
**
لقد نسيت انه لديّ عمّتان أيضا، واحدة لا تزال على قيد الحياة وتسكن في البادية . وأما الأخرى فمتوفيّة ، ويفصل بيننا وبين بيتها الذي قبالتنا اسطبل ؛
من بين الأشياء التي بقي أثرها لدى بعض القرويين إلى ما بعد الاستقلال ، ظاهرة الاسطبلات المنتشرة داخل الأحياء والتجمّعات السّكنيّة ، وتؤكّد طبيعة النشاط الذي ميّز خلال مرحلة من الزّمن ، بعض العوائل التي تم تهجيرها بالقوّة من طرف جنود الاحتلال وإدارته في إطار خطط وتنفيذا لسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها لسنوات ، وانتقاما من هؤلاء البدو الذي لبّوا نداء الوطن وقدّموا ما عليهم من واجبات تجاه الثّورة المجيدة والثوّار الأحرار . فقام الجنود والعساكر بتهجير الآف المزارعين والرّعاة من المداشر والأماكن المعزولة إلى القرى والمجمّعات السكنيّة لعلّه بذلك يتخلّص من الثورة والثوّار. وبقيّ هؤلاء مرتبطين بنشاطهم البدائي ، يعتمدون على المواشي كمصدر وحيد للعيش ، ولم يكن لديهم شيء آخر يزاولونها . وبدأت ظاهرة الاسطبلات تتلاشى تدريجيا بعد الاستقلال ، ومع بروز حياة التمدّن شيئا فشيئا. ولم يعد من يحتفظ باسطبل داخل بيته إلاّ الفئة الضّعيفة والمحرومة .أما عن مكان الاسطبل الذي لحقت به في مطلع الستّينيّات ، ولم يتجاوز عمري حينها الست سنوات ، فكان عبارة عن حظيرة شاغرة يوجد بها ( شميني ) ، موقد تقليدي ومكان لإعداد ( الكسرة ) والتي هي عبارة عن خبز تقليدي يطهى على نار( الوقيد ) من الرّوث الصّلب . وليس بعيدا عنه ( بيت خلاء ) مكان محظي لقضاء الحاجة ، في غياب قنوات الصرف والبنى التّحتيّة.إن كان بيتنا من حجر وقرميد ، فإن بيت العمّة الذي يقابلنا، بيت هش ، من قش وتّراب . وزوجهاخضّار ، كان كلما عاد في المساء متعبا يرسل ابنه البكر إلى ( الرّحبة ) ، السّوق الوحيدة في القرية، ليقوم مكانه بتجميع صناديق الخضر والفاكهة في مستودع مشترك.
بداية الإنحراف ؛
لا تزال تلك الأمسيّة بين عينيّ هاتين ، تُذكّرني بأوّل تجربة من تجاربي المريرة في هذه الدّنيا"اللّعينة" ، حين طلب مني ابن عمّتي البكر هذا ، وأيضا من أخيه الذي يكبرني بسنتين أو ثلاث ، مرافقته إلى (الرّحبة) ، لأكتشف ولأول مرّة " أبغض الأماكن إلى الله " .
بعدما انتهينا من جمع الصناديق وحملناها إلى المكان المقصود ، وقع بصري على عشرات ، بل مئات القنينات والكراتين المعبّأة بالخمر تملأ المكان ، ولم يكن هناك من أحد سوانا نحن الثلاثة.
لم تر عيني قط مشهدا كهذا. ولم أتعوّد على رؤية مثله من قبل . فلم يكن لدينا تلفزيون يروّج لأشياء من هذا القبيل. ولا تدخل بيتنا المجلاّت التي تنشر مثلها من الصوّر . وكل ما وجدته أمامي حين فتحت عينيّ ، كتاب الله ، وبعض المخطوطات لجدّي " الطالب " ، شيخ زّواية ومعلّم قرآن ، أو بعض العناوين القديمة كجريدتي البصائر والشّهاب لسان حال جمعية العلماء المسلمين ، وحتى يوميّتي الشّعب والمجاهد كانت تأتينا من الأسواق في شكل قراطيس تلفّ أنواع السّلع.
لم أكن أعرف أنّي وقعت في فخ ، ولا أعلم أن ابليس اللّعين قد أحكم شباكه، ولا أدري مالذي ينتظرني من بني عمّتي مقابل مساعدتي لهما ، لكنّها مكافأة " كمكافأة بني يعقوب لأخيهم يوسف " ، إلاّ بعد خروجنا من (الرّحبة) ، وتناولي قنينة من أحدهما .
تلمّظتهاعن آخرها معتقدا انّي سأروي بها الظّمأ وما لحقني من التّعب .
تلكم كانت قصّتي ، مع أوّل تجربة لي أخرج فيها مع رفاق السّوء .
من بين الأشياء التي بقي أثرها لدى بعض القرويين إلى ما بعد الاستقلال ، ظاهرة الاسطبلات المنتشرة داخل الأحياء والتجمّعات السّكنيّة ، وتؤكّد طبيعة النشاط الذي ميّز خلال مرحلة من الزّمن ، بعض العوائل التي تم تهجيرها بالقوّة من طرف جنود الاحتلال وإدارته في إطار خطط وتنفيذا لسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها لسنوات ، وانتقاما من هؤلاء البدو الذي لبّوا نداء الوطن وقدّموا ما عليهم من واجبات تجاه الثّورة المجيدة والثوّار الأحرار . فقام الجنود والعساكر بتهجير الآف المزارعين والرّعاة من المداشر والأماكن المعزولة إلى القرى والمجمّعات السكنيّة لعلّه بذلك يتخلّص من الثورة والثوّار. وبقيّ هؤلاء مرتبطين بنشاطهم البدائي ، يعتمدون على المواشي كمصدر وحيد للعيش ، ولم يكن لديهم شيء آخر يزاولونها . وبدأت ظاهرة الاسطبلات تتلاشى تدريجيا بعد الاستقلال ، ومع بروز حياة التمدّن شيئا فشيئا. ولم يعد من يحتفظ باسطبل داخل بيته إلاّ الفئة الضّعيفة والمحرومة .أما عن مكان الاسطبل الذي لحقت به في مطلع الستّينيّات ، ولم يتجاوز عمري حينها الست سنوات ، فكان عبارة عن حظيرة شاغرة يوجد بها ( شميني ) ، موقد تقليدي ومكان لإعداد ( الكسرة ) والتي هي عبارة عن خبز تقليدي يطهى على نار( الوقيد ) من الرّوث الصّلب . وليس بعيدا عنه ( بيت خلاء ) مكان محظي لقضاء الحاجة ، في غياب قنوات الصرف والبنى التّحتيّة.إن كان بيتنا من حجر وقرميد ، فإن بيت العمّة الذي يقابلنا، بيت هش ، من قش وتّراب . وزوجهاخضّار ، كان كلما عاد في المساء متعبا يرسل ابنه البكر إلى ( الرّحبة ) ، السّوق الوحيدة في القرية، ليقوم مكانه بتجميع صناديق الخضر والفاكهة في مستودع مشترك.
بداية الإنحراف ؛
لا تزال تلك الأمسيّة بين عينيّ هاتين ، تُذكّرني بأوّل تجربة من تجاربي المريرة في هذه الدّنيا"اللّعينة" ، حين طلب مني ابن عمّتي البكر هذا ، وأيضا من أخيه الذي يكبرني بسنتين أو ثلاث ، مرافقته إلى (الرّحبة) ، لأكتشف ولأول مرّة " أبغض الأماكن إلى الله " .
بعدما انتهينا من جمع الصناديق وحملناها إلى المكان المقصود ، وقع بصري على عشرات ، بل مئات القنينات والكراتين المعبّأة بالخمر تملأ المكان ، ولم يكن هناك من أحد سوانا نحن الثلاثة.
لم تر عيني قط مشهدا كهذا. ولم أتعوّد على رؤية مثله من قبل . فلم يكن لدينا تلفزيون يروّج لأشياء من هذا القبيل. ولا تدخل بيتنا المجلاّت التي تنشر مثلها من الصوّر . وكل ما وجدته أمامي حين فتحت عينيّ ، كتاب الله ، وبعض المخطوطات لجدّي " الطالب " ، شيخ زّواية ومعلّم قرآن ، أو بعض العناوين القديمة كجريدتي البصائر والشّهاب لسان حال جمعية العلماء المسلمين ، وحتى يوميّتي الشّعب والمجاهد كانت تأتينا من الأسواق في شكل قراطيس تلفّ أنواع السّلع.
لم أكن أعرف أنّي وقعت في فخ ، ولا أعلم أن ابليس اللّعين قد أحكم شباكه، ولا أدري مالذي ينتظرني من بني عمّتي مقابل مساعدتي لهما ، لكنّها مكافأة " كمكافأة بني يعقوب لأخيهم يوسف " ، إلاّ بعد خروجنا من (الرّحبة) ، وتناولي قنينة من أحدهما .
تلمّظتهاعن آخرها معتقدا انّي سأروي بها الظّمأ وما لحقني من التّعب .
تلكم كانت قصّتي ، مع أوّل تجربة لي أخرج فيها مع رفاق السّوء .
تعليق