فتاة ريفية تعيش اليتم والخصاصة والحرمان، تضيق بها السبل، تلجأ إلى رئيس البلاد، تريد مقابلته، لعلّه ينصفها ويساعدها فهو كما قال:" رئيس كل الشعب..."، لكنّ الأمن الرئاسي يمنعها ويقتادها إلى مركز الشرطة للتحقيق معها.
- والآن ، من أين أتيت يا ابنتي؟
- بلدتي قريبة جدّا من بنزرت إنّها... ، لا أعلم إن كنتم تعرفونها؟
- نحن نعرف كل الأرياف والمدن. ماهو اسمك؟
-اسمي سنية... ولدت في... أبي ميّت، ويدعى...اسم أمّي...وهي تعيش في منطقة قريبة من البلدة مع رجل لا أعرف اسمه. رقم بطاقة تعريفي الوطنيّة...اجتزت امتحان الباكالوريا مرّتين متتاليتين ولكنّني لم أوفّق. أردت المواصلة ولكنّ امكانيّاتي المادّية لا تسمح. اضطررت للعمل في الحقول أو بيع الخبز على الطرقات لكسب لقمة العيش، وإطعام إخوتي وأبناء عمّي. أريد أن أقابل سيادة الرئيس لأطلعه بحالتي البائسة على أمل أن يقوم بمساعدتي.
- اسمعي يا ابنتي، أنا لا أشك في صدقك خلافا لما أخبروني عنك.لكن ما تطلبينه لا علاقة له بعملنا.نحن هنا لا شأن لنا بأيّة لقاءات مع سيادة الرئيس. والآن كوني متعقّلة وسوف تعودين إلى المنزل ثمّ تتّصلين بالسّلطات المحلية في جهتك لتبسطي عليهم مسألتك وتنتظرين ما يمكن أن ييساعدونك به.أنا لا أنصحك بالبقاء هنا، ستتعرّضين إلى الكثير من المخاطر.
-ولكن أليست هذه قرطاج؟ حيث يقيم سيادة الرئيس ويباشر مهامه ويستقبل زواره؟ لماذا لا أستطيع رؤيته؟ لو كانت السّلطات المحلية قادرة على حلّ مشكلتي، هل تظنّ أنّني غبية إلى هذه الدّرجة حتّى لا أذهب إليها وأطرق أبوابها. أرجوك سيدي، دعني أقابل سيادة الرئيس ولن أتسبّب بأي ازعاج. أريد فقط أن يستمع إلى قصّتي ويتعرّف على معاناتنا وشدّة بؤسنا الذي يمكن أن يؤثر حتّى في أكثر الناس استقامة. كلّ ما سأطلبه هو وظيفة محترمة تؤمّن لنا عيشا كريما مثل هذا العمل الذي لديك يا سيدي.
-آنستي ، أخبرتك أنّي لا أشكّ بصدقك، أتفهّمك بل وأتعاطف معك، ولكنّني أكرّر أنّ الالتقاء أو الاتصال بسيادة الرئيس، ليس من مشمولاتنا.
في الحقيقة شعرت أنّه كان يحدّثني بصدق وأنّه تأثّر بما سمعه منّي ولعلّه أيضا قد انبهر بشجاعتي وعزيمتي لأنّه ناولني قلما وبعض الأوراق وقال بنبرة مطمئنة: "أكتبي هنا كل ما تريدين قوله إلى سيادة الرئيس وسأنقل إليه خطابك، أتعهّد لك بذلك. اكتبي، اكتبي كل ما تشتكينه ، قصتك كما قلتها منذ قليل... "واغرورقت عيناه بالدّمع لشدّة تاثّره بما رويته.
مثل هذا التصرّف لم يكن أمرا عاديّا في مثل ذلك المكان. قلت في نفسي: "حيث توجد دمعة ، يوجد قلب". وها أنّنى أواجه قدري. لم أشك لحظة في حسن نية السيّد الكوميسار ، فهل يكون ما أقدمت عليه أمثل طريقة لإبلاغ صوتي إلى من أردت لقاءه ، سيادة الرئيس.
حملت الأوراق بلا تردّد وأخذت أكتب فوق مكتب الكوميسار وهو حاضر مع مساعده الذي ظل واقفا، مبهوتا، وعيناه تحوم حولي. كأنّما قد أعجب هو أيضا بصراحتي وإصراري مثل رئيسه.
كتبت بكلّ ثقة في النفس، كل ما كان يجول في خاطري من أفكار بلغة سليمة وموجزة ، فوصفت في أسطر متتالية وضعيتنا المزرية وما نكابده من مرارة. والسيّد المعاون متسمّر في مكانه يراقب بأطراف العين ما أخطّه من كلمات. وهذا ما قلته:
سيادة الرئيس،
بعد الله ، أنتم ملجئي الوحيد. أكتب إلى سيادتكم لأنّكم كما قلتم رئيس كل الشّعب. أفعل هذا لأنني متأكّدة أنكم ستستمعون إلى كافة مواطنيكم.
منذ أصبحت في سنّ الثانية يتيمة ، عشت مع اخوتي كلّ أشكال الفقر والحرمان وخاصة ألم الشعور بفقدان رعاية الأب وحنانه.
في كل يوم كنّا نتساءل هل ستتمكّن أمّنا وهي سندنا الوحيد، من تأمين عشاء ليلتنا. ولن أتحدّث عن الثّياب الجديدة، لأنّ أجسادنا لم تعرفها على الاطلاق.
عملت والدتي بتفان في خدمة البيوت وفي الحقول لتوفير احتياجاتنا الأساسية، حريصة كلّ الحرص على إرسالنا إلى المدرسة مثلما وصّى والدنا الراحل.
ولكنّ خدمة البيوت لم تكن وظيفة قارّة فهي ليست من عادات أهل القرية ، لذلك عملت في الأنشطة الفلاحيّة راضية بما تتقاضاه من أجر زهيد، كما لا يخفى عليكم ، سيادة الرئيس.
لم أحتفظ من طفولتي بغير الذكريات الأليمة والفقر والخصاصة، والمؤسف أكثر أن هذه العذابات لم تعرف نهاية حتّى بعد أن كبرت.
اعتقدت والدتي أنّ الحلّ يمكن أن يكون في زواجها مرّة ثانية، ولكن! كان بابا من أبواب الجحيم قد فتحته على مصراعيه ليزيدنا من كأس الذلّ والمهانة. ذلك الأب الجديد لم يكن غير عاطل عن العمل ومدمن على الكحول لا يهتمّ أبدا بشؤوننا.
وما زاد الطين بلة، أنّه ساهم في ارتفاع عدد أفراد الأسرة وولادة طفلين آخرين. ضاعفت والدتي مجهوداتهها لتأمين احتياجاتنا بالعمل أكثر وأكثر ولكنّ ما تجنيه لم يكن كافيا خاصّة مع مطالبة زوجها السكّير بثمن مشروبه اليومي والمعتاد من الكحول .
ارهقت والدتي بالعمل وخارت قواها وساءت حالتها الصحية ، فاختارت الهروب من المنزل بعد أن ضاقت بها السبل تاركة عائلتها.
حمل زوج والدتي طفليه إلى أمّه وأخذنا نحن الثلاثة إلى عمنا للعيش معه في منزله المتواضع في نفس الحي.
كنت آنذاك في قسم السنة السادسة أتطلّع إلى الالتحاق بالمدرسة الاعدادية. أمّا اخوتي فاضطروا إلى العمل في الحقول ، ولكنّ هذا المورد كان موسميّا وغير منتظم. يحز في نفسي ما آلت إليه حال أخى الأكبر الذي أصبح منحرفا والتحاق أخي الأوسط بصفوف الباعة المتجوّلين لبيع الفواكه والخضروات بحسب الفصول، بالكاد كان دخله يكفيه لينفق على نفسه.
وإذا كان عمّي قد وفّر لي المأوى فإنّ زوجته كانت ترغمني على بيع ما تعدّه من خبز الطابونة والملاوي يوميّا على قارعة الطريق لتحسّن مسكنها المتواضع وتضمن دخلا إضافيا. أمدّ ساعات طوال يدي بالخبز ولا أعود إلاّ عند الغروب لمّا أبيع كلّ ما لديّ.
قمت بذلك بسرور وحماسة فقد علّمني عدّ النقود (حتى لو كانت مبالغ صغيرة) والحديث مع الناس ووطرق إقناعهم بشراء خبزي. والأهمّ من هذا أن أصبح لي دور مفيد ومقبول داخل البيت يمكّنني من مواصلة تعلّمي والذهاب إلى المدرسة.
كنت مصرّة على الاستمرار رغم نقص الأدوات والدعم، ولا يسعني إلاّ أن أشكر السيّد المدير الذي كان يدعمني ويزودني بالكتب المستعملة ويشترى لي من ماله الخاصّ بعض الدفاتر وغيرها من اللوازم المدرسيّة. لم أكن أجهل أن سبب عطفه يعود إلى أنّني طفلة يتيمة الأب قد هجرتها والدتها فعاهدت نفسي أن أسعده وأجعله يفتخر بما يقدّمه لي من مساعدة. وهكذا كنت دائما من بين الخمسة الأوائل في القسم.
وكأنّ القدر كان يعادني ، جاءت "والدتي" ذات يوم إلى منزل عمي باحثة عنّي، وأجبرتني على الذهاب معها إلى نفس العائلة التي توظفها معينة منزليّة. هي العائلة الوحيدة الغنية في القرية. زوجان قديمان ومتقاعدين. كان السيد مسؤولاً رفيعاً سابقا، وكانت السيدة تعمل قابلة في الصحّة. كلاهما طاعنين في السن يعتمدان بشدّة على خدمة أمي والسائق سفيان الذي يتولّى في أوقات فراغه رعاية الحديقة.هذه الوظيفة التي كانت تناسبه أكثر من أيّ مكان آخر.
استمرت إقامتي في هذه العائلة ثلاث سنوات. فترة من أجمل ما شهدته في حياتي فقد كنت آكل عندما أجوع وألبس ملابس محترمة وخاصّة تقديم (صاحب العمل) بابا مجيد لي المساعدة في الدّراسة. كان دعمه مفيدا للغاية، جعلني أكتشف طريق المعرفة وأكسبني مهارة فائقة في التفكير.
قدّر الله وما شاء فعل، تغيّر الحال بعد موتهما فعدت إلى منزل عمّي رغم معارضة زوجته التي تخاف أن أحمّلهما أعباء إضافيّة.
لعنت الحياة التي لم تكفّ عن تعميق جراحي وأحزاني داخل صدري ، ولكنني لم أستسلم، تسلحت بالصبر والرّصانة وقررت أن أقاوم بشجاعة وقوّة.
تعلّمت صنع الخبز وخرجت لبيعه كالعادة على رصيف الطرقات. كنت أعطي ما أكسبه إلى زوجة عمّي ولا أحتفظ إلاّ بما يساعدني على شراء الدّقيق لمعاودة الكرّة في اليوم الموالي.
لم تفتر عزيمتي حتّى في السنة التي اجتزت فيها امتحان الباكالوريا. فعلت كلّ ما أستطيع لأحقّق هدفي بالنجاح، ورغم جهودي لم أوفّق. لم أتقبل هذا الفشل الذي سيعصف بجميع أحلامي ويحرمني من دخول معترك الحياة، والمعرفة، والكرامة.
وها أنّي قد أصبحت في سن الحادية والعشرين بتجربتين فاشلتين في الباكالوريا، مطمعا لمنحرفى القرية الذين يمنعونني من بيع خبزي وغيرهم من الراغبين في اللعب معي لعبة الزّواج على خلاف ما يقتضيه القانون ، وآخرون يقدمون لي وظائف وهمية لمجرّد الاستمتاع بجسدي .
تحوّل الدفاع عن الشرف والحفاظ على سلامة الجسد تمرينًا روتينيّا يوميًا يرافقه الألم بكلّ تجلّياته، ولكنني لن أفرّط فيه وسأدافع عنه بكلّ ما أملك من إرادة وقوّة.
- والآن ، من أين أتيت يا ابنتي؟
- بلدتي قريبة جدّا من بنزرت إنّها... ، لا أعلم إن كنتم تعرفونها؟
- نحن نعرف كل الأرياف والمدن. ماهو اسمك؟
-اسمي سنية... ولدت في... أبي ميّت، ويدعى...اسم أمّي...وهي تعيش في منطقة قريبة من البلدة مع رجل لا أعرف اسمه. رقم بطاقة تعريفي الوطنيّة...اجتزت امتحان الباكالوريا مرّتين متتاليتين ولكنّني لم أوفّق. أردت المواصلة ولكنّ امكانيّاتي المادّية لا تسمح. اضطررت للعمل في الحقول أو بيع الخبز على الطرقات لكسب لقمة العيش، وإطعام إخوتي وأبناء عمّي. أريد أن أقابل سيادة الرئيس لأطلعه بحالتي البائسة على أمل أن يقوم بمساعدتي.
- اسمعي يا ابنتي، أنا لا أشك في صدقك خلافا لما أخبروني عنك.لكن ما تطلبينه لا علاقة له بعملنا.نحن هنا لا شأن لنا بأيّة لقاءات مع سيادة الرئيس. والآن كوني متعقّلة وسوف تعودين إلى المنزل ثمّ تتّصلين بالسّلطات المحلية في جهتك لتبسطي عليهم مسألتك وتنتظرين ما يمكن أن ييساعدونك به.أنا لا أنصحك بالبقاء هنا، ستتعرّضين إلى الكثير من المخاطر.
-ولكن أليست هذه قرطاج؟ حيث يقيم سيادة الرئيس ويباشر مهامه ويستقبل زواره؟ لماذا لا أستطيع رؤيته؟ لو كانت السّلطات المحلية قادرة على حلّ مشكلتي، هل تظنّ أنّني غبية إلى هذه الدّرجة حتّى لا أذهب إليها وأطرق أبوابها. أرجوك سيدي، دعني أقابل سيادة الرئيس ولن أتسبّب بأي ازعاج. أريد فقط أن يستمع إلى قصّتي ويتعرّف على معاناتنا وشدّة بؤسنا الذي يمكن أن يؤثر حتّى في أكثر الناس استقامة. كلّ ما سأطلبه هو وظيفة محترمة تؤمّن لنا عيشا كريما مثل هذا العمل الذي لديك يا سيدي.
-آنستي ، أخبرتك أنّي لا أشكّ بصدقك، أتفهّمك بل وأتعاطف معك، ولكنّني أكرّر أنّ الالتقاء أو الاتصال بسيادة الرئيس، ليس من مشمولاتنا.
في الحقيقة شعرت أنّه كان يحدّثني بصدق وأنّه تأثّر بما سمعه منّي ولعلّه أيضا قد انبهر بشجاعتي وعزيمتي لأنّه ناولني قلما وبعض الأوراق وقال بنبرة مطمئنة: "أكتبي هنا كل ما تريدين قوله إلى سيادة الرئيس وسأنقل إليه خطابك، أتعهّد لك بذلك. اكتبي، اكتبي كل ما تشتكينه ، قصتك كما قلتها منذ قليل... "واغرورقت عيناه بالدّمع لشدّة تاثّره بما رويته.
مثل هذا التصرّف لم يكن أمرا عاديّا في مثل ذلك المكان. قلت في نفسي: "حيث توجد دمعة ، يوجد قلب". وها أنّنى أواجه قدري. لم أشك لحظة في حسن نية السيّد الكوميسار ، فهل يكون ما أقدمت عليه أمثل طريقة لإبلاغ صوتي إلى من أردت لقاءه ، سيادة الرئيس.
حملت الأوراق بلا تردّد وأخذت أكتب فوق مكتب الكوميسار وهو حاضر مع مساعده الذي ظل واقفا، مبهوتا، وعيناه تحوم حولي. كأنّما قد أعجب هو أيضا بصراحتي وإصراري مثل رئيسه.
كتبت بكلّ ثقة في النفس، كل ما كان يجول في خاطري من أفكار بلغة سليمة وموجزة ، فوصفت في أسطر متتالية وضعيتنا المزرية وما نكابده من مرارة. والسيّد المعاون متسمّر في مكانه يراقب بأطراف العين ما أخطّه من كلمات. وهذا ما قلته:
سيادة الرئيس،
بعد الله ، أنتم ملجئي الوحيد. أكتب إلى سيادتكم لأنّكم كما قلتم رئيس كل الشّعب. أفعل هذا لأنني متأكّدة أنكم ستستمعون إلى كافة مواطنيكم.
منذ أصبحت في سنّ الثانية يتيمة ، عشت مع اخوتي كلّ أشكال الفقر والحرمان وخاصة ألم الشعور بفقدان رعاية الأب وحنانه.
في كل يوم كنّا نتساءل هل ستتمكّن أمّنا وهي سندنا الوحيد، من تأمين عشاء ليلتنا. ولن أتحدّث عن الثّياب الجديدة، لأنّ أجسادنا لم تعرفها على الاطلاق.
عملت والدتي بتفان في خدمة البيوت وفي الحقول لتوفير احتياجاتنا الأساسية، حريصة كلّ الحرص على إرسالنا إلى المدرسة مثلما وصّى والدنا الراحل.
ولكنّ خدمة البيوت لم تكن وظيفة قارّة فهي ليست من عادات أهل القرية ، لذلك عملت في الأنشطة الفلاحيّة راضية بما تتقاضاه من أجر زهيد، كما لا يخفى عليكم ، سيادة الرئيس.
لم أحتفظ من طفولتي بغير الذكريات الأليمة والفقر والخصاصة، والمؤسف أكثر أن هذه العذابات لم تعرف نهاية حتّى بعد أن كبرت.
اعتقدت والدتي أنّ الحلّ يمكن أن يكون في زواجها مرّة ثانية، ولكن! كان بابا من أبواب الجحيم قد فتحته على مصراعيه ليزيدنا من كأس الذلّ والمهانة. ذلك الأب الجديد لم يكن غير عاطل عن العمل ومدمن على الكحول لا يهتمّ أبدا بشؤوننا.
وما زاد الطين بلة، أنّه ساهم في ارتفاع عدد أفراد الأسرة وولادة طفلين آخرين. ضاعفت والدتي مجهوداتهها لتأمين احتياجاتنا بالعمل أكثر وأكثر ولكنّ ما تجنيه لم يكن كافيا خاصّة مع مطالبة زوجها السكّير بثمن مشروبه اليومي والمعتاد من الكحول .
ارهقت والدتي بالعمل وخارت قواها وساءت حالتها الصحية ، فاختارت الهروب من المنزل بعد أن ضاقت بها السبل تاركة عائلتها.
حمل زوج والدتي طفليه إلى أمّه وأخذنا نحن الثلاثة إلى عمنا للعيش معه في منزله المتواضع في نفس الحي.
كنت آنذاك في قسم السنة السادسة أتطلّع إلى الالتحاق بالمدرسة الاعدادية. أمّا اخوتي فاضطروا إلى العمل في الحقول ، ولكنّ هذا المورد كان موسميّا وغير منتظم. يحز في نفسي ما آلت إليه حال أخى الأكبر الذي أصبح منحرفا والتحاق أخي الأوسط بصفوف الباعة المتجوّلين لبيع الفواكه والخضروات بحسب الفصول، بالكاد كان دخله يكفيه لينفق على نفسه.
وإذا كان عمّي قد وفّر لي المأوى فإنّ زوجته كانت ترغمني على بيع ما تعدّه من خبز الطابونة والملاوي يوميّا على قارعة الطريق لتحسّن مسكنها المتواضع وتضمن دخلا إضافيا. أمدّ ساعات طوال يدي بالخبز ولا أعود إلاّ عند الغروب لمّا أبيع كلّ ما لديّ.
قمت بذلك بسرور وحماسة فقد علّمني عدّ النقود (حتى لو كانت مبالغ صغيرة) والحديث مع الناس ووطرق إقناعهم بشراء خبزي. والأهمّ من هذا أن أصبح لي دور مفيد ومقبول داخل البيت يمكّنني من مواصلة تعلّمي والذهاب إلى المدرسة.
كنت مصرّة على الاستمرار رغم نقص الأدوات والدعم، ولا يسعني إلاّ أن أشكر السيّد المدير الذي كان يدعمني ويزودني بالكتب المستعملة ويشترى لي من ماله الخاصّ بعض الدفاتر وغيرها من اللوازم المدرسيّة. لم أكن أجهل أن سبب عطفه يعود إلى أنّني طفلة يتيمة الأب قد هجرتها والدتها فعاهدت نفسي أن أسعده وأجعله يفتخر بما يقدّمه لي من مساعدة. وهكذا كنت دائما من بين الخمسة الأوائل في القسم.
وكأنّ القدر كان يعادني ، جاءت "والدتي" ذات يوم إلى منزل عمي باحثة عنّي، وأجبرتني على الذهاب معها إلى نفس العائلة التي توظفها معينة منزليّة. هي العائلة الوحيدة الغنية في القرية. زوجان قديمان ومتقاعدين. كان السيد مسؤولاً رفيعاً سابقا، وكانت السيدة تعمل قابلة في الصحّة. كلاهما طاعنين في السن يعتمدان بشدّة على خدمة أمي والسائق سفيان الذي يتولّى في أوقات فراغه رعاية الحديقة.هذه الوظيفة التي كانت تناسبه أكثر من أيّ مكان آخر.
استمرت إقامتي في هذه العائلة ثلاث سنوات. فترة من أجمل ما شهدته في حياتي فقد كنت آكل عندما أجوع وألبس ملابس محترمة وخاصّة تقديم (صاحب العمل) بابا مجيد لي المساعدة في الدّراسة. كان دعمه مفيدا للغاية، جعلني أكتشف طريق المعرفة وأكسبني مهارة فائقة في التفكير.
قدّر الله وما شاء فعل، تغيّر الحال بعد موتهما فعدت إلى منزل عمّي رغم معارضة زوجته التي تخاف أن أحمّلهما أعباء إضافيّة.
لعنت الحياة التي لم تكفّ عن تعميق جراحي وأحزاني داخل صدري ، ولكنني لم أستسلم، تسلحت بالصبر والرّصانة وقررت أن أقاوم بشجاعة وقوّة.
تعلّمت صنع الخبز وخرجت لبيعه كالعادة على رصيف الطرقات. كنت أعطي ما أكسبه إلى زوجة عمّي ولا أحتفظ إلاّ بما يساعدني على شراء الدّقيق لمعاودة الكرّة في اليوم الموالي.
لم تفتر عزيمتي حتّى في السنة التي اجتزت فيها امتحان الباكالوريا. فعلت كلّ ما أستطيع لأحقّق هدفي بالنجاح، ورغم جهودي لم أوفّق. لم أتقبل هذا الفشل الذي سيعصف بجميع أحلامي ويحرمني من دخول معترك الحياة، والمعرفة، والكرامة.
وها أنّي قد أصبحت في سن الحادية والعشرين بتجربتين فاشلتين في الباكالوريا، مطمعا لمنحرفى القرية الذين يمنعونني من بيع خبزي وغيرهم من الراغبين في اللعب معي لعبة الزّواج على خلاف ما يقتضيه القانون ، وآخرون يقدمون لي وظائف وهمية لمجرّد الاستمتاع بجسدي .
تحوّل الدفاع عن الشرف والحفاظ على سلامة الجسد تمرينًا روتينيّا يوميًا يرافقه الألم بكلّ تجلّياته، ولكنني لن أفرّط فيه وسأدافع عنه بكلّ ما أملك من إرادة وقوّة.