مرجان
[align=justify] حكى لي صديقي عمر، رحمه الله تعالى، ما مُلخَّصه وفحواه والتحرير والتحبير والتعبير للسارد: أن مسافرا حلّ في طريقه بقرية نائية، وصادف أن كان أهل تلك القرية يقيمون صلاة الاستسقاء في ضحى ذلك اليوم طلبا للغيث الذي يبدو أنه أطال غيابَه عنهم فأقحطت الأرض وجف الضّرع، فصلّى معهم؛ لكن الغيث لم يأت، فكرروا الصلاة المرة بعد المرة في أيام حتى الثالثة، وفي الثالثة انهمر المطر مدرارا كأنه مطر الطوفان؛ احتار المسافر وقال في نفسه:
- ما بال المطر لم ينزل سابقا و ها هو ينهمر بغزارة اليومَ؟ لعل في الأمر سرًّا.
خرج من الصف وراح يجوب الأزقة المجاورة للساحة التي صلّى فيها مع الجماعة محتميا من المطر بالسقوف ومتجنبا البرك الفورية الكثيرة؛ وبينما هو يتجول وإذا به يرى، في زاوية عند أحد الدكاكين، عبدا أسودَ كأن رأسه زبيبة جاثيا على ركبتيه، يرفع يديه إلى السماء شاكرا الله والدموع تنهمر على خديه:
- اللهم لك الحمد على استجابتك لعبدك الحقير في قدره، الضئيل في نفسه، الفقير إلى رحمتك؛ فاللهم لا تحرمنا الغيث وبارك لنا في الرزق؛ اللهم آمين؛ ثم استمر متمتما لا تُسمع له إلا دندنةٌ مبهمة لا تُفهم.
كَمَنَ الرجل الغريب ينظر إلى العبد المستغرق في دعائه دون أن يلاحظه هذا الأخير، ثم نهض الداعي المتضرع وسار تجاه بيت في أطراف القرية والرجل يتبعه في السر؛ دخل العبد منزلا كبيرا فخما تبدو عليه علامات النعمة والرفاهية؛ رجع المتجسس أدراجه إلى بعض شئونه على أمل العودة إلى هنا في المساء.
وفي المساء، قصد الرجل الغريب ذلك القصر المنيف وطلب مقابلة ربِّه، فاستقبله هذا بكل حفاوة وأدخله للضيافة:
- مرحبا بك أخي، أهلا وسهلا بك، تفضل !
أدخل صاحبُ المنزل ضيفَه حجرةً واسعة تغطي أرضَها الزرابيُّ الفاخرة والفُرُش الثمينة والأثاث الغالي ثم قال له بعد التّعارف الاعتيادي:
- من أي بلاد الله أنت؟
- أنا تاجر من مدينة كذا وأنا هنا عابر سبيل إلى مدينة كذا للتبضع وقد صادف أنني صليت معكم صلاة الاستقاء كل مرة.
- الحمد لله فقد مُطِرنا كما لم نُمْطر من قبل، الحمد لله، وقد حُبِس عنا المطر دهرا طويلا حتى ساءت حالنا ونحن، كما ترى، في منطقة فلاحية؛ ثم سأل:
- ما حاجتك يا أخي وقد قصدتني؟
- أريد أن أشتري أحد مماليكك إن سمحت.
- على الرحب والسعة، سأدعوهم ليحضروا فاختر من تشاء منهم.
جاء المماليك، وكانوا عددا لا بأس به؛ تفحّص الزائر الوجوه واحدا واحدا فلم ير صاحبه الذي جاء من أجله، فسأل المالك:
- أهؤلاء كل مملوكيك؟
- نعم، هؤلاء الذين أعوِّل عليهم في الخدمة وهم كلهم، كما ترى، أصحاء أقوياء يصلحون للخدمة، فاختر أيَّهم شِئت وستجدني إن شاء الله كريما معك، وأنت ضيفي الليلة.
أظهر الزائر أسفا إذ لم ير من يبحث عنه، وبعد صمت قال صاحب الدار وقد تذكر شيئا:
- معذرة، لقد نسيت أحد الخدام، وهو شخص كسول لا يصلح للخدمة ولا أريد بيعه حتى لا أغش المشتري.
- أحضره، أرجوك، فلعله ينفع في شيء.
أمر السيد أحد خدامه بإحضار المملوك المطلوب، فعاد الخادم يعلم سيده أن "مرجان" نائم.
- أحضره فورا وإلا أيقظته أنا بالسوط ! وقال للضيف معلقا والاستياء باد على وجهه:
- "لا تشتر العبد إلا والعصا معه" !
- لو سمحت يا سيدي، قال الضيف، دعني أذهب إليه بنفسي حتى أعاينه في محله.
- تفضل؛ ثم ملتفتا إلى خادمه:
- يا ياقوت، خذ ضيفنا إلى مكان مرجان !
ذهب الرجل إلى حيث ينام العبد "الكسول" فوجده يغط في النوم تعلوه ابتسامة هادئة كأنه نائم في حضن أمه الرءوم أو كأنه في رياض جنة النَّعيم.
- قم يا مرجان أريدك في أمر مهم.
استيقظ مرجان مرتاعا يسأل:
- ماذا؟ من أنت؟ ماذا تريد مني؟
- أنا مولاك الجديد، أريدك معي فتهيأ لنرحل الآن، سأُنهي الصفقة مع سيدك ونذهب، تعال ولا تتأخر!
عاد الرجل إلى مُضيفه ينتظر قدوم مرجان إلا أن هذا تأخر كثيرا فاستبطأه الرجلان، وبعد فترة قدم ياقوت وقال لهما والحزن بادٍ على محياه، بل لا يستطيع حبس دموعه:
- سيدي، لقد مات مرجان وقد سمعته يدعو الله:
- اللهم لقد كان الذي بيني وبينك سرا وإذ انكشف الآن فاقبضني إليك فورا حتى لا يكون لغيرك فيَّ شِرْكٌ.[/align]
الْبُلَيْدَة، يوم الإثنين 29 من رمضان المبارك 1440، الموافق 3 جوان/حزيران 2019.
تعليق