التمثال
رغم ثقل جفنيه لم يكن يشعر بالرغبة في النوم، منذ مدة فقد طعم الكرى ، نظراته غائمة وعيناه منطفئتان مثل مصباح خبا نوره ، نظره مركز نحو الأفق ،كأنه ملفوف في حلكة الغيهب ،جالسا كان بلا حراك على يمين الأسد الحجري بمدينة إفران .
برودة تعم المكان ، الثلج يكسو الأشجار وكل الأركان .غادر الناس بعد أن فقدوا الرغبة في المتعة في هذا الجو الجليدي الكاسح هروبا مما يغشى الروح من كآبة .فالطبيعة تسكّن الآلام في مناطق الفتنة والجمال ، ورغم ذلك غادر العشاق الذين ألفوا الانصهار مع كراسي الحديقة ، مخلفين وراءهم باقي النباتات مكتفية بنفسها، منصتة لأعماقها، متفاعلة مع تحولات الأشياء المغلفة بالبياض.
يشعر بالاختناق من خيبته في رحلته الفاشلة، أحيانا تصدر من أعماقه زفرات ، وأحيانا أخرى كلمات خافتة ترسم الألم و تضفي عليه شكلا يترجم عمق المرارة.
أمثاله اكتسحوا أماكن شتى في المدن الكبرى هذه الأيام ، أياد عجفاء ممدودة، رؤوس منكسة، وخطى وئيدة لامبالية، مجرد هياكل بشرية تخشى السقوط. ربما كان عليه أن يتوقع فيما مضى ما كان سيحل به اليوم، الحفل الكبير بالقرية ، زغاريد النساء ، رقصات لم تهدأ لساعات طوال ، صراخ الصغار، وروائح الطبخ التي غزت أرجاء البيت.
بعدها حلت السخرية والمضايقات ، وقوف دائم في صفوف لا تنتهي للحصول على كيس الدقيق المدعم ، انحناء وطلب جديد متجدد للعمل، ومسيرة مضنية للبحث عما يكفي من المال والخضر واللباس والدواء... صياح الأم والأطفال، شجارات ومشاحنات لا تنتهي ، صمت وصمت و وقوف ، رأس مغبرة منكسة على مدار الأيام ، فقد الزمن معناه ومبناه ، الفرح والأسى سيان.
في لحظة ما اختطف مرض السل الزوجة وانتشر الأبناء في كل الربوع يلتقطون خبزهم ….
بمرور الزمن انتصبت مسافات البعد بينهم ، صاروا غرباء مع الأيام ، أحيانا يصادف أحدهم في مكان ما ، في زقاق أو بإحدى الساحات يستعصي الكلام بينهما وسريعا يفترقان كما التقيا بلا كلام .
اعتاد السير لمسافات حتى يغشى الشلل كل مناحي جسده النحيل ، فيجلس في مكان ما مستسلما لنوم عميق ، وقد تطول جلسته وينصهر مع ما يحيط به من بشر وأشياء حتى ينهره أحد من الناس يطلب منه الابتعاد .
صار شكله ونتانة جسده مزعجا للسلطات في أي مدينة ، وكل مرة يتسارعون لإبعاده و رميه في أي حافلة ، لا يهم الاتجاه …
مجرد هيكل عظمي يقوى بالكاد على الحركة ، شاخصا بنظره وهو جالس بالقرب من الأسد وندف الثلج المتساقطة أضفت على المكان طابعا أقرب إلى الخيال ،غيرت الثلوج المتهاطلة شكله بالكامل علا البياض شعره و أسماله المبتلة ،فانبعثت منها رائحة عطنة بحجم ما تراكم فيها من أوساخ ، وهو بلا حراك …
كأن ما يحدث لا يهمه البتة !
من داخل السيارة التي كانت تمر أمامه في تلك الأثناء ترامى إلى سمعه صدى صوت طفلة:
هل هو حي ؟
أجابت الأم:
وضعه مبهم قليلا، والأرجح أنه تمثال جديد يا طفلتي.
ابتسم بألم وهو يناجي نفسه :
عسى أن يرحمني المولى ويكرمني بموت قريب
رغم ثقل جفنيه لم يكن يشعر بالرغبة في النوم، منذ مدة فقد طعم الكرى ، نظراته غائمة وعيناه منطفئتان مثل مصباح خبا نوره ، نظره مركز نحو الأفق ،كأنه ملفوف في حلكة الغيهب ،جالسا كان بلا حراك على يمين الأسد الحجري بمدينة إفران .
برودة تعم المكان ، الثلج يكسو الأشجار وكل الأركان .غادر الناس بعد أن فقدوا الرغبة في المتعة في هذا الجو الجليدي الكاسح هروبا مما يغشى الروح من كآبة .فالطبيعة تسكّن الآلام في مناطق الفتنة والجمال ، ورغم ذلك غادر العشاق الذين ألفوا الانصهار مع كراسي الحديقة ، مخلفين وراءهم باقي النباتات مكتفية بنفسها، منصتة لأعماقها، متفاعلة مع تحولات الأشياء المغلفة بالبياض.
يشعر بالاختناق من خيبته في رحلته الفاشلة، أحيانا تصدر من أعماقه زفرات ، وأحيانا أخرى كلمات خافتة ترسم الألم و تضفي عليه شكلا يترجم عمق المرارة.
أمثاله اكتسحوا أماكن شتى في المدن الكبرى هذه الأيام ، أياد عجفاء ممدودة، رؤوس منكسة، وخطى وئيدة لامبالية، مجرد هياكل بشرية تخشى السقوط. ربما كان عليه أن يتوقع فيما مضى ما كان سيحل به اليوم، الحفل الكبير بالقرية ، زغاريد النساء ، رقصات لم تهدأ لساعات طوال ، صراخ الصغار، وروائح الطبخ التي غزت أرجاء البيت.
بعدها حلت السخرية والمضايقات ، وقوف دائم في صفوف لا تنتهي للحصول على كيس الدقيق المدعم ، انحناء وطلب جديد متجدد للعمل، ومسيرة مضنية للبحث عما يكفي من المال والخضر واللباس والدواء... صياح الأم والأطفال، شجارات ومشاحنات لا تنتهي ، صمت وصمت و وقوف ، رأس مغبرة منكسة على مدار الأيام ، فقد الزمن معناه ومبناه ، الفرح والأسى سيان.
في لحظة ما اختطف مرض السل الزوجة وانتشر الأبناء في كل الربوع يلتقطون خبزهم ….
بمرور الزمن انتصبت مسافات البعد بينهم ، صاروا غرباء مع الأيام ، أحيانا يصادف أحدهم في مكان ما ، في زقاق أو بإحدى الساحات يستعصي الكلام بينهما وسريعا يفترقان كما التقيا بلا كلام .
اعتاد السير لمسافات حتى يغشى الشلل كل مناحي جسده النحيل ، فيجلس في مكان ما مستسلما لنوم عميق ، وقد تطول جلسته وينصهر مع ما يحيط به من بشر وأشياء حتى ينهره أحد من الناس يطلب منه الابتعاد .
صار شكله ونتانة جسده مزعجا للسلطات في أي مدينة ، وكل مرة يتسارعون لإبعاده و رميه في أي حافلة ، لا يهم الاتجاه …
مجرد هيكل عظمي يقوى بالكاد على الحركة ، شاخصا بنظره وهو جالس بالقرب من الأسد وندف الثلج المتساقطة أضفت على المكان طابعا أقرب إلى الخيال ،غيرت الثلوج المتهاطلة شكله بالكامل علا البياض شعره و أسماله المبتلة ،فانبعثت منها رائحة عطنة بحجم ما تراكم فيها من أوساخ ، وهو بلا حراك …
كأن ما يحدث لا يهمه البتة !
من داخل السيارة التي كانت تمر أمامه في تلك الأثناء ترامى إلى سمعه صدى صوت طفلة:
هل هو حي ؟
أجابت الأم:
وضعه مبهم قليلا، والأرجح أنه تمثال جديد يا طفلتي.
ابتسم بألم وهو يناجي نفسه :
عسى أن يرحمني المولى ويكرمني بموت قريب
تعليق