بكاء طفوله.jpg
لقد نسيت انه لديّ عمّتان أيضا، واحدة لا تزال على قيد الحياة وتسكن في البادية . وأما الأخرى فمتوفيّة ، ويفصل بيننا وبين بيتها الذي قبالتنا اسطبل ؛
من بين الأشياء التي بقي أثرها لدى بعض القرويين إلى ما بعد الاستقلال ، ظاهرة الاسطبلات المنتشرة داخل الأحياء والتجمّعات السّكنيّة ، وتؤكّد طبيعة النشاط الذي ميّز خلال مرحلة من الزّمن ، بعض العوائل التي تم تهجيرها بالقوّة من طرف جنود الاحتلال وإدارته في إطار خطط وتنفيذا لسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها لسنوات ، وانتقاما من هؤلاء البدو الذي لبّوا نداء الوطن وقدّموا ما عليهم من واجبات تجاه الثّورة المجيدة والثوّار الأحرار . فقام الجنود والعساكر بتهجير الآف المزارعين والرّعاة من المداشر والأماكن المعزولة إلى القرى والمجمّعات السكنيّة لعلّه بذلك يتخلّص من الثورة والثوّار. وبقيّ هؤلاء مرتبطين بنشاطهم البدائي ، يعتمدون على المواشي كمصدر وحيد للعيش ، ولم يكن لديهم شيء آخر يزاولونها . وبدأت ظاهرة الاسطبلات تتلاشى تدريجيا بعد الاستقلال ، ومع بروز حياة التمدّن شيئا فشيئا. ولم يعد من يحتفظ باسطبل داخل بيته إلاّ الفئة الضّعيفة والمحرومة .أما عن مكان الاسطبل الذي لحقت به في مطلع الستّينيّات ، ولم يتجاوز عمري حينها الست سنوات ، فكان عبارة عن حظيرة شاغرة يوجد بها ( شميني ) ، موقد تقليدي ومكان لإعداد ( الكسرة ) والتي هي عبارة عن خبز تقليدي يطهى على نار( الوقيد ) من الرّوث الصّلب . وليس بعيدا عنه ( بيت خلاء ) مكان محظي لقضاء الحاجة ، في غياب قنوات الصرف والبنى التّحتيّة.إن كان بيتنا من حجر وقرميد ، فإن بيت العمّة الذي يقابلنا، بيت هش ، من قش وتّراب . وزوجهاخضّار ، كان كلما عاد في المساء متعبا يرسل ابنه البكر إلى ( الرّحبة ) ، السّوق الوحيدة في القرية، ليقوم مكانه بتجميع صناديق الخضر والفاكهة في مستودع مشترك.
بداية الإنحراف ؛
لا تزال تلك الأمسيّة بين عينيّ هاتين ، تُذكّرني بأوّل تجربة من تجاربي المريرة في هذه الدّنيا"اللّعينة" ، حين طلب مني ابن عمّتي البكر هذا ، وأيضا من أخيه الذي يكبرني بسنتين أو ثلاث ، مرافقته إلى (الرّحبة) ، لأكتشف ولأول مرّة " أبغض الأماكن إلى الله " .
بعدما انتهينا من جمع الصناديق وحملناها إلى المكان المقصود ، وقع بصري على عشرات ، بل مئات القنينات والكراتين المعبّأة بالخمر تملأ المكان ، ولم يكن هناك من أحد سوانا نحن الثلاثة.
لم تر عيني قط مشهدا كهذا. ولم أتعوّد على رؤية مثله من قبل . فلم يكن لدينا تلفزيون يروّج لأشياء من هذا القبيل. ولا تدخل بيتنا المجلاّت التي تنشر مثلها من الصوّر . وكل ما وجدته أمامي حين فتحت عينيّ ، كتاب الله ، وبعض المخطوطات لجدّي " الطالب " ، شيخ زّواية ومعلّم قرآن ، أو بعض العناوين القديمة كجريدتي البصائر والشّهاب لسان حال جمعية العلماء المسلمين ، وحتى يوميّتي الشّعب والمجاهد كانت تأتينا من الأسواق في شكل قراطيس تلفّ أنواع السّلع.
لم أكن أعرف أنّي وقعت في فخ ، ولا أعلم أن ابليس اللّعين قد أحكم شباكه، ولا أدري مالذي ينتظرني من بني عمّتي مقابل مساعدتي لهما ، لكنّها مكافأة " كمكافأة بني يعقوب لأخيهم يوسف " ، إلاّ بعد خروجنا من (الرّحبة) ، وتناولي قنينة من أحدهما .
تلمّظتهاعن آخرها معتقدا انّي سأروي بها الظّمأ وما لحقني من التّعب .
تلكم كانت قصّتي ، مع أوّل تجربة لي أخرج فيها مع رفاق السّوء .
ألِفت الوحدة ولم تعد تخيفني . لست وحيدا وأنا أحمل صورا من الماضي الحزين . الحاضر جزء من هذه المعاناة . ليس بعد الآن ، فلم يعد لديّ ما أخسره .
أول ما فتحت عينيّ أّصبتُ بالتهاب جلدي ( إكزيما ) ، لا يزال أثر ، النّدبة ، في أعلى ذراعي اليسرى ، قبل أن ينتقّل إلى بقضية الأعضاء و الأطراف الأخرى . تقول المرحومة أمّي أن " عينا أصابتني " ؛ كم تعبت معي تلك المغبونة ، وسهرت اللّيالي الطّوال ولم يغمض لها جفن ، وهي تحاول تسكيني ببعض المعدّات على ندرتها .
كبرتُ على تلك الحالة أعاني ، و رقدت أيّاما بلياليها في أسرّة المستشفى، ولم يكن عمري حينها يتجاوز السادسة . ما زلت أحمل صورة ذاك العم ، صديق أبي الذي كان يحاول تسكيني .
نشأتُ في تلك المحنة أعاني ، و من الخلافات بين أمي وأبي ، والتي لا تريد أن تنتهي . لم تكن أمّي سعيدة كثيرا بزواجها من أبي الذي لم أتعوّد كثيرا على حضوره في البيت . بسبب مداومته في العمل ، فهو كان شرطيّا محترما . وحضوره كان يثير مخاوفي ، أتوجّس مخافة أن ينالني عقابه .
أتذكّر عندما تغوّطَتْ أختي الصّغيرة عليه ، فنزع بذلته "العزيزة " وألقى بها إلى أمي حتّى تقوم بتنظّيفها . كم انتظرت ذاك اليوم الذي ولدت لي أمي فيه هذه الأخت الصّغرى. لم يتكرّر الأمر معها بعد ذلك.
أبي رجل صارم معنا ، طيّب القلب مع الآخرين ، شديد الاعتناء بنفسه .أهابه كثيرا ، حتى أن بني عمومتي كانوا يسخرون منّي بسبب هذا الخوف الشديد.
لم تكن أمّي البدويّة متعلّمة، كونها نشأت في ظروف القهر في وقت الاستعمار. لكنّهاكانت تحاول دائما تهجّئة الحروف . ولم يكن لدينا سوى جهاز راديو صغير ، تعلّقه في صدر غرفة النوم الوحيدة ، بعيدا عنّي ، مخافة أن يقع في يدي فأعبث به. ولم يكن بيتنا المتواضع بذلك البيت الكبير ، كان يضمّ غرفتين صغيرتين متجاورتين فقط ، وباحة تتوسّطها دالية عِنب .
إحدى الغرفتين كانت لنا، وأما الأخرى فللجدّة " المسكينة " ؛
تُعاني جدّتي من الخرف ، ومن الرّعّاش أيضًا . وكم كنت أزعجها بحركاتي البهلوانيّة الطّائشة ، فتشكي من الدّوخة التي أسبّبها لها، ورغم ذلك كانت تحميني من أبي عندما يغضب منّي ومن أفعالي المشينة فيهمّ بي كي يضربني .
كان لديّ ثلاثة أعمام قبل وفاتهم الواحد تلو الآخر - رحمة الله عليهم جميعا – ، أبي أصغرهم . ولديّ من الأخوال ستةُ ذكور وخالتان ، كلّهم أحياء . كانوا الأقرب إليّ من غيرهم، لتواضعهم.
كم كنت محظوظا بانتمائي لهاتين العائلتين البدويّتين .
خلّف جدّي - من أبي – وراءه مرزعة ، بما فيها من مواشي وعتاد ، يشرف عليها عمّي الأكبر باعتباره وصيّ من بعده . وأما الأوسط فكان يرعى القطيع طول السّنة ، ولا ينام ولا يرتاح ولا يعود إلى البيت إلاّ متأخّرا . وأما الذي بعده فكانت مهمّته تتمثّل في قيّادة وصيانة العتاد المجرور ، باختلاف أنواعه وأحجامه ، ويتشكّل من جرّارين وآلة حصاد خشبيّة من الطّراز القديم وعدد من المحاريث والسّكك .
أما أخوالي فكانوا رعاة ، يعيشون على عدد محدود من رؤوس الماشية وممّا يجنونه من قمح أو شعير ، يزرعونه في بعض الأمتار المحدودة والمتفرّقة هنا أو هناك.
كنت شغوفا بحب البادية، لركوب الدّواب والجري وراء الكلاب .
في مزرعة البادية أُقام عمّي الأكبر العديد من الأفراح . تستغرق الأفراح عنده في المزرعة أياما وليالي ولا تنقطع. وأما الدّعوة فكانت عامّة . كما يحضرها بعض الوجوه من الوجهاء والأعيان .
لن أنسى تلك الأيام وتلك الأفراح ما حييت . وكم سررت حين أقام عمّي الأكبر عرسا لابنه الكبير ، وذاك المحفل البهيج الذي علت فيه صيحات الخيل والبارود ، وذاك التهليل والتكبير الذي نسمّيه نحن التّرحاب ، ولا يقدر عليه سوى الشيوخ الكبار والرّجال . دام العرس سبعة أيّام وليال بالتّمام والكمال .
تلكم كانت سيرتهم . ولأن الخير كان موجودا ؛
فزريبة المزرعة لا يكاد ينقطع فيها صيّاح المواشي ، من الأغنام والماعز والأبقار . ومطامرها المملوءة عن آخرها ، لا تكاد تخلو من القمح والشعير.
أماالأخوال فكنت بقلبي وروحي معهم ، استمتع بالقصص والأحاجي والنّكت ، وكانت زادي الذي كبرت عليه حتّى فارقتهم .
أول ما فتحت عينيّ أّصبتُ بالتهاب جلدي ( إكزيما ) ، لا يزال أثر ، النّدبة ، في أعلى ذراعي اليسرى ، قبل أن ينتقّل إلى بقضية الأعضاء و الأطراف الأخرى . تقول المرحومة أمّي أن " عينا أصابتني " ؛ كم تعبت معي تلك المغبونة ، وسهرت اللّيالي الطّوال ولم يغمض لها جفن ، وهي تحاول تسكيني ببعض المعدّات على ندرتها .
كبرتُ على تلك الحالة أعاني ، و رقدت أيّاما بلياليها في أسرّة المستشفى، ولم يكن عمري حينها يتجاوز السادسة . ما زلت أحمل صورة ذاك العم ، صديق أبي الذي كان يحاول تسكيني .
نشأتُ في تلك المحنة أعاني ، و من الخلافات بين أمي وأبي ، والتي لا تريد أن تنتهي . لم تكن أمّي سعيدة كثيرا بزواجها من أبي الذي لم أتعوّد كثيرا على حضوره في البيت . بسبب مداومته في العمل ، فهو كان شرطيّا محترما . وحضوره كان يثير مخاوفي ، أتوجّس مخافة أن ينالني عقابه .
أتذكّر عندما تغوّطَتْ أختي الصّغيرة عليه ، فنزع بذلته "العزيزة " وألقى بها إلى أمي حتّى تقوم بتنظّيفها . كم انتظرت ذاك اليوم الذي ولدت لي أمي فيه هذه الأخت الصّغرى. لم يتكرّر الأمر معها بعد ذلك.
أبي رجل صارم معنا ، طيّب القلب مع الآخرين ، شديد الاعتناء بنفسه .أهابه كثيرا ، حتى أن بني عمومتي كانوا يسخرون منّي بسبب هذا الخوف الشديد.
لم تكن أمّي البدويّة متعلّمة، كونها نشأت في ظروف القهر في وقت الاستعمار. لكنّهاكانت تحاول دائما تهجّئة الحروف . ولم يكن لدينا سوى جهاز راديو صغير ، تعلّقه في صدر غرفة النوم الوحيدة ، بعيدا عنّي ، مخافة أن يقع في يدي فأعبث به. ولم يكن بيتنا المتواضع بذلك البيت الكبير ، كان يضمّ غرفتين صغيرتين متجاورتين فقط ، وباحة تتوسّطها دالية عِنب .
إحدى الغرفتين كانت لنا، وأما الأخرى فللجدّة " المسكينة " ؛
تُعاني جدّتي من الخرف ، ومن الرّعّاش أيضًا . وكم كنت أزعجها بحركاتي البهلوانيّة الطّائشة ، فتشكي من الدّوخة التي أسبّبها لها، ورغم ذلك كانت تحميني من أبي عندما يغضب منّي ومن أفعالي المشينة فيهمّ بي كي يضربني .
كان لديّ ثلاثة أعمام قبل وفاتهم الواحد تلو الآخر - رحمة الله عليهم جميعا – ، أبي أصغرهم . ولديّ من الأخوال ستةُ ذكور وخالتان ، كلّهم أحياء . كانوا الأقرب إليّ من غيرهم، لتواضعهم.
كم كنت محظوظا بانتمائي لهاتين العائلتين البدويّتين .
خلّف جدّي - من أبي – وراءه مرزعة ، بما فيها من مواشي وعتاد ، يشرف عليها عمّي الأكبر باعتباره وصيّ من بعده . وأما الأوسط فكان يرعى القطيع طول السّنة ، ولا ينام ولا يرتاح ولا يعود إلى البيت إلاّ متأخّرا . وأما الذي بعده فكانت مهمّته تتمثّل في قيّادة وصيانة العتاد المجرور ، باختلاف أنواعه وأحجامه ، ويتشكّل من جرّارين وآلة حصاد خشبيّة من الطّراز القديم وعدد من المحاريث والسّكك .
أما أخوالي فكانوا رعاة ، يعيشون على عدد محدود من رؤوس الماشية وممّا يجنونه من قمح أو شعير ، يزرعونه في بعض الأمتار المحدودة والمتفرّقة هنا أو هناك.
كنت شغوفا بحب البادية، لركوب الدّواب والجري وراء الكلاب .
في مزرعة البادية أُقام عمّي الأكبر العديد من الأفراح . تستغرق الأفراح عنده في المزرعة أياما وليالي ولا تنقطع. وأما الدّعوة فكانت عامّة . كما يحضرها بعض الوجوه من الوجهاء والأعيان .
لن أنسى تلك الأيام وتلك الأفراح ما حييت . وكم سررت حين أقام عمّي الأكبر عرسا لابنه الكبير ، وذاك المحفل البهيج الذي علت فيه صيحات الخيل والبارود ، وذاك التهليل والتكبير الذي نسمّيه نحن التّرحاب ، ولا يقدر عليه سوى الشيوخ الكبار والرّجال . دام العرس سبعة أيّام وليال بالتّمام والكمال .
تلكم كانت سيرتهم . ولأن الخير كان موجودا ؛
فزريبة المزرعة لا يكاد ينقطع فيها صيّاح المواشي ، من الأغنام والماعز والأبقار . ومطامرها المملوءة عن آخرها ، لا تكاد تخلو من القمح والشعير.
أماالأخوال فكنت بقلبي وروحي معهم ، استمتع بالقصص والأحاجي والنّكت ، وكانت زادي الذي كبرت عليه حتّى فارقتهم .
لقد نسيت انه لديّ عمّتان أيضا، واحدة لا تزال على قيد الحياة وتسكن في البادية . وأما الأخرى فمتوفيّة ، ويفصل بيننا وبين بيتها الذي قبالتنا اسطبل ؛
من بين الأشياء التي بقي أثرها لدى بعض القرويين إلى ما بعد الاستقلال ، ظاهرة الاسطبلات المنتشرة داخل الأحياء والتجمّعات السّكنيّة ، وتؤكّد طبيعة النشاط الذي ميّز خلال مرحلة من الزّمن ، بعض العوائل التي تم تهجيرها بالقوّة من طرف جنود الاحتلال وإدارته في إطار خطط وتنفيذا لسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها لسنوات ، وانتقاما من هؤلاء البدو الذي لبّوا نداء الوطن وقدّموا ما عليهم من واجبات تجاه الثّورة المجيدة والثوّار الأحرار . فقام الجنود والعساكر بتهجير الآف المزارعين والرّعاة من المداشر والأماكن المعزولة إلى القرى والمجمّعات السكنيّة لعلّه بذلك يتخلّص من الثورة والثوّار. وبقيّ هؤلاء مرتبطين بنشاطهم البدائي ، يعتمدون على المواشي كمصدر وحيد للعيش ، ولم يكن لديهم شيء آخر يزاولونها . وبدأت ظاهرة الاسطبلات تتلاشى تدريجيا بعد الاستقلال ، ومع بروز حياة التمدّن شيئا فشيئا. ولم يعد من يحتفظ باسطبل داخل بيته إلاّ الفئة الضّعيفة والمحرومة .أما عن مكان الاسطبل الذي لحقت به في مطلع الستّينيّات ، ولم يتجاوز عمري حينها الست سنوات ، فكان عبارة عن حظيرة شاغرة يوجد بها ( شميني ) ، موقد تقليدي ومكان لإعداد ( الكسرة ) والتي هي عبارة عن خبز تقليدي يطهى على نار( الوقيد ) من الرّوث الصّلب . وليس بعيدا عنه ( بيت خلاء ) مكان محظي لقضاء الحاجة ، في غياب قنوات الصرف والبنى التّحتيّة.إن كان بيتنا من حجر وقرميد ، فإن بيت العمّة الذي يقابلنا، بيت هش ، من قش وتّراب . وزوجهاخضّار ، كان كلما عاد في المساء متعبا يرسل ابنه البكر إلى ( الرّحبة ) ، السّوق الوحيدة في القرية، ليقوم مكانه بتجميع صناديق الخضر والفاكهة في مستودع مشترك.
بداية الإنحراف ؛
لا تزال تلك الأمسيّة بين عينيّ هاتين ، تُذكّرني بأوّل تجربة من تجاربي المريرة في هذه الدّنيا"اللّعينة" ، حين طلب مني ابن عمّتي البكر هذا ، وأيضا من أخيه الذي يكبرني بسنتين أو ثلاث ، مرافقته إلى (الرّحبة) ، لأكتشف ولأول مرّة " أبغض الأماكن إلى الله " .
بعدما انتهينا من جمع الصناديق وحملناها إلى المكان المقصود ، وقع بصري على عشرات ، بل مئات القنينات والكراتين المعبّأة بالخمر تملأ المكان ، ولم يكن هناك من أحد سوانا نحن الثلاثة.
لم تر عيني قط مشهدا كهذا. ولم أتعوّد على رؤية مثله من قبل . فلم يكن لدينا تلفزيون يروّج لأشياء من هذا القبيل. ولا تدخل بيتنا المجلاّت التي تنشر مثلها من الصوّر . وكل ما وجدته أمامي حين فتحت عينيّ ، كتاب الله ، وبعض المخطوطات لجدّي " الطالب " ، شيخ زّواية ومعلّم قرآن ، أو بعض العناوين القديمة كجريدتي البصائر والشّهاب لسان حال جمعية العلماء المسلمين ، وحتى يوميّتي الشّعب والمجاهد كانت تأتينا من الأسواق في شكل قراطيس تلفّ أنواع السّلع.
لم أكن أعرف أنّي وقعت في فخ ، ولا أعلم أن ابليس اللّعين قد أحكم شباكه، ولا أدري مالذي ينتظرني من بني عمّتي مقابل مساعدتي لهما ، لكنّها مكافأة " كمكافأة بني يعقوب لأخيهم يوسف " ، إلاّ بعد خروجنا من (الرّحبة) ، وتناولي قنينة من أحدهما .
تلمّظتهاعن آخرها معتقدا انّي سأروي بها الظّمأ وما لحقني من التّعب .
تلكم كانت قصّتي ، مع أوّل تجربة لي أخرج فيها مع رفاق السّوء .
شيئان ، ولا أخطر على الإنسان منهما ؛ الخمر والجنس .
أما الأول فقد حصل لي الشرف معه .
وأما الثاني فيبدو لي أنّه في الطّريق .
في مجتمع تجرّع الحريّة فلما بدأ يستطعمها قام يبحث عن الحياة . لم تكن هناك سلطة دينيّة ، ولا " ضبطية " أخلاقيّة ، ولأن فرنسا لم تترك من ورائها سوى العبث ، و لائكية مدنيّة خبثة .
لم نكن نعرف من الدين يومها سوى الصلاة والصيام .
نشأتُ في جو ذاك العبث . وأبي الذي انشغل عنّي ، كان متلهّفا للوظيفة يحبّها أكثر من أيّ أحد .
وأمي التي لم تكن لها تجربة كبيرة في الحياة ، كنتُ أنا " ممّو عينِها " ، كما كانت دائما تحب أن تقول . سامحها الله ، كانت لا تسمح لأي أحد أن يعبث ولو بشعرة واحدة من شعرات رأسي . مهما كنت على خطأ أو صواب . فكانت بالنسبة لي هي الحصن الحصين الذي الجأ إليه حين يشتاط أبي . وكذلك كانت جدّتي المسكينة التي لطالما وقفت جنبي تمنعه ، رغم عجرها ومرضها الخطير .
بمرور الأيام والأعوام ، اكتسبت " خبرة كبيرة " في العبث ، و صارت لدي تجربة معه ، فغدونا متلازمين " كالمحاشم " - أجلّكم الله ورفع من قدركم - . وأين ما حل العبث قال لي " خذني يا حبيبي معك " .
كانت أمي تحب أن ترسلني إلى حانوت العم ( أحمد ) ؛ نعم العم ونعم الرّجل ذاك العم ( أحمد ) . كان خفيف الظل حاذقا يحب التنكيت والمزح . اقترض منه بعض الخضر والفواكه على أن يسدّد أبي ما علينا من مستحقّات عند نهاية كل شهر . كنت ، بعدما تعوّدت على كثر ة المُضيّ إليه ، اقترض منه أحيانا بعض الفاكهة دون علم أمي ، ثم أحملها إلى الرّفاق ، رفقاء السّوء من ذوي القربى والأصدقاء.
وتماديت في غيّي هذا ، فانقطعت حتى عن مزاولة الدراسة في الكُتّاب ، أو بالأحرى ( الجامع ) كما يُسمّى عندنا ، وهجرت اللوحة التي كانت سببا في حملي لبعض الأجزاء من السوّر . فلم أعد أرغب في حملها ومحوها من جديد .
علم أبي بحالي ، و كان على الدّوام متغيّبا ، بسبب سرّ ذاك العشق الذي بينه وبين الوظيفة . فلم يكن لديه من الوقت كالعادة ، لكي يحدّثني ويؤدّبني ، فيحسن تأديبي . ويبدو أنّه سلّم أمري لعمّي ، الوصي الأكبر ، على العائلة برمّتها والمزرعة وما فيها بعد وفاة المرحوم جدّي . وكان صعب المراس غليظ " الحاشية " ، فجاء من أقصى البادية يسعى ، وأخذ بيدي يجرني ، وأنهال علي بالضرب ، وأوسعني... إلى أن أدخلني على ( الطّالب ) ، شيخي ومعلّمي الذي أحفظ على يديه القرآن ، ووجدته في انتظاري .
وجدته كالعادة ، يهش بعصاه على زملائي الصبيان من" القدادشة " حفظة القرآن ، وغصن الزيتون يتمايح بين يديه .
استقبلني بابتسامة صفراء تخفي المكر من ورائها ، فعلمت أن موعدي مع " الفلقة " قد حان .
أما الأول فقد حصل لي الشرف معه .
وأما الثاني فيبدو لي أنّه في الطّريق .
في مجتمع تجرّع الحريّة فلما بدأ يستطعمها قام يبحث عن الحياة . لم تكن هناك سلطة دينيّة ، ولا " ضبطية " أخلاقيّة ، ولأن فرنسا لم تترك من ورائها سوى العبث ، و لائكية مدنيّة خبثة .
لم نكن نعرف من الدين يومها سوى الصلاة والصيام .
نشأتُ في جو ذاك العبث . وأبي الذي انشغل عنّي ، كان متلهّفا للوظيفة يحبّها أكثر من أيّ أحد .
وأمي التي لم تكن لها تجربة كبيرة في الحياة ، كنتُ أنا " ممّو عينِها " ، كما كانت دائما تحب أن تقول . سامحها الله ، كانت لا تسمح لأي أحد أن يعبث ولو بشعرة واحدة من شعرات رأسي . مهما كنت على خطأ أو صواب . فكانت بالنسبة لي هي الحصن الحصين الذي الجأ إليه حين يشتاط أبي . وكذلك كانت جدّتي المسكينة التي لطالما وقفت جنبي تمنعه ، رغم عجرها ومرضها الخطير .
بمرور الأيام والأعوام ، اكتسبت " خبرة كبيرة " في العبث ، و صارت لدي تجربة معه ، فغدونا متلازمين " كالمحاشم " - أجلّكم الله ورفع من قدركم - . وأين ما حل العبث قال لي " خذني يا حبيبي معك " .
كانت أمي تحب أن ترسلني إلى حانوت العم ( أحمد ) ؛ نعم العم ونعم الرّجل ذاك العم ( أحمد ) . كان خفيف الظل حاذقا يحب التنكيت والمزح . اقترض منه بعض الخضر والفواكه على أن يسدّد أبي ما علينا من مستحقّات عند نهاية كل شهر . كنت ، بعدما تعوّدت على كثر ة المُضيّ إليه ، اقترض منه أحيانا بعض الفاكهة دون علم أمي ، ثم أحملها إلى الرّفاق ، رفقاء السّوء من ذوي القربى والأصدقاء.
وتماديت في غيّي هذا ، فانقطعت حتى عن مزاولة الدراسة في الكُتّاب ، أو بالأحرى ( الجامع ) كما يُسمّى عندنا ، وهجرت اللوحة التي كانت سببا في حملي لبعض الأجزاء من السوّر . فلم أعد أرغب في حملها ومحوها من جديد .
علم أبي بحالي ، و كان على الدّوام متغيّبا ، بسبب سرّ ذاك العشق الذي بينه وبين الوظيفة . فلم يكن لديه من الوقت كالعادة ، لكي يحدّثني ويؤدّبني ، فيحسن تأديبي . ويبدو أنّه سلّم أمري لعمّي ، الوصي الأكبر ، على العائلة برمّتها والمزرعة وما فيها بعد وفاة المرحوم جدّي . وكان صعب المراس غليظ " الحاشية " ، فجاء من أقصى البادية يسعى ، وأخذ بيدي يجرني ، وأنهال علي بالضرب ، وأوسعني... إلى أن أدخلني على ( الطّالب ) ، شيخي ومعلّمي الذي أحفظ على يديه القرآن ، ووجدته في انتظاري .
وجدته كالعادة ، يهش بعصاه على زملائي الصبيان من" القدادشة " حفظة القرآن ، وغصن الزيتون يتمايح بين يديه .
استقبلني بابتسامة صفراء تخفي المكر من ورائها ، فعلمت أن موعدي مع " الفلقة " قد حان .
قبل أن يغتصب الدّخلاء الأرض العذراء وتغزو الخرسانة الطّبيعة الغنّاء ، كانت هناك حقول مفتوحة للاستجمام ومناظر خلاّبة بالمجّان ، وحدود عمراننا مزركشة بأنواع الأعشاب والنّبات والزهور من بنفسج و بوقرعون وأقحوان .
لم نكن نعاني يومها من قلق أو علّة مثلما هو الآن ، و لم يكن لدينا طبيب ولا صيدلية ولم نكن بحاجة إلى دواء ، وكل من يشتكي من ضرسه يجد شيخا عند رأسه أو عجوزا تسعفه ببعض الأعشاب فيتعافى و ينهض ، إن لم يسبقه أجل . وإذا جاء الأجل . فلا يغني عنده طبيب ولا يسمن دواء .
لكن الأمور لم تفلح معي ، وصدقت أُمّي حين قالت " أن عينا أصابتني " ، فلم تنفع معي أعشاب ولا دواء من الأدوية ، وبقيت أراقب ساقي اليسرى وهي تتعرّض للتعفّن .
لم تكن الحياة مركّبة ومعقّدة مثلما نراه وما نعيشه في هذه الأيام ، حياتنا كانت بسيطة " لاصخب فيها ولا نصب " ، و رغم الحاجة وقلّة ذات اليد .
كنا نحب ونعشق الحياة ، وإيماننا بها كان كبيرا ، فهي بالنسبة إلينا مثابة " سداد من عوز " .
لم أكن كثير الأكتراث بالنّقود ، ولم تكن لي فيها رغبة جامحة .
ما حاجة لي بالنّقود وحانوت العم ( أحمد ) موجود أقترض منه كل ما أشتهي وأحب .
فرقبة أبي سدّادة ، وأمّي الحصن الحصين ، وجدّتي المريضة ملجأي الأمين .
وأنا عند حسن ظن أمّي " المغيّبة " بي ، وأخلاّئي الفاسدين ، أحمل إليهم كل ما لذّ وطاب .
كم تراني متلهفّا للتملّص من البيت ، والفرار إلى اللّهو والعبث لا أبالي حينها إن متّ من جوع أوعطش .
في موسم الدّرس و الحصاد وبعد جني المحاصيل تكثر النّقود ؛
"مُخطئ من كان لا يظن أن للنّقود رائحة زكيّة ولا تثير الشهوة في قلوب الرّجال" .
في هذا الموسم البهيج تكثر الأعراس وتعمّ الأفراح ، فتُنصب الخيّم .
لم يكن لدينا مرافق ترفيهية ولا منتزهات ، وكل ما كان متوفرا لدينا ، عدد محدود من المقاهي وبعض المحلاّت .
كانت " الع¨انيا " أحلى هديّة ، وأكبر حدث بالنسبة إلينا بعد السّوق الأسبوعيّة ؛
تلكم " الجنّة " الدنيوية المتنقّلة عبر الحدود .
" الع¨انيا " كلمة إفرنجية تعني الرّبح ، وهي شبه مؤسّسة تبيع الأواني المنزلية وبعض الأجهزة والمعدّات ، و في المقابل تروّج للقمار تحت شعار " الـ يانصيب " ، ولم تر عيني واحدا من هؤلاء " القمارجيّة " ، الذين يقفون اللّيالي ينتظرون نصيبهم من هذا " اليانصيب " ، قد نالوا سوى الشقا و التّعب .
عندما حل موسم السّهرات واللّيالي الملاح ، زارتنا " الع¨انيا " الغالية من أرض المدينة المجاورة . وعلى رأسها مالكها الشّرعي " مول الع¨انيا " ؛ شيخ الشيوخ اسمه ( علي ) باختصار . لكن زملاؤه " القامارجية " ينادونه أحيانا " سي علي " ، وأحيانا " عمّي علي " ، وأحيانا أخرى " سيدي الشّيخ "، تملّقا وتزلّفا .
أتحيّن الفرصة كي أراه وأتعرّف إليه ، و لم أره سوى في إحدى المناسبتين ؛
في السّهرة حين يجلس بعيدا يتابع المشهد من إحدى زوايا المنصّة ، أو في النّهار وهو يتوضّأ للصّلاة .
وفي أحد الأيّام ، حين دبّ اليأس في نفوس " القامارجية " و" السكارجية " ، وعلم بأمرهم " سي علي " أو" عمّي سيدي الشيخ " ، قام بجلب حسناوات، مائلات مميلات ، من قلب تلك المدينة الفاخرة . لتنشيط السّهرة تحت وهج أضواء " الع¨انيا" الكاشفة .
لست أدري كيف غبت عن السّهرة في تلك اللّيلة المبهرجة ؟
لعلّي كنت في أحد المقاهي المجاورة كعادتي ، أفتّش بين الصّفوف وتحت الطّاولات عن بعض بقايا السّجائر .
عمي الرّاعي المغبون- الله يرحمه برحمته الواسعة - المسكين ، " عاش ماكسب مات ما خلاّ " . الناس الغلابة من القبور إلى القبور، والمحظوظين من القصور إلى القصور . لم ير عمي النور منذ نشأته ، على الأقل منذ عرفته .ولم ينل يوم راحة في حياته وعمره كان قد تجاوز الستّين . كأنه وُلد ليموت راعيا . كان طيّب القلب ، كتوم ، يستحي ، كأنه من كثرة الاستحياء خجول ، و الخجل كظاهرة تتميّز باحمرار الوجه طبعٌ نعاني منه جميعا تقريبا . وزوجته المسكينة كذلك ، أحيانا تبدو لي ذليلة من كثرة ما تعاني من الإقصاء و التهميس داخل العائلة الكبيرة ، لم ترزق سوى ببنت ، وربما كان هذا من بين الأسباب التي زاد في معاناتها الطّويلة مع تحقير سلفاتها لها ، بالرغم من انها تكبرهن سِنًّا . لكن السن والأخلاق ليست من الأشياء التي يمكن أن تردع الكنّات في تغوّلهن على بعضهن البعض داخل الأسرة الواحدة . لم ترزق زوجة عمّي هذه بولد ذكر ، يحمل الهم عن أبيه الرّاعي المنبوذ ، و يعوّض الأم المهمّشة عما فاتها ولحق بها .ومن لم ترزق بولد يكون سندا لها بين الكنّات فتلك معضلة " تابو " . وقد شجّع الأمر هذا ودفع بأحد الأعمام إلى تكرار الزّواج .
عمّي الرّاعي الذي ظلّ صامدا مؤمنا بقدر الله راضيا بقضائه ، لم يكن هناك من يدافع عنه سوى الجدّة التي كانت كلما ذهبت إلى البادية تتفقّده وزوجته المسكينة وطفلتها الصّغيرة ، و التي كانت قد " سُميّت" لي وهي لا تزال في المهد رضيعة ، عملا بالتقاليد والأعراف ، هكذا كانت تأمر التقاليد و الأعراف التي لا تؤمن بقضاء الله . جدتي كانت كثيرة البكاء " رجراجة " كما يروى عنها ، رقيقة القلب رهيفة المشاعر، لا تتحمّل قسوة القلب أو الظلم . وكانت ترى وتراقب الكنّات من بعيد ، وتقارن غنّجهن بحالة زوجة ولدها الرّاعي المزرية ، وتتألم في صمت . لكنها لا تسكت على الظّلم أبدا ، يُقال ان جدي مات غضبانا عليها بسبب كثرة نزاعاتها مع الكنّات . حياة البؤس والشقاء التي تعاني منها أسرة عمي الرّاعي دفعت بجدتي إلى البكاء طويلا . وكاد يتسبب بكاؤها هذا في انتحار عمي الأكبر ، الوصي على المزرعة وعلى إخوته بعد رحيل جدّي ؛ ففي أحد الأيام وبعد عودته من مكّة المكرّمة وأدائه مناسك الحج ، أقدم عمّي على الانتحار ، " ورائحة مكّة لا تزال في لحمه و ثوبه" ، عندما ضجر من بكاء الجدّة ونحيبها الطويل الذي صدّعت به رؤوس الحاضرين ، من الزوار الذين كانوا في شوق إلى عمّي الحاج وهو يروي تفاصيل الشعائر بدقّة متناهية ، ويزيد عنها أشياء على سبيل الترفيه . لكن عويل الجدّة لم يرحمه ، فتسلّل من " دار الضيافة " دون أن يلفت إليه انتباه الحاضرين ، الذين انشغل بعضهم ببعض وآخرون منهم وجدوا في انصرافه فرصة للتلذّذ بما في الصحون التي تزيّن الطّاولة بانواع الحلوى من القاتو والمقروط والتّمر والفول السوداني " الكاوكاو " - كما يسمّى عندنا - يُشيّعونه ببعض الشّاي أو الحليب أوالقهوة كل حسب ذوقه ورغبته . كان عمّي الحاج حينها قد تسلّل إلى مكان معزول بالاسطبل المجاور، وصنع له من الحبل خرتة ، وعقدها ، وعلّق الحبل في إحدى الرّكائز الخشبية المتينة ، ووضع الحبل في عنقه ثم صعد فوق برميل حديدي وهمّ بإلقاء نفسه من أعلى البرميل .
لست أدري من أخبر بعض الزوّار ، هرعوا إليه ، وأمسكوا به قبل أن يشرف على الهلاك .
غفر الله لجدّتي فقد كانت رغم سنّها ومرضها وطيبة قلبها ، لكنّها " واعرة " جدًّا كما يقولون .
وفي أحد الأيام جاؤوا بعمّي الرّاعي المغبون من البادية ليلا ، بعدما انهكه المرض والتّعب و قلّة الرّاحة ، و يئسوا منه ، فدخلوا به علينا في بيتنا الذي في القرية ، ووضعوه فوق حصيرة حلفاء قديمة في إحدى زوايا الغرفة المهجورة . وتداول عليه المشعوذون و" الطُلْبة " ، من المشايخ الذين يكرّرون الآيات بألسنتهم دون أن نفقه عنهم شيئا ، وممّن يعزّمون دون أن نفهم منهم شيئا .
لكن العم المسكين أراد أن يخالف القاعدة هذه المرّة ، ليأخذ إجازة ولآوّل مرّة ، تاركا وراءه علامات استفهام ؟؟؟ .
لم نكن نعاني يومها من قلق أو علّة مثلما هو الآن ، و لم يكن لدينا طبيب ولا صيدلية ولم نكن بحاجة إلى دواء ، وكل من يشتكي من ضرسه يجد شيخا عند رأسه أو عجوزا تسعفه ببعض الأعشاب فيتعافى و ينهض ، إن لم يسبقه أجل . وإذا جاء الأجل . فلا يغني عنده طبيب ولا يسمن دواء .
لكن الأمور لم تفلح معي ، وصدقت أُمّي حين قالت " أن عينا أصابتني " ، فلم تنفع معي أعشاب ولا دواء من الأدوية ، وبقيت أراقب ساقي اليسرى وهي تتعرّض للتعفّن .
لم تكن الحياة مركّبة ومعقّدة مثلما نراه وما نعيشه في هذه الأيام ، حياتنا كانت بسيطة " لاصخب فيها ولا نصب " ، و رغم الحاجة وقلّة ذات اليد .
كنا نحب ونعشق الحياة ، وإيماننا بها كان كبيرا ، فهي بالنسبة إلينا مثابة " سداد من عوز " .
لم أكن كثير الأكتراث بالنّقود ، ولم تكن لي فيها رغبة جامحة .
ما حاجة لي بالنّقود وحانوت العم ( أحمد ) موجود أقترض منه كل ما أشتهي وأحب .
فرقبة أبي سدّادة ، وأمّي الحصن الحصين ، وجدّتي المريضة ملجأي الأمين .
وأنا عند حسن ظن أمّي " المغيّبة " بي ، وأخلاّئي الفاسدين ، أحمل إليهم كل ما لذّ وطاب .
كم تراني متلهفّا للتملّص من البيت ، والفرار إلى اللّهو والعبث لا أبالي حينها إن متّ من جوع أوعطش .
في موسم الدّرس و الحصاد وبعد جني المحاصيل تكثر النّقود ؛
"مُخطئ من كان لا يظن أن للنّقود رائحة زكيّة ولا تثير الشهوة في قلوب الرّجال" .
في هذا الموسم البهيج تكثر الأعراس وتعمّ الأفراح ، فتُنصب الخيّم .
لم يكن لدينا مرافق ترفيهية ولا منتزهات ، وكل ما كان متوفرا لدينا ، عدد محدود من المقاهي وبعض المحلاّت .
كانت " الع¨انيا " أحلى هديّة ، وأكبر حدث بالنسبة إلينا بعد السّوق الأسبوعيّة ؛
تلكم " الجنّة " الدنيوية المتنقّلة عبر الحدود .
" الع¨انيا " كلمة إفرنجية تعني الرّبح ، وهي شبه مؤسّسة تبيع الأواني المنزلية وبعض الأجهزة والمعدّات ، و في المقابل تروّج للقمار تحت شعار " الـ يانصيب " ، ولم تر عيني واحدا من هؤلاء " القمارجيّة " ، الذين يقفون اللّيالي ينتظرون نصيبهم من هذا " اليانصيب " ، قد نالوا سوى الشقا و التّعب .
عندما حل موسم السّهرات واللّيالي الملاح ، زارتنا " الع¨انيا " الغالية من أرض المدينة المجاورة . وعلى رأسها مالكها الشّرعي " مول الع¨انيا " ؛ شيخ الشيوخ اسمه ( علي ) باختصار . لكن زملاؤه " القامارجية " ينادونه أحيانا " سي علي " ، وأحيانا " عمّي علي " ، وأحيانا أخرى " سيدي الشّيخ "، تملّقا وتزلّفا .
أتحيّن الفرصة كي أراه وأتعرّف إليه ، و لم أره سوى في إحدى المناسبتين ؛
في السّهرة حين يجلس بعيدا يتابع المشهد من إحدى زوايا المنصّة ، أو في النّهار وهو يتوضّأ للصّلاة .
وفي أحد الأيّام ، حين دبّ اليأس في نفوس " القامارجية " و" السكارجية " ، وعلم بأمرهم " سي علي " أو" عمّي سيدي الشيخ " ، قام بجلب حسناوات، مائلات مميلات ، من قلب تلك المدينة الفاخرة . لتنشيط السّهرة تحت وهج أضواء " الع¨انيا" الكاشفة .
لست أدري كيف غبت عن السّهرة في تلك اللّيلة المبهرجة ؟
لعلّي كنت في أحد المقاهي المجاورة كعادتي ، أفتّش بين الصّفوف وتحت الطّاولات عن بعض بقايا السّجائر .
عمي الرّاعي المغبون- الله يرحمه برحمته الواسعة - المسكين ، " عاش ماكسب مات ما خلاّ " . الناس الغلابة من القبور إلى القبور، والمحظوظين من القصور إلى القصور . لم ير عمي النور منذ نشأته ، على الأقل منذ عرفته .ولم ينل يوم راحة في حياته وعمره كان قد تجاوز الستّين . كأنه وُلد ليموت راعيا . كان طيّب القلب ، كتوم ، يستحي ، كأنه من كثرة الاستحياء خجول ، و الخجل كظاهرة تتميّز باحمرار الوجه طبعٌ نعاني منه جميعا تقريبا . وزوجته المسكينة كذلك ، أحيانا تبدو لي ذليلة من كثرة ما تعاني من الإقصاء و التهميس داخل العائلة الكبيرة ، لم ترزق سوى ببنت ، وربما كان هذا من بين الأسباب التي زاد في معاناتها الطّويلة مع تحقير سلفاتها لها ، بالرغم من انها تكبرهن سِنًّا . لكن السن والأخلاق ليست من الأشياء التي يمكن أن تردع الكنّات في تغوّلهن على بعضهن البعض داخل الأسرة الواحدة . لم ترزق زوجة عمّي هذه بولد ذكر ، يحمل الهم عن أبيه الرّاعي المنبوذ ، و يعوّض الأم المهمّشة عما فاتها ولحق بها .ومن لم ترزق بولد يكون سندا لها بين الكنّات فتلك معضلة " تابو " . وقد شجّع الأمر هذا ودفع بأحد الأعمام إلى تكرار الزّواج .
عمّي الرّاعي الذي ظلّ صامدا مؤمنا بقدر الله راضيا بقضائه ، لم يكن هناك من يدافع عنه سوى الجدّة التي كانت كلما ذهبت إلى البادية تتفقّده وزوجته المسكينة وطفلتها الصّغيرة ، و التي كانت قد " سُميّت" لي وهي لا تزال في المهد رضيعة ، عملا بالتقاليد والأعراف ، هكذا كانت تأمر التقاليد و الأعراف التي لا تؤمن بقضاء الله . جدتي كانت كثيرة البكاء " رجراجة " كما يروى عنها ، رقيقة القلب رهيفة المشاعر، لا تتحمّل قسوة القلب أو الظلم . وكانت ترى وتراقب الكنّات من بعيد ، وتقارن غنّجهن بحالة زوجة ولدها الرّاعي المزرية ، وتتألم في صمت . لكنها لا تسكت على الظّلم أبدا ، يُقال ان جدي مات غضبانا عليها بسبب كثرة نزاعاتها مع الكنّات . حياة البؤس والشقاء التي تعاني منها أسرة عمي الرّاعي دفعت بجدتي إلى البكاء طويلا . وكاد يتسبب بكاؤها هذا في انتحار عمي الأكبر ، الوصي على المزرعة وعلى إخوته بعد رحيل جدّي ؛ ففي أحد الأيام وبعد عودته من مكّة المكرّمة وأدائه مناسك الحج ، أقدم عمّي على الانتحار ، " ورائحة مكّة لا تزال في لحمه و ثوبه" ، عندما ضجر من بكاء الجدّة ونحيبها الطويل الذي صدّعت به رؤوس الحاضرين ، من الزوار الذين كانوا في شوق إلى عمّي الحاج وهو يروي تفاصيل الشعائر بدقّة متناهية ، ويزيد عنها أشياء على سبيل الترفيه . لكن عويل الجدّة لم يرحمه ، فتسلّل من " دار الضيافة " دون أن يلفت إليه انتباه الحاضرين ، الذين انشغل بعضهم ببعض وآخرون منهم وجدوا في انصرافه فرصة للتلذّذ بما في الصحون التي تزيّن الطّاولة بانواع الحلوى من القاتو والمقروط والتّمر والفول السوداني " الكاوكاو " - كما يسمّى عندنا - يُشيّعونه ببعض الشّاي أو الحليب أوالقهوة كل حسب ذوقه ورغبته . كان عمّي الحاج حينها قد تسلّل إلى مكان معزول بالاسطبل المجاور، وصنع له من الحبل خرتة ، وعقدها ، وعلّق الحبل في إحدى الرّكائز الخشبية المتينة ، ووضع الحبل في عنقه ثم صعد فوق برميل حديدي وهمّ بإلقاء نفسه من أعلى البرميل .
لست أدري من أخبر بعض الزوّار ، هرعوا إليه ، وأمسكوا به قبل أن يشرف على الهلاك .
غفر الله لجدّتي فقد كانت رغم سنّها ومرضها وطيبة قلبها ، لكنّها " واعرة " جدًّا كما يقولون .
وفي أحد الأيام جاؤوا بعمّي الرّاعي المغبون من البادية ليلا ، بعدما انهكه المرض والتّعب و قلّة الرّاحة ، و يئسوا منه ، فدخلوا به علينا في بيتنا الذي في القرية ، ووضعوه فوق حصيرة حلفاء قديمة في إحدى زوايا الغرفة المهجورة . وتداول عليه المشعوذون و" الطُلْبة " ، من المشايخ الذين يكرّرون الآيات بألسنتهم دون أن نفقه عنهم شيئا ، وممّن يعزّمون دون أن نفهم منهم شيئا .
لكن العم المسكين أراد أن يخالف القاعدة هذه المرّة ، ليأخذ إجازة ولآوّل مرّة ، تاركا وراءه علامات استفهام ؟؟؟ .
حين خرجت إلى هذا العالم تفوّهت بكلمات غريبة . ثم غبت عن وعيي . حين خرجت إلى الدنيا قالت المرحومة عنّي أنّني غصتُ بمعنى غِبتُ عن وعيي ، وكنت أردّد عبارة " الجنّة في النّار " ، فارعبها كلامي ، لغزي المحيّر ، فهرعتْ تطلب النّجدة من سلفاتها . مازلت لحد الآن أتذكّر هذه القصّة الغريبة التي روتها المرحومة أمّي ، ولم أنس من كلامها حرفا واحدا. . المرحومة أُمّي التي عُرفت بالصدق والوفاء في حياتها، ويعرفها الكثير ممّن خالطها بأنها لا تحب كثرة اللّغو و اجترار الكلام ، لكنها في المقابل كانت مستمعة جيّدة ، تتابع الأخبار من خلال الرّاديو المعلّق في الغرفة، و تحب أيضا سماع القصص والروايات ، والأغاني الشرقيّة ، والفلكلور الجميل ، ولم تُفوِّتْ حكاية واحدة من حكايات التونسي (عبد العزيز العروي ) ، ولا حصّة من حصص سيّدة المطبخ (ساميا ) الجزائرية ، ولا حديث صباح واحد ، من الأحاديث الدّينية التي كان يرويها باكرا شيخها الرّاحل ( محمّد كتو) رحمة الله عليه . كما كانت تستأنس بالنسوة حين يرويْن لها قصصهن عن رؤية الأشباح المرعبة ليلا ، وكنتُ أتظاهر بالنّوم خلالها وأتابع الحديث بشغف . ورثت عن المرحومة ذات الفضول والهوس . ورويت خيالي الجامح بتلك الأحاجي والقصص ، و كنت أحب سماعها وأنا مازلت في بداية العهد والمشوار، وتنامى خيالي كما تنامى الزرع الذي قبال بيتنا . وحين كبرتُ صار لديّ عالم موّازي ، وقدرة عجيبة على رؤية الأشياء دون غيري ، و جيوش جرّارة تفوق كل الجيوش ، فكانت تحيّيني عند رؤيتي وتتبعني ، أينما حللت وارتحلت . ولو كنت حينها أعرف أن هناك قضيّة اسمها فلسطين ، لكنت قد حرّرت أرض الإسراء والمعراج في لمحة بصر. كانت المرحومة والدتي تتربّج بي وتقول عنّي أنّني لست ككل الأطفال ، لِما لمسته من فطنة كانت لديّ وذكاء ، وملامحي الجميلة ، فقد كنت بهي الطّلعة . لكن الآن ، بعدما كبرت وفقدت تلك الملامح الجميلة ، وغزى الشّيب ذقني ورأسي ، وضاعت منّي كل الحيل ، وفقدت زهرة العمر والشباب ... أدركتُ مليّا معنى ذاك الغنج وذاك الدلال ، والذي حظيت به حين كنت ولدا عزيزا على اُمّي . كانت لديّ قدرة عجيبة ، وعالم خفيٌّ لا يراه غيري ، وجيوشٌ جرّارة تفوق كل الجيوش العربية . هرمتُ بعدها ، وانشغلت عن معاينة عالمي الموازي ، ففقدت السيطرة على تلك الجيوش التي كانت ترافقني وتخصُّني بالتحيّة . لكن أكثر ما غاضني ، تضييع أوقاتي في اللهو والفراغ ، وصحبة التافهين والأشرار ، وشبابي الذي ضاع في الملاهي والملذّات . فافتقدت تلك القوّة الكامنة التي ساقها الله لي ولم أرعها حقّ الرّعاية .كان بمقدوري أن أجسّد كل ما كنت أراه ولم يره غيري ؛ أجوب العالم بقارّاته الخمس ، وأغوص في أعماق محيطاته البعيدة وبحاره السبعة ، فاستخرج الكنوز الدّفينة ، وأفك عنه الألغاز والأسرار وأنا أردّد كلمات فرقة ( سكوربيونز ) الشهيرة :
" الوقت .. أحتاج إلى الوقت " .
تعليق