التّكْذِيَّة من الأمانة العلمية
(مقالة لغوية).
(مقالة لغوية).
"التّكذية"، على وزن "التّذكية"، ومثلها: التّزكية، والتّصفية، والتّحلية، والتّخلية، وغيرها من الكلمات العربية الجميلة، مصدرٌ صناعيٌّ اكتشفته أمس فقط (2 شوال 1440 الموافق05 حزيران/جوان 2019) ولله وحده الحمد والمنة، ولم يكن يخطر على بالي أنه موجود أصلا، وكم أجهل ما هو موجود في العربية لقصور علمي وطول كسلي في البحث والتنقيب عن كنوز العربية وأسرارها ! وكذا طبيعة الإنسان فهو قليل العرفان كثير النسيان، فليس عجبا أن أمر الله تعالى نبيه محمدا، صلى الله عليه وسلم، وهو نبي كريم بأن يدعو بـ {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه:#114)، فاللهم زدنا علما ووفقنا للعمل به وفي نشره، اللهم آمين.
فـ"التكذيّة"، إذن، مصدر صناعي مشتق من قولنا "كذا" عندما نريد التعبير عن نقل حرفي من مصدر ننسخ منه نصا أو جملة أو عبارة أو كلمة، ونراه خاطئا؛ و"التكذية" هي ما يقابل في اللغات الأعجمية قولهم "sic"، في اللاتينية والتي تعني "هكذا"، أو "كذا"، (ainsi = Sic) عند إيراد نص حرفيا للإشارة أنه هكذا ورد في الأصل المنقول عنه، وقد أوردت موسوعة "ويكيبيديا" الإلكترونية تعريفا لهذا الاصطلاح كما يلي:"كذا: كلمة يشير بها كاتب النسخة إلى ما يبدو خطأ في الخط أو التعبير في الأصل الذي نسخ على ما هو عليه، وعلى أنه "كذا في الأصل" وكما في الأصل. رمزها [ك] والتَّكْذية مصدرها"، اهـ وقالت في تفسير كلمة "sic":"تستعمَل كلمة sic اللاتينية بعد العِبارات المُقتبَسة التي تكون صِحَّتُها موضوعَ شكٍّ وريبة، أو التي تتضمّن خطأً ظاهراً أو عَيباً يتنافى مع أبسط أُصول المَنطِق."(التّكْذِيَّةُ).
وإن الإشارة إلى أن نص هكذا ورد في الأصل لتدخل، في تقديري الشخصي، في باب الأمانة العلمية وفي الحرص على تنبيه القارئ أن الناسخ الحريص على النسخ من المصدر كما هو، أو الناقل الأمين، يشك أو يرتاب في النص المنقول، أيا كان ذلك النص: كلمة، أو عبارة، أو جملة، أو فقرة كاملة إن وجدت، وهي موجودة فعلا، فكم من الكتب تنشر، في عالمنا العربي، مشوهة بالأخطاء المطبعية ليس في كلمة أو عبارة أو جملة بل في فقرات كاملة كأن ناشر الكتاب المشوه لا يهتم لما ينشر ألبتة وهذا عمل مشين ينبئ عن قلة أمانة الناشر أو "المحقق" (!) المزعوم الذي لم يتحقق مما ينشره أصلا، ويكثر هذا عندنا نحن العرب ولا ينقضي العجب عندما تقرأ في طرة كتاب ما أنه من تحقيق فلان "الأستاذ" (!) أو علان "الدكتور" (!) وما هي إلا العناوين الرنانة والألقاب الطنانة فقط فما أكثر العجائب عندنا نحن العرب.
وتستمعل "التَّكذية" بكلمات أخرى لذات الغاية: هكذا بهاء التنبيه، وصحّ بتشديد الحاء ورمزها [ص] والمصدر التصحيح، وضبَّ بتشديد الباء ورمزها [ض] والتضبيب، (تنظر:التّكْذِيَّةُ كما سلف آنفا)، وهذه المصطلحات تدل كلها على الأمانة العلمية في النقل كما تدل على نباهة الناقل في نقله وأنه قد تنبه للخطأ ولا يريد نقله كما هو إلى القارئ دون تنبيهه عليه حرصا على تصحيح التلقي وأن على القارئ أن يتحقق من الكلمة أو العبارة أو الجملة أو الفقرة وألا يُحَمِّل الناقلَ وزر ذلك الخطأ ولا سيما إن كان خطأ مشينا معيبا لا يليق بنص علمي أو أدبي أو ديني، وهذا أخطر وأفدح أو أفضح للمحقق الدعي وللناشر الغشاش و"من غشنا فليس منا" (الحديث) لكن ما أكثر الغش في النشر، نشر الكتب المشوهة مع الادعاء أنها محققة أو مصححة وليست كذلك، والله المستعان.
ومما تجدر الإشارة إليه والتنبيه عليه أن هذا المصدر الجميل، "التَّكذية"، لم يرد، بعد بحث وتقصٍ، في المعاجم العربية لا القديمة ولا الحديثة فهو إذن من المصادر الصناعية المستحدثة، والمقبولة عندي، أرى ضرورة توظيفه في كتاباتنا عندما ننقل عن غيرنا، ولعلنا سنحسن صنعا عندما نعلق على نص ما هنا في الملتقى، أو في غيره، أن نستعمل التَّكْذية عند ملاحظتنا لخطأ ما ثم نعلق عليه خارج الإطار المخصص للنقل (الاقتباس)، وهذا ما سأعتمده، إن شاء الله تعالى، في تعاليقي القادمة إن شاء الله تعالى.
هذا وللحديث بقية، إن شاء الله تعالى، إن كان في العمر بقية، ثم إنْ أثار الموضوع اهتمام القراء وإلا فلا داعي للثرثرة في عصر الرداءة المستفحلة والمتفشية والمستعصية على االإصلاح، نسأل الله السلامة والعافية، اللهم آمين.
الْبُلَيْدة، صبيحة يوم الخميس 3 شوال 1440 الموافق 6 جوان/حزيران 2019.
تعليق