فوق الرصيف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سيد يوسف مرسى
    أديب وكاتب
    • 26-02-2013
    • 1333

    فوق الرصيف

    *****
    فوق الرصيف

    استوطن توفيق ناصية شارع ( كلوت بك ) فوق الرصيف واتخذ من المكان سكناً ... يقضي معظم وقته جالساً على كرسيه المتحرك بعد أن أصابه الشلل في إحدى قدميه ، يجول ببصره في وجوه المارة كأنه يتفقدهم وكأنه يبحث عن غائب اندس بينهم و فارقه فاستوحشه وهو في شوق لرأياه ...!يسبح في ملكوته حيث يأخذه الخيال فيطير في أجواءه ويحط فوق الرُبّا ويضع رحاله ليأخذ متنفسه ويندى روحه التي تكاد تجف من وقع الظمأ ، يزهر كما تزهر الأشجار ويغرد كالطير إن أتحفه الخيال بنسمة من ربيع العمر وهواء الماضي فينتشي ويحلق ويطرب .
    *****
    سيارة فارهةٌ تنحاز برفق موازية للرصيف .. لتقف! ... يبدو على راكبها الثراء ، يَفْلجُ من بابها قائدها برأسه ....وهو ينظر من تحت زجاج نظارته السوداء ... يجول بعينيه فيما نثر فوق خرقة من القماش على وجه سطع الرصيف ... تلك بعضاً من كتب تركها أصحابها بعد أن شبعوا منها وقتلوا سطورها بحثاً ثم ألقوها لبائعين ( الروبابكيا ) بأبهظ الأثمان ليتخلصوا منها ، لقد آلت إلى توفيق بعد عناء شديد وهو ينتشلها من الغرق أو من قبورها ليحيها بعد الموت ويبعثها من جديد لتحيا مرة أخرى بين يدي قارئ محبٌ للقراءة أو مطلع باحث ...... يعود صاحب السيارة لينظر بعين خفية على وجه الجالس على كرسيه ليتفقده ...! تعلو الابتسامة وجهه وهو يبتسم ويمضي في ثبات وغبطة معتلياً الرصيف ليقف منحيا أما م بائع الكتب القديمة ....!
    يقلب عينيه في عناوين الكتب الماثلة أمامه المدرجة فوق قطعة القماش متعللاً بالبحث وهو لم يُغْفلُ النظر بوجه الجالس .... حتى أثار فضول الجالس على كرسيه ....فتوسم توفيق فيه الرغبة للشراء ...فراح يشير بعكازه في يده على هذا كتاب ( بيان الختام لأهل الفضل والإحسان ) ..وهذا الأغاني للأصفهاني وهذا لابن رشد الأندلسي وهذا... وهذا .....!
    تناول صاحب السيارة كتاباً ولم يسأل عن ثمنه وإنما وضع يده في جيبه وأخرج ورقة من البنكنوت ومد يده يغرسها في كف الأستاذ توفيق المقعدُ على كرسيه وقد انحنى وهو يقبض على يده ويضع شفتيه عليها وراح يقبلها بنهم ودموعه تسبقه فتسقط حارة كاللهب والأستاذ توفيق في زهول ويود أن يسحب يده فلا يستطع وهو يقول مهلاً يا ولدي وعفواً يا سيدي حماك الله وبارك الله فيك مهلاً ....!ماذا بك ؟
    صاحب السيارة : لماذا مهلاًأستاذي ؟ لماذا مهلاًوكنت عوني وملاذي ...! اتركني أستاذي أتركني يا من كنت أبي وكنت أمي علني أستطيع ...!. ماذا تستطيع ياولدي ؟ ومن أنت ؟
    أنا الذي كنت لاشيء معدوم فانتشلتني من العدم ، إنك تستحق أكثر مما أفعل أعطني قدميك أقبلهما . أعطني رأسك أقبلها . حماك الله أستاذي ورعاك ... ألا تعرفني ......؟ غاص الأستاذ توفيق بعينيه في ملامح تلميذه والذي لم يتعرف عليه بعد ...!كأنه راح يبحث في عمق محيطه الثري ليرى أن ما زرعه قد أتى بثماره ......

    بقلم : سيد يوسف مرسي
    التعديل الأخير تم بواسطة سيد يوسف مرسى; الساعة 20-04-2020, 10:26.









  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    #2
    هل باتت الأرصفة ملاذا لهواة السكينة والموت بهدوء بعيدا عن صخب
    النقر على لوحات الحاسوب والمسح بالهاتف الذكي ؟
    أعجبني الحس الإنساني هنا بين التلميذ وأستاذه .
    تحياتي أخي سيد يوسف مرسي وشكرا

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      اقشعر بدني لموقف الطالب من استاذه
      موقف رائع
      النص جميل بفكرته وسهولة الطرح
      فقط تحتاج أن تصحح بعض الأخطاء
      شكرا لنبالة الموقف
      محبتي وغابة ورد
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • سيد يوسف مرسى
        أديب وكاتب
        • 26-02-2013
        • 1333

        #4
        نعم : يا دكتور
        الأرصفة بيوت من ليس لهم مأوى
        الأرصفة وظيفة من ليس له وظيفة
        الأرصفة مأوى التائهين
        الأرصفة مأوى للمحتاجين
        ومأوى الفارين من سجون الوحدة والعزلة
        والأستاذ توفيق أحد هؤلاء
        سرني حضورك ولك تقديري وشكري









        تعليق

        • سيد يوسف مرسى
          أديب وكاتب
          • 26-02-2013
          • 1333

          #5
          بوركت أستاذة عايدة على حضورك الثري
          وما الدنيا إلا مواقف وعطاء
          تحياتي لشخصك الكريم ومحبتي









          تعليق

          • عكاشة ابو حفصة
            أديب وكاتب
            • 19-11-2010
            • 2174

            #6
            نعم الأستاذ ونعم التلميذ . الثراء رزق والفقر رزق .
            يقال والله أعلم أن الفقراء من يدخل الجنة أولا .
            شئ جميل أن لا ننكر من كان الفضل علينا .
            شئ جميل أن نقر بأننا كنا فقراء ورزقنا الله من حيث لا نحتسب .
            علمنا الزمن أن لا نتذكر التلاميذ ولكنا التلاميذ يدكرون السادة الأستاذة ولو مر الزمان مسرعا و لعب بهم المشيب .
            جميلة منكم أستاذي والى اللقاء .
            [frame="1 98"]
            *** حفصة الغالية أنت دائما في أعماق أعماق القلب, رغم الحرمان...فلا مكان للزيارة ما دمت متربعة على عرش القلب.
            ***
            [/frame]

            تعليق

            • سيد يوسف مرسى
              أديب وكاتب
              • 26-02-2013
              • 1333

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عكاشة ابو حفصة مشاهدة المشاركة
              نعم الأستاذ ونعم التلميذ . الثراء رزق والفقر رزق .
              يقال والله أعلم أن الفقراء من يدخل الجنة أولا .
              شئ جميل أن لا ننكر من كان الفضل علينا .
              شئ جميل أن نقر بأننا كنا فقراء ورزقنا الله من حيث لا نحتسب .
              علمنا الزمن أن لا نتذكر التلاميذ ولكنا التلاميذ يدكرون السادة الأستاذة ولو مر الزمان مسرعا و لعب بهم المشيب .
              جميلة منكم أستاذي والى اللقاء .
              الوفاء عند البعض ممن رزق به من عند الله نعمة ومن أنكر فضلاً من أخيه
              فقد حجد والجحود كفر بالنعمة ومن لم يشكر الناس لا يشكر الله
              رزقنا الله وإياكم الوفاء وجعلنا من أهله أستاذنا وكل عام وأنتم بألف خير









              تعليق

              يعمل...
              X