أصحيح قولهم:"اتق شر من أحسنت إليه"؟ (مقالة).

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    أصحيح قولهم:"اتق شر من أحسنت إليه"؟ (مقالة).

    أصحيحٌ قولُهم:"اتقِ شرَّ من أحسنتَ إليه"؟
    (مقالة)

    1- دار أمس، السبت، بخلدي موضوعُ زعمِ الناس "اتق شر من أحسنت إليه"، ومع أن هذا النص ليس حديثا نبويا وإنما هو مثل من الأمثال المتداولة الشائعة على ألسنة الناس، فقد أحببت الكتابة فيه لمناقشته، ثم تذكرت أنه قد سبق لي الحديث فيه وعنه في مقالة سابقة إلا أنني لم أجدها هنا في الملتقى الأدبي فلعلها هناك في الملتقى الفكري المغلق، للأسف الشديد، حتى الآن، ما حفزني على كتابة موضوعي "
    غلق الملتقى الفكري شبيه بالحجر الفكري" إذ ليس أصعب على كاتب من أن يُمنع من مقالاته بعدما استهلك فيها قسطا من وقته و من فكره كأنه محجور عليه.

    2- وإلى أن يفرج عن الملتقى المغلق فأتمكن من إعادة النظر فيما كتبتُ، أعود الآن إلى كلامي عن المقولة المذكورة، فهل صحيح ما يُزعم من توقي الشر من الذين نحسن إليهم؟ أرى، والله أعلم، أن الناس في فعل الخير صنفان: 1) صنف يؤمن بالله تعالى ويفعل الخير لوجهه الكريم وينتظر الأجر منه سبحانه؛ و2) صنف قد يؤمن بالله لكنه يفعل الخير لوجوه الناس ولكسب رضاهم واعترافهم وشكرهم، فإن هم لم يَشكروا، أو إن هم أساءوا الفعل بعد تلقي الخير، قيل لهم، في وجههم أو في غيبتهم:"اتق شر من أحسنت إليه"، كأن فاعل الخير نادم على الخير الذي فعل.

    3- وهنا محل المناقشة: إن المسلم الموقن يفعل الخير ولا ينتظر الأجر إلا من الله تعالى وحده شعاره: {
    إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}(الإنسان:#9) أما غير المسلم عموما، أو المسلم غيرُ الموقن بالله تعالى، فإنه يفعل الخير، إن فعله، وينتظر الجزاء من الناس ولذا تجده متأسفا، أو نادما، أو ناقما، وحتى حاقدا على الشخص الذي لم يكافئ خيرَه فيصفعه بقوله:"اتق شر من أحسنت إليه"؛ وعلى القائل لهذا أن يتذكر دائما أنه معني بالمقولة الشائعة فلعله يُقَصِّر في شكر الناس فيرجموه بها في وجهه أو في غيبته مع أن "القاعدة" تقول:"لا يشكر الله من لا يشكر الناس".

    هذا وللحديث، إن شاء الله تعالى، بقية إن كان في العمر بقية .
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #2
    (تابع لما سبق)

    4- أرى أن المثل الشائع المتحدث عنه هنا من الأمثال السلبية التي تجعل الناس يفعلون الخير وهم يتوجسون الشر من الذين يفعلونه لهم، فتراهم يصنعون المعروف مشوبا بالمحذور المتوقع، وقد ينصرفون عن فعل الخير ألبتة لأنهم خائفون من الشر الذي سيلحقهم جراءه، وهذا في حد نفسه شر آخر، لأن العزوف عن فعل الخير مع القدرة عليه شر في نفسه، أو هو شر أول، مع أن صنائع المعروف لا تأتي إلا بالخير لكن شيوع مثل هذه الأمثال السلبية يجعل الناس يخشون فعل الخير حتى لا يقعون في الشر.

    5- ومن هنا يكون من الحكمة أن نتأمل ما يشيع في الناس من الأمثال التي تُتَناقل كأنها حقائق علمية ثابتة راسخة في الثقافة الشعبية فلا نروج لها بنقلها دون تحقيق وتمحيص ومناقشة فلعلنا بعد مناقشتها وتحليلها ونقدها نرفضها أو نقبلها إن كانت صحيحة إيجابية وهكذا نتعلم النقد قبل قبول أي قول حتى وإن كان شائعا رائجا بين الناس، فليس كل ما يضرب به المثل يصلح ليكون مثلا يُتصرَّف به في الحياة كالعُمْلة الصحيحة؛ ثم إن نقد مِثْل هذا المَثَل يجنبا الشعور بالخيبة التي تنتابنا إن نحن لم نتلق الشكر على معروف صنعناه.

    6- إن صانع المعروف المسلم الموقن بأن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا يعيش أبدا مرتاح البال، مطمئن الحال لأنه على يقين تام أن "
    صنائع المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ و الآفاتِ و الهلكاتِ، و أهلُ المعروفِ في الدنيا همْ أهلُ المعروفِ في الآخرةِ" كما ورد في الحديث النبوي الشريف؛ أما غير المسلم، أو المسلم غير الموقن، فإنه يبقى أبد الدهر خائفا يترقب الشر ممن يحسن إليهم، إن أحسن، فهو متعب دائما ويتألم وقد يعزف عن فعل الخير لأنه يتوقع الشر من الناس هذا إن كان ممن يفعل الخير وإن نادرا وقد لا يفعل الخير ألبتة اعتمادا على هذا المثل السلبي.

    (يتبع إن شاء الله تعالى إن لم يتعب)
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • مصباح فوزي رشيد
      يكتب
      • 08-06-2015
      • 1272

      #3
      السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، كيف حالكم سيدي الشيخ ؟ وكيف حال مدينة الورود في جو هذه الأيام الحارّة ؛ حدّثنا عنها قليلا وأوجز الوصف - سلّمكم الله -. أتمنّى أن أراها لكن الأصدقاء يقولون إن مدينتكم لم تعد كذلك ، بل أصبحت جرداء بعدما غزاها الجراد . فهل هذا صحيح ؟
      لا علينا فهذا موضوع آخر يتطلّب الاختصاص في الأنثروبولوجيا والعلوم البشرية .
      أما بخصوص موضوعنا القائم ، فحلّه يكمن في الآية ( 63 ) من سورة الفرقان .
      وجوابه في ( مدارج السّالكين بين أيّاك نعبد وأيّاك نستعين ) .
      وخلاصته في ( ما كان لله دام واتّصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل ) .
      دمت بخير وصحّة وعافية ،
      والسّلام على من اتّبع الهدى .
      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 16-06-2019, 22:43.
      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة مصباح فوزي رشيد مشاهدة المشاركة
        السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالكم سيدي الشيخ؟ وكيف حال مدينة الورود في جو هذه الأيام الحارّة؛ حدّثنا عنها قليلا وأوجز الوصف - سلّمكم الله -. أتمنّى أن أراها لكن الأصدقاء يقولون إن مدينتكم لم تعد كذلك، بل أصبحت جرداء بعدما غزاها الجراد. فهل هذا صحيح؟ لا علينا فهذا موضوع آخر يتطلّب الاختصاص في الأنثروبولوجيا والعلوم البشرية.
        أما بخصوص موضوعنا القائم، فحلّه يكمن في الآية ( 63 ) من سورة الفرقان، وجوابه في ( مدارج السّالكين بين [منازل] إيّاك نعبد وإيّاك نستعين )، وخلاصته في ( ما كان لله دام واتّصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل ) .
        دمت بخير وصحّة وعافية، والسّلام على من اتّبع الهدى.
        وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
        أشكر لك مساهمتك الطيبة.
        أنا بخير والحمد لله، والجو في البُليْدة ربيعي رائع، وما قيل عنها خاطئ تماما إن كنت تقصد بالجراد الحشرة المعروفة أما إن قصدت غير هذا فالأمر مختلف، ومرحبا بك.
        الكلام في الموضوع ذو شجون وسأوصله إن شاء الله تعالى، ولم أجد في الآية المشار إليها في مداخلتك (
        #63 من سورة الفرقان) ما نحن بصدده من حديث.
        شكرا مرة أخرى وتحياتي إليك.

        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • حسين ليشوري
          طويلب علم، مستشار أدبي.
          • 06-12-2008
          • 8016

          #5
          (تابع لما سبق في 1 و2).

          7- ما يثير الحزن في النفس أن تداول المثل المعروض هنا يشي بالندم على فعل الخير، وهذا الشعور بالندم عند فاعل الخير خطير عليه هو نفسه لأنه قد يحبط العمل، وخطير على المجتمع إذ سيظن الناس أن فعل الخير جالب للشر حتما وليس في الأمر حتمية ألبتة، فمن فعل الخير ليقال له فاعل خير، أيا كان ذلك الخير، يدخل مباشرة في الرياء وهو محبط للعمل يوم القيامة وإن "استفاد" صاحبه منه في الدنيا، ولنذكر الحديث الكبير والخطير عن الثلاثة الذين تُسعَّر بهم النار يوم القيامة أولا وهم:"الذي طلب العلمَ وقرأ القرآنَ لغيرِ اللهِ ليقالَ: هو عالمٌ، و قارئٌ، والمقاتل ليقال عنه جريئ، والمنفق ماله ليقال عنه جواد" (الحديث صحيح مشهور) نسأل الله السلامة والعافية، آمين.

          8- قبول الأمثال والتصرف بها كأنها حقائق ثابتة غير مُجْدٍ وعلى المسلم أن يتحقق، قبل العمل، ليس من الأمثال فقط بل حتى من كثير من الأحاديث التي تنسب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهي موضوعة أو شديدة الضعف لا يجوز العمل بها ولاسيما في العقائد والعبادات، وفعل الخير من العبادات حتما، ولذا نجد جهابذة العلم يحققون الأحاديث ويدققون الأسانيد حتى صار الإسناد علما إسلاميا محضا لا وجود له في علوم الناس غير المسلمين مطلقا، والقصد هو التثبت من النصوص حتى يُعمل بها على بصيرة وقناعة ووعي وهذا هو الهدف من هذا العرض في هذا المتصفح المتواضع.

          9- وليس بعيدا عن موضوعنا هنا ما يُعرف من حديث "شعب الإيمان" التي أدناها إماطة الأذى عن الطريق:"
          الإيمانُ بضعٌ وستُّونَ شُعبةً، أو بِضعٌ وسبعونَ شُعبةً، فأرفَعُها لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عنِ الطَّريقِ، والحياءُ شُعبةٌ مِن الإيمانِ" (صحيح مسلم)، فهذا الحديث العظيم يُلحِق الأعمالَ بالإيمان، وهو ما يسمى "الإيمان العملي" في مقابل "الإيمان النظري"، وهذا حديث آخر لسنا بصدده هنا والآن، وإنما حديثنا عن قبول الأمثال بثقة عمياء دون تمحيص ولا تثبت واعتقاد صحتها وإشاعتها في الناس وهنا مكمن الخطر كله ولذا وجب التنبيه وفتح الباب للمناقشة إن حظي الموضوع باهتمام القراء.

          قراءة ممتعة إن شاء الله تعالى وإلى لقاء آخر مع موضوع آخر.
          sigpic
          (رسم نور الدين محساس)
          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

          "القلم المعاند"
          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

          تعليق

          يعمل...
          X