
**
لم نكن نعاني يومها من قلق أو علّة مثلما هو الآن ، و لم يكن لدينا طبيب ولا صيدلية ولم نكن بحاجة إلى دواء ، وكل من يشتكي من ضرسه يجد شيخا عند رأسه أو عجوزا تسعفه ببعض الأعشاب فيتعافى و ينهض ، إن لم يسبقه أجل . وإذا جاء الأجل . فلا يغني عنده طبيب ولا يسمن دواء .
لكن الأمور لم تفلح معي ، وصدقت أُمّي حين قالت " أن عينا أصابتني " ، فلم تنفع معي أعشاب ولا دواء من الأدوية ، وبقيت أراقب ساقي اليسرى وهي تتعرّض للتعفّن .
لم تكن الحياة مركّبة ومعقّدة مثلما نراه وما نعيشه في هذه الأيام ، حياتنا كانت بسيطة " لاصخب فيها ولا نصب " ، و رغم الحاجة وقلّة ذات اليد .
كنا نحب ونعشق الحياة ، وإيماننا بها كان كبيرا ، فهي بالنسبة إلينا مثابة " سداد من عوز " .
لم أكن كثير الأكتراث بالنّقود ، ولم تكن لي فيها رغبة جامحة .
ما حاجة لي بالنّقود وحانوت العم ( أحمد ) موجود أقترض منه كل ما أشتهي وأحب .
فرقبة أبي سدّادة ، وأمّي الحصن الحصين ، وجدّتي المريضة ملجأي الأمين .
وأنا عند حسن ظن أمّي " المغيّبة " بي ، وأخلاّئي الفاسدين ، أحمل إليهم كل ما لذّ وطاب .
كم تراني متلهفّا للتملّص من البيت ، والفرار إلى اللّهو والعبث لا أبالي حينها إن متّ من جوع أوعطش .
في موسم الدّرس و الحصاد وبعد جني المحاصيل تكثر النّقود ؛
"مُخطئ من كان لا يظن أن للنّقود رائحة زكيّة ولا تثير الشهوة في قلوب الرّجال" .
في هذا الموسم البهيج تكثر الأعراس وتعمّ الأفراح ، فتُنصب الخيّم .
لم يكن لدينا مرافق ترفيهية ولا منتزهات ، وكل ما كان متوفرا لدينا ، عدد محدود من المقاهي وبعض المحلاّت .
كانت " الڨانيا " أحلى هديّة ، وأكبر حدث بالنسبة إلينا بعد السّوق الأسبوعيّة ؛
تلكم " الجنّة " الدنيوية المتنقّلة عبر الحدود .
" الڨانيا " كلمة إفرنجية تعني الرّبح ، وهي شبه مؤسّسة تبيع الأواني المنزلية وبعض الأجهزة والمعدّات ، و في المقابل تروّج للقمار تحت شعار " الـ يانصيب " ، ولم تر عيني واحدا من هؤلاء " القمارجيّة " ، الذين يقفون اللّيالي ينتظرون نصيبهم من هذا " اليانصيب " ، قد نالوا سوى الشقا و التّعب .
عندما حل موسم السّهرات واللّيالي الملاح ، زارتنا " الڨانيا " الغالية من أرض المدينة المجاورة . وعلى رأسها مالكها الشّرعي " مول الڨانيا " ؛ شيخ الشيوخ اسمه ( علي ) باختصار . لكن زملاؤه " القامارجية " ينادونه أحيانا " سي علي " ، وأحيانا " عمّي علي " ، وأحيانا أخرى " سيدي الشّيخ "، تملّقا وتزلّفا .
أتحيّن الفرصة كي أراه وأتعرّف إليه ، و لم أره سوى في إحدى المناسبتين ؛
في السّهرة حين يجلس بعيدا يتابع المشهد من إحدى زوايا المنصّة ، أو في النّهار وهو يتوضّأ للصّلاة .
وفي أحد الأيّام ، حين دبّ اليأس في نفوس " القامارجية " و" السكارجية " ، وعلم بأمرهم " سي علي " أو" عمّي سيدي الشيخ " ، قام بجلب حسناوات، مائلات مميلات ، من قلب تلك المدينة الفاخرة . لتنشيط السّهرة تحت وهج أضواء " الڨانيا" الكاشفة .
لست أدري كيف غبت عن السّهرة في تلك اللّيلة المبهرجة ؟
لعلّي كنت في أحد المقاهي المجاورة كعادتي ، أفتّش بين الصّفوف وتحت الطّاولات عن بعض بقايا السّجائر .