبث ان سلطت المخلوقات الفضائية اشعة ليزرية على جثمانه ليختفي عن انظارنا على الفور.. سرعان ما تفرق الناس وكونوا مجموعات توزعت في كل مكان وسط اجواء اليأس والقنوط..
لم اعد اطيق .. لا امل في الخلاص من هذا الجحيم سوى بالموت، فالموت شفاء من لا شفاء له .. صرخت بأعلى صوتي.. طلبت من الناس ان يلتموا حولي ويسمعون خطابي .. سرعان ما تجمع حولي الالاف من الناس بوجوه شاحبة ويأس مرتسم على ملامحهم وكأنهم اعتادوا على كل شيء...
وقت فيهم خطيبا قائلا:
- انا هنا بإرادتي!..
نظروا لي باستغراب ..
انبرى احدهم وسألني غاضبا: كيف ذلك؟ كيف اخترت لنفسك هذا المصير بمحض ارادتك؟
وانبرى شخص اخر : اخبرنا بما جرى لك يا هذا!
تعالت الاصوات قائلة:
- كيف تفعل هذا بنفسك؟
- كيف تلقي بنفسك الى هذا الجحيم!
رفعت صوتي طالبا منهم السكوت والهدوء. ثم خاطبتهم قائلا والألم يعتصر قلبي : لم اكن اتوقع ان هذا سيحدث لي ، كانت هذه السفينة الفضائية تطاردني وكأنها تريدني انا بالذات، حسبت انني كنزا ثمينا بالنسبة لهم ، اعتقدت بأني دو شان ومتميز عن الاخرين ، لذلك فهم يريدوني ان اذهب معهم لاكتشاف عالمهم ، لم اكن اتوقع ابدا ان في هذا الافق البعيد تكمن هذه المأساة المروعة التي نعيشها هنا في هذه المقبرة التي تجوب الكون بحثا عن احياء سيجعلونهم يعيشون حياة الموت!
لم اتمالك نفسي .. بكيت امامهم ، بينما بدئوا بالسخرية والاستهزاء والضحك علي..
نظرت اليهم فرأيت وجوههم الشامتة الساخرة الا اني قاطعتم بصوت جبهوي قائلا:
- لم تنتهي المعركة بعد ، لن اسمح لهم باستعبادي ولو كان الموت هو مصيري ، فانا ميت قبل موتي ، فحياتي هنا ليست سوى موت حيث لا شيء ولا اي شيء.
ثم خاطبتهم بقوة قائلا:
- هيا بنا نثور ثورة واحدة ضدهم، هل سيقتلوننا؟ فليفعلوا ! اوليس الموت افضل من حياة الموت؟.
فلنهتف ضدهم بصوت انسان واحد ، فلنزلزل ارض هذه المركبة بأقدامنا ولنحطم كل ما نستطيع تحطيمه وليكن ما يكون فحياة الذل موت.
هتفت فيهم فهتفوا معي.. التفوا حولي وبدأت اقودهم ونحن نهتف اما الخلاص واما الموت.. فجأة سلطت علي اشعاعات شلت حركتي... عذبت عذابا رهيبا حتى اني فقدت مقدرتي على أي حركة وكأني خرجت من جسدي.. تفرق الناس من حولي وهم في خوف شديد ، الا ان كل واحد منهم سلطت عليه اشعة ليزرية وأصبحوا يتعذبون مثلي.. اما انا فقد رفعوا عني العذاب فالتقطت انفاسي ثم رأيت الناس وهم يتوجعون ... قلت لهم قاوموا ولا تخضعوا ولنموت ونحن نقاوم افضل من ان نموت ونحن خاضعين ..
قال احدهم : لا استطيع الاحتمال .
وقال آخر: انه عذاب رهيب.
وآخر قال: المعضلة ليست في الموت بل في الذي قبله.
سرت فيهم وانا احثهم على المقاومة ...
قال لي احدهم انت لا تشعر بعذابنا ، انت تطلب منا ان نقاوم بينما انت في مأمن.
قلت لهم ما دام العذاب قد رفع عني فأن واجبي ان اقف معكم بكل ما اوتيت من قوة.
الا ان صرخات عذابهم تتعالى لينطق الكثير منهم بعبارات الاستسلام والرضوخ وأنا اناشدهم بأن يصبروا .. فجأة رفع عنهم العذاب ليسكن الجميع ويعم الصمت الحذر إلا ان الجميع بدئوا ينظرون لي بحقد وغل وكأنهم يحملونني مسئولية العذاب الذي حل بهم .. تجمعوا وتحلقوا حولي.. كانت وجوههم شاحبة وينظرون لي بعيون مفتوحة على مصراعيها وكأنهم فقدوا عقولهم..
قال لي احدهم: عرضتنا لهذا العذاب الرهيب بينما كنت في مأمن منه.
احد آخر: ما نتيجة ثورنا هذه؟ لم يتغير شيء؟ لا نزال اسرى بل عبيد.
واحد اخر : انت السبب، انظر لقد شلت يدي!
واحدهم: لقد شلت رجلي اليمنى!
واحدهم: لقد شلت رجلي اليسرى! بينما انت سليم معافى.
قلت لهم : ان الحرية لا بد لها من تضحيات ، لا يمكن ان ننال المجد دون ثبات وصبر.
احدهم: علينا قتلك لأنك انت السبب ، كنا نعيش بكامل صحتنا والان اصبنا جميعا بإمراض وعلل ، انت المسئول!
احدهم: لم نغنم الحرية ولم نغنم الموت.
اجبتهم بقوة : عندما يناضل المرء من اجل مبادئه او يؤدي واجبه لا يجب عليه ينتظر النجاح ، ان اماله تغذوا مبعثرة في السماء ، قد يعود بعضها الى الارض فيمسك بها وقد تضيع في السماء الى الابد.
تقدم بعضهم نحوي يريدون قتلي وسط هتافات عارمة الا ان صديقي اعترضا طريقهم وانبرى احدهما قائلا:
- لقد فعل صديقنا هذا ما يمكنه لإنقاذنا اقهل يكون جزاءه القتل ونجعل تلك المخلوقات الشريرة تزهو بذلك وهي بلا شك تراقبنا الان وتنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.
اخذ الناس يتطلعون في وجوه بعضهم البعض وكأنهم استيقظوا للتو من سبات طويل..
اضاف صديقي الثاني قائلا:
- نعم انهم فرحين بأنكم سوف تقتلون هذا الرجل الذي حاول انقاذكم من جحيم حكمهم.
واضاف : لا تدعوهم يهنئون بما يأملون . ان لم تتمكنوا من نيل حريتكم وكسر جبروتهم فعليكم على الاقل ان تثبتوا لهم بأنكم احرار في قلوبكم وارواحكم وعقولكم وانكم لم ولن تستلموا لهم وان صمودكم هزيمة لهم.
فجأة سلط علي اشعاع ليزري.. صرخت ووقعت على الارض وبدئت اتلوى من الالم ، بينما ابتعد الناس عني خوف من ان يصيبهم ما اصابني .. حاول صديقاي الاقتراب مني الا انني طلب منهما ان يبتعدا لئلا يصبهم اذى .. نظرت للناس من حولي فرأيتهم ينظرون لي بشفقة ورحمة مشوبة بخوف ويأس .. ابتسمت في وجوههم ..حركت يدي ببط ورفعت اصبعي السبابة والوسطى ولوحت لهم بعلامة النصر ثم اختفيت عن انظارهم...
فتحت عيني.. وجدت نفسي في مستشفى .. لم اصدق ما رأيته... نهضت من فراشي الا ان احدى الممرضات جاءتني مسرعة وطلبت مني البقاء في السرير لأني لا ازال مريضا ولكني لم اعبأ بها .. وقفت اتأمل حولي وأنا في قمة استغرابي وتعجبي ثم وقفت عند الشرفة فرأيت الشارع يعج بالسيارات والمارة.
لم استوعب ما يحدث لي؟ هل كان كل ما مررت به عبارة عن حلم؟ هل وقع لي حادث سيارة فدخلت في غيبوبة طوال هذه الفترة ؟ مستحيل!
فجأة دخل علي شخصان وهما يبتسمان.. نظرت لهما بدهشة .. ثم تذكرت انهما نفس الشخصان اللذان حثا الناس على التمرد على المخلوقات الفضائية ثم ماتا بالأشعة الليزرية القاتلة...
ما ان نطقت حرفي الاول لهما حتى طلبا مني التزام الصمت ، ثم اخذا بيدي نحو حديقة المستشفى بعد ان اكدا للممرضة بأنهما سوف يعتنيان بي ..ما ان وطأة ارض الحديقة حتى اخذت اتنفس الهواء بعمق ثم رجوتهما ان يخبراني بما يجري وكيف لم يموتا من اشعاعات السفينة الفضائية وقد اختفيا عن الانظار؟
اجابني احدهما: كل من يعلن الثورة والعصيان يعيدونه الى الارض! انهم لا يريدون سوى المستسلمين الذين ارتضوا ان يعيشوا اسرى في سجن مركبتهم الفضائية، وهذا ما جرى لنا نحن الثلاثة.
اجبتهم قائلا باندفاع : اذن علينا ان ننقدهم.
اجابني الشخص الثاني بأن لا فائدة من ذلك، فلن يصدقنا احدا والسفينة لم ترصد رغم انها تطير في اجواء الارض.
اجبته : ولكن هناك في الافق البعيد الاف البشر مثلنا اسرى مخلوقات شريرة.
احدهما: ان نجاتهم بأيديهم، اذا ما توحدوا وتحدوا ضد المخلوقات الفضائية واصبحوا على قلب انسان واحد فسوف يتحررون من الاسر.
بالشجاعة ووحدة الكلمة سوف يتحررون من الاسر والاستعباد، ان تلك المخلوقات التي تبدوا لنا قوية ومدمرة لكل من يريد الخروج عن سيطرتها ضعيفة جدا اذا ما اصبحنا ارادة واحدة ضدها ، وسوف يهزمونها ويدحرونها لا محال اذا واجهوها كانسان واحد.
ودعاني فقدر حان وقت خروجهما من المستشفى بعد علاجهما من اثار الاشعاعات الليزرية..
مكث مدة اعالج انا ايضا منها ، ثم خرجت ولكني ظللت احدق في النجوم واراقب السماء دون جدوا، كنت اتوق لرؤية سفينة القهر الفضائية لأثبت للعالم بانها موجودة وان على متنها الاف من بني جلدتنا مسجونين ومستعبدين فيها وان علينا انقاذهم والقبض على تلك المخلوقات الشريرة ومعاقبتها على اعتدائها على الجنس البشري.
مرت سنوات وانا اتطلع الى ذلك اليوم ولكن من دون جدوا ، حاولت التلميح للناس بأن هناك مخلوقات شريرة سلبت الامل والنور والحرية من آلاف البشر وان علينا تحريرهم ولكن كان كلامي مجرد اوهام بالنسبة لهم ، ولكني سأظل احدق في افاق السماء واراقب مواقع النجوم حتى اجدها واحرر اصدقائي حتى لو انتظرتها الى اخر العمر.
تعليق