
**
ألِفت الوحدة ولم تعد تخيفني . لست وحيدا وأنا أحمل صورا من الماضي الحزين . الحاضر جزء من هذه المعاناة . ليس بعد الآن ، فلم يعد لديّ ما أخسره .
أول ما فتحت عينيّ أّصبتُ بالتهاب جلدي ( إكزيما ) ، لا يزال أثر ، النّدبة ، في أعلى ذراعي اليسرى ، قبل أن ينتقّل إلى بقضية الأعضاء و الأطراف الأخرى . تقول المرحومة أمّي أن " عينا أصابتني " ؛ كم تعبت معي تلك المغبونة ، وسهرت اللّيالي الطّوال ولم يغمض لها جفن ، وهي تحاول تسكيني ببعض المعدّات على ندرتها .
كبرتُ على تلك الحالة أعاني ، و رقدت أيّاما بلياليها في أسرّة المستشفى، ولم يكن عمري حينها يتجاوز السادسة . ما زلت أحمل صورة ذاك العم ، صديق أبي الذي كان يحاول تسكيني .
نشأتُ في تلك المحنة أعاني ، و من الخلافات بين أمي وأبي ، والتي لا تريد أن تنتهي . لم تكن أمّي سعيدة كثيرا بزواجها من أبي الذي لم أتعوّد كثيرا على حضوره في البيت . بسبب مداومته في العمل ، فهو كان شرطيّا محترما . وحضوره كان يثير مخاوفي ، أتوجّس مخافة أن ينالني عقابه .
أتذكّر عندما تغوّطَتْ أختي الصّغيرة عليه ، فنزع بذلته "العزيزة " وألقى بها إلى أمي حتّى تقوم بتنظّيفها . كم انتظرت ذاك اليوم الذي ولدت لي أمي فيه هذه الأخت الصّغرى. لم يتكرّر الأمر معها بعد ذلك.
أبي رجل صارم معنا ، طيّب القلب مع الآخرين ، شديد الاعتناء بنفسه .أهابه كثيرا ، حتى أن بني عمومتي كانوا يسخرون منّي بسبب هذا الخوف الشديد.
لم تكن أمّي البدويّة متعلّمة، كونها نشأت في ظروف القهر في وقت الاستعمار. لكنّهاكانت تحاول دائما تهجّئة الحروف . ولم يكن لدينا سوى جهاز راديو صغير ، تعلّقه في صدر غرفة النوم الوحيدة ، بعيدا عنّي ، مخافة أن يقع في يدي فأعبث به. ولم يكن بيتنا المتواضع بذلك البيت الكبير ، كان يضمّ غرفتين صغيرتين متجاورتين فقط ، وباحة تتوسّطها دالية عِنب .
إحدى الغرفتين كانت لنا، وأما الأخرى فللجدّة " المسكينة " ؛
تُعاني جدّتي من الخرف ، ومن الرّعّاش أيضًا . وكم كنت أزعجها بحركاتي البهلوانيّة الطّائشة ، فتشكي من الدّوخة التي أسبّبها لها، ورغم ذلك كانت تحميني من أبي عندما يغضب منّي ومن أفعالي المشينة فيهمّ بي كي يضربني .
كان لديّ ثلاثة أعمام قبل وفاتهم الواحد تلو الآخر - رحمة الله عليهم جميعا – ، أبي أصغرهم . ولديّ من الأخوال ستةُ ذكور وخالتان ، كلّهم أحياء . كانوا الأقرب إليّ من غيرهم، لتواضعهم.
كم كنت محظوظا بانتمائي لهاتين العائلتين البدويّتين .
خلّف جدّي - من أبي – وراءه مرزعة ، بما فيها من مواشي وعتاد ، يشرف عليها عمّي الأكبر باعتباره وصيّ من بعده . وأما الأوسط فكان يرعى القطيع طول السّنة ، ولا ينام ولا يرتاح ولا يعود إلى البيت إلاّ متأخّرا . وأما الذي بعده فكانت مهمّته تتمثّل في قيّادة وصيانة العتاد المجرور ، باختلاف أنواعه وأحجامه ، ويتشكّل من جرّارين وآلة حصاد خشبيّة من الطّراز القديم وعدد من المحاريث والسّكك .
أما أخوالي فكانوا رعاة ، يعيشون على عدد محدود من رؤوس الماشية وممّا يجنونه من قمح أو شعير ، يزرعونه في بعض الأمتار المحدودة والمتفرّقة هنا أو هناك.
كنت شغوفا بحب البادية، لركوب الدّواب والجري وراء الكلاب .
في مزرعة البادية أُقام عمّي الأكبر العديد من الأفراح . تستغرق الأفراح عنده في المزرعة أياما وليالي ولا تنقطع. وأما الدّعوة فكانت عامّة . كما يحضرها بعض الوجوه من الوجهاء والأعيان .
لن أنسى تلك الأيام وتلك الأفراح ما حييت . وكم سررت حين أقام عمّي الأكبر عرسا لابنه الكبير ، وذاك المحفل البهيج الذي علت فيه صيحات الخيل والبارود ، وذاك التهليل والتكبير الذي نسمّيه نحن التّرحاب ، ولا يقدر عليه سوى الشيوخ الكبار والرّجال . دام العرس سبعة أيّام وليال بالتّمام والكمال .
تلكم كانت سيرتهم . ولأن الخير كان موجودا ؛
فزريبة المزرعة لا يكاد ينقطع فيها صيّاح المواشي ، من الأغنام والماعز والأبقار . ومطامرها المملوءة عن آخرها ، لا تكاد تخلو من القمح والشعير.
أماالأخوال فكنت بقلبي وروحي معهم ، استمتع بالقصص والأحاجي والنّكت ، وكانت زادي الذي كبرت عليه حتّى فارقتهم .
أول ما فتحت عينيّ أّصبتُ بالتهاب جلدي ( إكزيما ) ، لا يزال أثر ، النّدبة ، في أعلى ذراعي اليسرى ، قبل أن ينتقّل إلى بقضية الأعضاء و الأطراف الأخرى . تقول المرحومة أمّي أن " عينا أصابتني " ؛ كم تعبت معي تلك المغبونة ، وسهرت اللّيالي الطّوال ولم يغمض لها جفن ، وهي تحاول تسكيني ببعض المعدّات على ندرتها .
كبرتُ على تلك الحالة أعاني ، و رقدت أيّاما بلياليها في أسرّة المستشفى، ولم يكن عمري حينها يتجاوز السادسة . ما زلت أحمل صورة ذاك العم ، صديق أبي الذي كان يحاول تسكيني .
نشأتُ في تلك المحنة أعاني ، و من الخلافات بين أمي وأبي ، والتي لا تريد أن تنتهي . لم تكن أمّي سعيدة كثيرا بزواجها من أبي الذي لم أتعوّد كثيرا على حضوره في البيت . بسبب مداومته في العمل ، فهو كان شرطيّا محترما . وحضوره كان يثير مخاوفي ، أتوجّس مخافة أن ينالني عقابه .
أتذكّر عندما تغوّطَتْ أختي الصّغيرة عليه ، فنزع بذلته "العزيزة " وألقى بها إلى أمي حتّى تقوم بتنظّيفها . كم انتظرت ذاك اليوم الذي ولدت لي أمي فيه هذه الأخت الصّغرى. لم يتكرّر الأمر معها بعد ذلك.
أبي رجل صارم معنا ، طيّب القلب مع الآخرين ، شديد الاعتناء بنفسه .أهابه كثيرا ، حتى أن بني عمومتي كانوا يسخرون منّي بسبب هذا الخوف الشديد.
لم تكن أمّي البدويّة متعلّمة، كونها نشأت في ظروف القهر في وقت الاستعمار. لكنّهاكانت تحاول دائما تهجّئة الحروف . ولم يكن لدينا سوى جهاز راديو صغير ، تعلّقه في صدر غرفة النوم الوحيدة ، بعيدا عنّي ، مخافة أن يقع في يدي فأعبث به. ولم يكن بيتنا المتواضع بذلك البيت الكبير ، كان يضمّ غرفتين صغيرتين متجاورتين فقط ، وباحة تتوسّطها دالية عِنب .
إحدى الغرفتين كانت لنا، وأما الأخرى فللجدّة " المسكينة " ؛
تُعاني جدّتي من الخرف ، ومن الرّعّاش أيضًا . وكم كنت أزعجها بحركاتي البهلوانيّة الطّائشة ، فتشكي من الدّوخة التي أسبّبها لها، ورغم ذلك كانت تحميني من أبي عندما يغضب منّي ومن أفعالي المشينة فيهمّ بي كي يضربني .
كان لديّ ثلاثة أعمام قبل وفاتهم الواحد تلو الآخر - رحمة الله عليهم جميعا – ، أبي أصغرهم . ولديّ من الأخوال ستةُ ذكور وخالتان ، كلّهم أحياء . كانوا الأقرب إليّ من غيرهم، لتواضعهم.
كم كنت محظوظا بانتمائي لهاتين العائلتين البدويّتين .
خلّف جدّي - من أبي – وراءه مرزعة ، بما فيها من مواشي وعتاد ، يشرف عليها عمّي الأكبر باعتباره وصيّ من بعده . وأما الأوسط فكان يرعى القطيع طول السّنة ، ولا ينام ولا يرتاح ولا يعود إلى البيت إلاّ متأخّرا . وأما الذي بعده فكانت مهمّته تتمثّل في قيّادة وصيانة العتاد المجرور ، باختلاف أنواعه وأحجامه ، ويتشكّل من جرّارين وآلة حصاد خشبيّة من الطّراز القديم وعدد من المحاريث والسّكك .
أما أخوالي فكانوا رعاة ، يعيشون على عدد محدود من رؤوس الماشية وممّا يجنونه من قمح أو شعير ، يزرعونه في بعض الأمتار المحدودة والمتفرّقة هنا أو هناك.
كنت شغوفا بحب البادية، لركوب الدّواب والجري وراء الكلاب .
في مزرعة البادية أُقام عمّي الأكبر العديد من الأفراح . تستغرق الأفراح عنده في المزرعة أياما وليالي ولا تنقطع. وأما الدّعوة فكانت عامّة . كما يحضرها بعض الوجوه من الوجهاء والأعيان .
لن أنسى تلك الأيام وتلك الأفراح ما حييت . وكم سررت حين أقام عمّي الأكبر عرسا لابنه الكبير ، وذاك المحفل البهيج الذي علت فيه صيحات الخيل والبارود ، وذاك التهليل والتكبير الذي نسمّيه نحن التّرحاب ، ولا يقدر عليه سوى الشيوخ الكبار والرّجال . دام العرس سبعة أيّام وليال بالتّمام والكمال .
تلكم كانت سيرتهم . ولأن الخير كان موجودا ؛
فزريبة المزرعة لا يكاد ينقطع فيها صيّاح المواشي ، من الأغنام والماعز والأبقار . ومطامرها المملوءة عن آخرها ، لا تكاد تخلو من القمح والشعير.
أماالأخوال فكنت بقلبي وروحي معهم ، استمتع بالقصص والأحاجي والنّكت ، وكانت زادي الذي كبرت عليه حتّى فارقتهم .
تعليق