ثلاث محاولات لقضم تفاحة
محاولة أولى...
بالأمس راودها ذاك الحلم الرهيب.. أن سقطت جميع أسنانها!
تعلم أنه محض حلمٍ، ورغم ذلك ظل لسانها يتفقّد لثتها..
الصف العلوي والسفلي خاويان تمامًا بَيْد أن راحةً لطيفة تسللت إليها رويدًا، فهي تدري أنها ما تزال داخل الحلم.
إلى جوارها على السرير تفاحة حمراء اقتُطفت للتو كطقس صباحي..
حاولت قضمها، فتنفلت منها محاولة اقتناص القضمة المنتظرة.. تصطدم لثتها وأنفها بقساوة التفاحة وطراوة رائحتها..
لاهثة.. تنظر إلى نفسها في المرآة، تتخوّف رعب الاكتشاف.. الترقب بدّده اليقين عند انفراج فكيها عن هوة سوداء لا قعر لها!
تمدّ يدها لتغلق فاها من هول المفاجأة وخوف أن يلحظها أحدٌ وهي بلا أسنان..
تُلثّم وجهها بغطاء وضعته على رأسها.. ثم أحكمت غلق الأبواب، هاربة إلى عزلة جبرية من سوء حظ سيلاحقها وضعف بشري إزاء جمادية التفاحة. ذرفت دمعًا حارًّا فوق التفاحة، فتزداد توهّجًا كلما تساقطت فوقها القطرات الملحية..
ذرفت دمعًا وروحًا حتى غامت عيناها بسحبٍ بيض..
محاولة ثانية...
ينحسر الغطاء عن رأسها بعد أعوام فيكشف عن اشتعاله شيبًا..
في قدر كتب عليه "لراغبي..." وقد طُمست بقية الكلمة.
تضع صاحبة العينين الكفيفتين التفاحة الحمراء بعد أن انتزعت منها قشرتها الخارجية، فبدت كحبة البطاطس إلّا أن رائحتها تفضحها..
تلقي بالتفاحة في عصير عنبيّ يكاد يتقطّع من فرط الغليان.. بعصاها الخشبي تقلّب التفاحة داخل السائل استعدادًا لسلقها وأملًا في تيسير عملية قضمها..
التفاحة تصطبغ بالأحمر الداكن وتصير ملتهبة.. تتسرب منها نشوةٌ عبر شقوق الباب الخشبي العتيق.. تقرع مسامعها خطى مسرعة بالخارج حرّكتها الرائحة الذكية، أعقبها خبطٌ متلاحق يتهاوى على الباب، يكاد يخلع قلبها وهمهمات نهمة تفضح جوعًا مسعورًا.. يلقي آذانًا صمّاء ويترك أنوفًا منتشية على بابها.. ترصُّدًا لنشوة مرتقبة..
مذعورة أطفأت النار تحت القدر تاركة العنان للبخار المعتّق ليتسلل عبر الشقوق سالكًا الطريق إلى رؤوس من بالخارج.. يدوّرها ويطوحها يمنةً ويسرةً.. تسمع صوت خمش وتقشير لحاء الباب بالأظفار وصوت صفير حارق ينفث عبر الثقوب التي بدأت ترقّط الباب..
التفاحة في يدها تدور بها في الغرفة بلا وجهة.. تفتّش في حاجياتها عمّا يمكن أن تخفيها فيه أو تغلّفها به..
تصطدم يدها بورقة ألومنيوم فتلفها حولها، وخرقة أخرى تحكم ربطها عليها .. وأظافرها تنبش في الأرض لتئد التفاحة حيةً داخل طيّات الأرض، ثم جلست فوقها مستسلمة لنوم عميق
ربما ليوم أو بعض يوم..
محاولة ثالثة...
بقبلة حارّة أعادها إلى الحياة.. بذراعٍ قوي حملها إلى السرير
ظنت أنّه سيقترب منها ليضخ الدماء إلى جسدها الذي تخشّب من طول الحرمان لولا تراجعه إلى الوراء حتى ذاب متلاشيًا داخل إحدى جدران الغرفة..
تُناوِش أذنيها أصواتٌ أيقظتها من غفوة عميقة..
" ها قد وجدناها!"
"كم هي جميلة حتى في عقدها الثامن.. خسارة أنها لم تعد تبصر أو تتكلّم!"
أبدلوها بطاقم أسنانٍ جديد.. لُؤلؤئيّ البهاء كي يليق بثغرها، وأصباغ سوداء تعيد لرأسها الصبا!
ركبوا في تجويفيّ جمجمتها عينين زجاجيتين صُبِغتا بالأكسدة الزرقاء، واستطاعتا الإبصار أخيرًا بعد جهد مضنٍ في إلحاق كاميرا داخلية بها وأقطاب ومجسّات كهربائية..
بالأبيض والأسود تبصر نفسها في المرآة بعد عقود طويلة.. لم تنس صورتها يومًا لكن الآن تهاجمها صورٌ أخرى .. مغبّرة تجترها من ذهنها
هوة سوداء بلا قعر.. خبط وقرع.. رائحة معتّقة.. تفاحة متوهّجة..
تحسست بكفيّها الأرض تبحث عن انبعاجةٍ أو كومة قد تستر تحتها التفاحة الموؤدة.. اصطدمت أصابعها بطرف ورقة ألومنيوم.. تنبش الأرض حتى أخرجتها.. أجل! هي التفاحة!.. كشفت عنها الأحجبة، كانت تحوّلت إلى رمادية داكنة.. سريعًا ما تفتت بين يديها.. إلا أنّ ثمّة قطعٍ صلبة تساقطت من بين يديها على الأرض..
ألقت بنفسها على الأرض غير عابئة بتغبّر وجهها، عدت القطع.. فكانت اثنتين وثلاثين سنًا!
دينــــــا نبيـــــــل
تعليق