لم يبقَ من الوفاء سوى بعضٌ من السجائر ، تأتيها من أحد المعارف ، أصحاب الوشوم الذين يكتمون الأسرار.
سرّ ( نينا ) العفيفة أنها تعرّضت للغدر والخيانة من قبل الأشرار .
مع كل سيجارة تأخذها ، تتخلّص البنت الحسناء ( نينا ) من وجوه الكلاب التي لا تتعفّف ولا تعرف معنى الوفاء ، من أصحاب الأموال الذين يدفعون لها مقابل تنازلها عن جسدها الضّعيف.وأصحاب الياقات البيضاء الأشراف ، وفي الحقيقة هم أحقر الناس منازل ، جاؤوا ليتخلّصوا من نزواتهم الحيوانية حين تختلي بهم ( نينا ) فلا يراهم أحد . وتركن بعدها المغبونة بإحدى الزّوايا تحت أنوار الملهى الخافتة ، تعدّ أنفاسها في لحظة ألم ، مثلما تفعل الفريسة بعدما تتخلّص منها الوحوش الضّاريّة .
نينا ليست بالضرورة بائعة هواء أو شريرة ، وكم من (نينا ) في هذه الدنيا اللّعينة فقدت عذريتها بسبب ذئاب أو كلاب لا ترحم ، لأن الذّئاب البريّة أحيانا ما تكون أشرف من بعض الكلاب الأليفة.
لم تكن( نينا ) سوى إنسانة بروح وقلب ينبض بالأماني والأمل .
قبل أن ألتقي بها ، وأتعرّف عليها ، كانت ( نينا ) تزور والدتي في المستشفى ، وتتودّد إليها . وفي إحدى المرّات جاءت رفقة أختها الصّغرى وبنت خالة المرحومة والدتي التي ظلّت ترعى أمّي و تتفقّدها كل صباح ومساء في ذات المستشفى . وفي هذا اليوم بالذّات، وعلى غير المعتاد ، جئتُ قبل الموعد لأخْذِ الوقت الكافي . حين أردت الانصراف ، همستْ لي والدتي الطيّبة - رحمة الله عليها - : " مازال الحال طويل . زيد شويّة " .
لم أكن أنتظر مجيئهنّ الثلاثة . كأنَّ شيئا ما كان قد حُبِك من ورائي اا؟
كل الأمور من حولنا كانت مهيّئة .
طلبتُ من صِهري الذي كان رفقتي أن يعطيني مفاتيح سيارته الصّغيرة التي لا تسع لأكثر من " حبيبين " على الأكثر .
حملتُهن الثلاثة ، وخرجنا نتبضّع ، بحثا عن أيّ شيء يُيسّر لنا سبل التعارف .
أعجبتني التي ركبت خلفي ، وكنت أستمتع بجمال عينيها السوداوين الواسعتين و تغرها المتبسّم .
شيء ما بداخلي ظلّ يلحّ عليّ : " كم أضعت من فرصة أيّها الحقير التّافه " .
أجبته في الحال: " لن أغفر لنفسي إن ضاعت منّي هذه المرّة " ، ومددت يدي اليمنى إلى المرآة العاكسة ، ورمقتُها بنظرة العاشق الولهان : " ما أسمك أيّتها الحسناء الجميلة ؟ " .
بنبرة صوتها المشحون ردّت : " اسمي نينا أيّها الوسيم الظّريف " .
تشجّعت على الكلام وتماديت في السّؤال: " نينا أم نايْنا كما في الأفلام ؟ " .
ضحكت طويلا ثمّ علّقت على كلامي: " كما تُحب " .
ما علاقتي بهذه الحسناء سوى المكتوب الذي جمعنا ، ووالدتي التي لها علاقة بخذا الاسم ، وتريد أن توقعني في شباكها ، ربّما ؟ ؛
في نهاية الستينيّات ، كانت هناك سينما في القرية ، و كانت تحملني المرحومة كل مساء معها لنشاهد الأفلام الهندية سويّا ، ولم يكن ذلك ممنوعا حتّى على النّساء والصبيان حينها.
لايزال كلام أمّي عن ( نايْنا ) ، والحب الذي تكنّه لتلك الممثّلة البطلة يرنّ في ذهني .
صرنا نمرُّ الآن على المكان ذاته فلا نرى منه سوى باب حديدي متآكل ، يشكي حاله مع الصّدأ ، يروي لنا قصّته مع متلحّفات الملاية السوداء ، ظللّن يراودنه طيلة أعوام .
لم يبقَ من تلك الأيّام سوى بعض الوجوه الشّاحبة ، أو الأسماء التي لايزال أصحابها يصارعون من أجل البقاء .
قبل أن يتم التّرويج لمسرح قرطاج العالمي ، كان هناك مسرح هواء طلق حين كانت مدينتنا قرية متواضعة . وكانت النّساء تحضرنه رفقة أولادهن ، الكبار منهم والصغار وحتى الرضّع .
مافتئت المرحومة تحملني معها كُلّما أرادت قضاء السّهرة بعيدا عن مشاغل البيت .
بعدما أضحت القرية ملجأً للدّخلاء الانتهازيين ، وغزاها الأثرياء بخرساناتهم الصمّاء ، وتبوّلوا اسمنتًا في أرجائها، فلم نعد نرى من مسرح الهواء الطّلق الذي ظلّ ينبض بالحياة طيلة أعوام ، سوى اسمنت باهت ووجوه تبعث على الكآبة .
تبكي العين حين ترى أطفالا أبرياء يتمرّغون ، تمرّغ البهائم في التّراب، ليس لديهم مكان لإبراز مواهبهم التي منحهم الله أيّاها.
حينما كانت المدينة الأثرية مسرحا للسوّاح الأجانب ، كنا صغارا نتنقّل عبر الوفود ؛ كم غنّينا ورقصنا ، ومرحنا واحتفينا ، وتعلّمنا أشياء كثيرة ، وجلسنا طويلا على مدارج مسرحها الفخم .
لم نكن نعرف قيمة الآثار يومها ، لكن " الشيخ " الغريب الذي عيّرنا بالآثار حين زار مسجدنا العتيق ، قال كلاما لا يليق بمدينتنا الأثرية ، مقلّلاً من شأنها، ليقتل ذاك الحب فينا ، والذي ظلّ لسنين يراودنا . لكن ما قصّتي مع الجميلة الحسناء ، وما سِرّ الاسم الذي تحمله ؟ا
تخلّصنا من الحمل الثّقيل الذي كان قد منعنا من البوح بالمشاعر الدّفينة طيلة الوقت .
تطرّفنا قليلا نريد الابتعاد عن الأنظار .
عرّجنا على الكورنيش ، واخترنا أحد المطاعم الشرقية .
سادت بيننا فترة من الصّمت ، صمت رهيب قاتل ، إلى أن جاءنا الخادم متثاقلا وبيده باقة من مشموم الفل ( أو الياسمين ) ، قبل أن يقدّم لنا قائمة الطّعام .
انفتحت شهيّتي للكلام ، لكن ( نينا ) لم تجب على كل الأسئلة ، واحتفظت لنفسها ببعض الأسرار ريثما يحين موعد لقاء جديد .
تعاهدنا على الوصال قبل حتّى أن تحين لحظة الفراق .
بعد أيام عرِفتُ المكان الذي سأجد فيه غريمتي الغامضة ، فتوجهتُ رفقة زميلي الذي يعلوني شأنا إلى الحرم الجامعي .
طلبنا العنوان من عون الأمن الذي لم يتوان في طلب إحداهن بدوره ، فجاءت أخت الجميلة الحسناء ( نينا ) تمشي على استحياء ، سألتها عن أختها فلم ترد ، ولم تكترث لسؤالي ، وفتحت باب السيّارة ، وهمّت بالجلوس في المقعد الخلفي .
طلبتُ من رفيقي إيقاف المحرك وينتظر ريثما أحصلُ على الإجابة الشّافيّة من أختها.
أكذب إن قلتُ لها إنّني أبحث عن إقامة علاقة جادّة معها ، ورغم ذلك أريدها تكون حاضرة أمامي ، وبكل أسف أقولها ، ورغبة وشوق .
ليس هو ذاك الحب الذي عشته ذات يوم ، ولكنه نوع من الفضول يدفعني لمعرفة المزيد عن هذه الفتاة.
ركبتُ رأسي : " لن أبرح المكان حتّى تأتي " .
بقيت متشنّجا ، لكن ثابتا على نفس المبدأ، أعدُّ الدّقائق والثواني والأعشار ... وفي الأخير هاهي قادمة وقد لاح خيالُها من بعيد ؛
جاءت تهرول كأنها خرجت من سباق ، تحاول كتم أنفاسها ، مُحكِمة قبْضتها على حقيبة اليد حتّى لا تُفلت منها ، خوفا عليها وعلى ما فيها من أسرار ،ربما .
أدركت عندها ، أن أختها هي من أخبرتْها على مضض ولم تكن ترغب في حضورها وقعدت على مضد لمّا عرفت أنها ستأتي لا محالة وأنها في طريقها إلينا ، فلم تجد أفضل من أن تحجز مكانة لها و لو في الخلف ، فالفرصة قد لا تتكرّر ، ولا مجال للإيثار .
منعرجات الطريق تطوّق سلسلة الجبال من كل جانب، كالعقد الذي في رقبة ( نينا ).
في أدنى الأرض هناك مطعم ، " لاكارافيلا " الشّهير ، جوهرة مفقودة في الكورنيش الجميل ، والذي يعود له الفضل في تسمية المدينة بذات الاسم .
إخترنا نحن الأربعة الجلوس جنب النّافذة المطلّة على بحر المتوسّط ، نراقب الأمواج العاتية طيف تصفع الصخور بكل قواها محدثة صخبا يشبه صوت الكمان الأجهر الغليظ ، ثم تنسحب تاركة وراءها رغاوي بيضاء ، كرغاوي الصّابون ، تتحول الرّغاوي شيئا فشيئا إلى ما يشبه " الشّنينة " أو اللّبن ؛
حين كنت طفلا صغيرا ، وكانت الحرف التقليدية هي السّائدة قبل أن تغزوها المعلّبات بأغذيتها الوخيمة ، تعوّدتُ على رؤية الحرائر يخضَضْن شكوى معلّقة ويصنعن من الحليب أو اللّبن ما يُسمّى " شنينة " و لايكْلِلْن ولايملُلْن طول النّهار من الخض والمواويل .
جنب النّافذة المطلّة على أديم المتوسّط الأزرق ، يروي لنا البحر قصة وجوده " السرمدي " .
تقول لي نينا إنّها لأول مرّة تخرج مع رجل . أنظر إلى تلك المزحة !
مثل هذا الكلام الذي لا ينطلي حتى على الصغار الرضّع ، وهي من كانت وراء الموعد و أوصلتنا إلى المكان الذي نحن الآن فيه ، هذا المكان الذي لا يبعد كثيرا عن الإقامة الجامعية .
مكان رائع بكل المقاييس لكل من يبحث عن الرومانسية وتحرير المشاعر الأسيرة وتمضية الأوقات الجميلة ، بغض النّظر عن الرّفيق .
سحر المشاهد لم يترك لنا فرصة للكلام ، لكن توتُّر الأمواج المتزايد ، وتلاشي زرقة البحر تدريجيا، وأنوار المصابيح التي بدأت تطلع علينا من كل جانب كنبات الفطر ، ولباقة النّادل الواقف طول الوقت غير بعيد عنا يراقبنا ولسان حاله يقول " بامكانكم الانصراف " ... كل ذلك ، ثم أنّه كان لا بد من وضع حدٍّ لهذه المشاعر الجيّاشة حتّى لا ننسى أنفسنا.
أردت أن اختمها بنوع من الهزل . قلت للبنت : " ( نينا ) مُدِّي يدكِ " . مدت يدها ، وربما كانت تتمنى أن ترى فيها الحنّة مثل كل البنات وبخاصّة الأمّهات ، وكل الحق للأمّهات المكابدات في رؤية بناتهن مبتهجات وبزي العرائس . لكن الذّئاب الفتّاكة لا تنصرف حتّى تترك بصماتها ملطّخة بفرائسها .
ردّت بصوتها الدافئ الحنون : " هل تقرأ الكف ؟ " .
أمسكت عن الضّحك ، كي أبدو جادّا فيما أقول :
" شوفي يابنت الحلال اسمك نينا صح ؟ "
قالت : " إيه "
استطردتُ : " اسمك جميل وصاحبته حنونة وتحب الضحك والهزار. صح ؟"
أومأت برأسها أن : " نعم " .
" لديك إرادة تكسر الحجر . صح ؟"
تمايحت قليلا كالسكران ولم تنبس ببنت شفة .
واصلتُ كلامي دون انقطاع : " نينا رومانسية ، لديها روح المسؤولية ، تحب الخير للآخرين ، تكره النّفاق والكذب وتحب الصّراحة وتعمل بالنّصيحة "
قلتُ : " .صح ؟"
أخذت نفسا طويلا كأنّما تنفّست الصّعداء.
" شوفي يابنت الحلال الشخص الذي أمامك متزوّج وله أربعة أطفال والخامس إن شاء الله في الطّريق".
أشار صديقي إلى النادل : " الحساب من فضلك ؟ " ، فجاء يحمل ظرفا في طبق فضّي اللّون .
تظاهرتُ بإدخال يدي في جيب البنطلون ، فحلف ياليمينات السبع ، والعشر . وزاد عليها رقبة أمّه وأبيه، وخيّرني بين صحبته أو السماح له بتسوية الحساب ، ولإن صديقي داهية ويعرف كل أسراري تقريبا ، فأراد أن ينقذ الموقف بطريقته الخاصّة ليبعد عنّي شبهة الإفلاس .
في النهاية كان لابد أن يختار كل زوج طريقه ، تقدّمتُ إلى فتاتي الحسناء قبل أن يسبقني إليها أحد، أفوز بنفسي قبل أن يغيّر صاحبي رأيه ويدركني النّادل " الهربة للرجال منعة " - ههههه - " كما يقول المثل .
في طريق الكرنيش واجهتُها بكلامي القديم المتجدّد : " قلت لكِ الشخص الذي أمامك .. ؟ " ، ورحت أحاول أن أكمل الكلام فقاطعتني بابتسامة الواثقة من نفسها : " متزوّج وله أربعة أطفال والخامس إن شاء الله في الطّريق . صح ؟ . أعرف كل ذلك " .
من اخبرها بهذه التفاصيل ؟
ليس هناك سوى والدتي سامحها الله أو ابنة خالتها حسبي الله فيها ونعم الوكيل .
ازداد اليقين بأن هناك أمورا تجري من خلفي أنا في غِنًى تامٍّ عنها .
شرد ذهني وذهبت بعيدا، وكبرت شكوكي ، وبان الارتباك على وجهي .
انتبهتْ لأمري وأرادت قطع الشك باليقين : " أكون ممتنّة لك إذا ذهبت معي إلى أبي " ، و أردفتْ تقول : " مجرّد حضورك أمامه يكفي ." .
راحت تكرّر نفس الكلام وتتوسّل لي ، رغم انها لم تحصل بعد مني على ما يدفعها إلى هذا الرّهان المسبق وقد كنت صريحا معها في بداية ونهاية المشوار ولم اترك لها مجالا للمناورة ، وأنّ علاقتي بها لا تعدو أن تكون مجرد إعجاب واحترام لما رأيته منها وقامت به تجاه والدتي في المستشفى .
في النهاية لستُ مُجبرا على الذهاب معها إلى والدها لأتقمّص دور العريس وأخون ضميري التّعبان . الحمد لله أنّني لم أسقط بعد في شباك نزواتها اللّعينة وصنتها ونفسي من الانزلاق ، و لو كان هناك أحد غيري لما استطاع المقاومة .
ادركتُ بعدها ان وراء كل هذا الإصرار ألف حكاية وحكاية ، وأن المسكينة في ورطة ما ، وانها تريد أن تتذرّع بي لتعالج مشاكلها العائلية .
طلبتُ منها أن تزوّدني بكل شيئ عنها وعن أسرتها ، فأنا لاأعرف عنها الكثير .
اطلعتني على عنوانها الأصلي ، وزوّدتني بمعلومات تخصّها ، لا دخل لي فيها ، وعلى الخلافات التي بين أبويها ، وأن والدتها لا تحبّ أباها الإطار الكبير في إحدى الدّوائر الرّسميّة ، والسبب طرف ثالث ؛ وفي الطّريق قالت لي : " تعال أُعرّفك بصاحب أُمّي " ، وفي تلك الأيّام لم يكن الهاتف الخلوي موجودا بالأساس ، لكن كانت هناك أكشاك عمومية مزوّدة بهواتف أرضيّة .
أسرعتْ إلى أقرب كشك ، ونادته باسمه في رقم مُدوّن في قصاصة بالحبر الأزرق قامت بإخراجها من حقيبة اليد التي لم تفارق يدها منذ لقائنا الأوّل ، ثمّ بصوت واجف هتفتْ :
" آلو .. سي ( منير ) .. معايا ضيف حبّيت نعرّفو بيك " .
ويبدو أن الشّخص الذي كلّمته لم يتردّد كثيرا بعدما تعرّف على صاحبة الصوت الأجش ، فوافق تلقائيًّا على استقبالنا في الحال .
أمسكتْ بيدي وطلبت مني مرافقتها إلى سي ( منير ) ، هذا الذي كانت له علاقة حميميّة بوالدتها ذات مرّة ، حسب روايتها ، وبقيتْ ( نينا ) تحمل القصّة عن والدتها ، وبقي سي ( منير ) " الشّهم " يحتفظ لأعوام بتلك المودّة .
" سي منير " لديه علاقات مميّزة تربطه ببعض الشّحصيّات والوجوه الكبيرة ، حسب كلام ( نينا ) ، من بينهم رئيس ديوان الوالي شخصيّا الذي يحمل الخاتم الرّسمي وبيده الحل والرّبط.
لذلك حرستْ البنت على الذّهاب إليه حتّى أتعرّف عليه ، وقالت لي إنه : " يستيطع منحنا شقّة بوسط المدينة " ، وكانت جازمة .
رحنا نهرول تارة ونتوقّف مرّة على مرّة ، وهي ممسكة بي حتى أفلت من يدها، وبيدها الأخرى حقيبة اليد التي بدأت تفشي ببعض من أسرارها ، إلى أن عثرنا على المكان المكتوب في القصاصة التي تحمل رقم الهاتف والعنوان ، وبتوجيه من المارّة أدركنا المبنى .
حين وصلنا إلى الباب أردتُ الولوج معها فلم يُسمح لي ، وبقيتُ وحدي في الخارج ، كالصّبي ، أنتظر حتّى تعود من عند سي ( منير ) ؛ هذا الذي لا يعدو أن يكون سوى واحد من تلك الكلاب التي توظّفها الذّئاب البشرية في جلب واختيار ضحاياها .
غلبني الشعور بالوحدة ، فابتعدت قليلا عن باب العمارة وألقيت ظهري على الحائط أستعيد أنفاسي وما تبقّى لي من رباطة جأش ، ورحت أشغل نفسي بالمكان ومن فوق الرّصيف وفي الطّريق ، بعدما تناءتْ عنّي التي كانت أُنسًا لي ، فبقيتُ وحدي بلا رفيق .
انتظرت طويلا علّني أحصل على إشارة من البنت أو يُؤذن لي بالدّخول ، حتّى نفذ الصّبر منّي ولم يعد بإمكاني تقبّل ما أنا فيه .
لم أتمالك نفسي ، فرجعت إلى العمارة وقرعت الباب بشدّة .
انفرج الباب قليلا و بدا لي شبح رجل ، ليس هو بالشيخ الكبير ولا بالشاب الصّغير، تأكّدت من خلال ملامح وجهه ومظهره المحترم ، الذي يدلّ على أن الرّجل مدلّل يعيش في بحبوحة ، وازداد يقيني حين طلب منّي دون تردّد أن أتبعه ولم يسألني حتّى عن اسمي ولا عن سبب حضوري وقرْعِ الباب بتلك القوّة... أنّه "هو"، صاحبنا الذي قدِمنا من أجله .
تبدو العمارة للنّاظر إليها من الخارج أنّها قابلة للسّكن ، وهي في الدّاخل لا تتوفّر على أدنى الشروط ، الفنيّة والصحيّة .
وأمّا عن السّلالم الخشبية المؤدّية إلى أعلى البناية فحدّث ولاحرج ، جد مهترئة ولم تعد تتحمل المزيد ؛ كيف لشخص مثل " سي منير الشّهم " ، بتلك المواصفات التي ذكرتها ( نينا) ، أن يسكن في عمارة قديمة معرّضة للسّقوط ؟؟.
خطر ببالي المثل الشّائع لدينا : " يا لَمْزَوَّقْ من بَرَّة واشْ حَوَالَكْ من داخل " .
لم نذهب إلى يمين أو شمال ، ولم نصعد إلى أعلى ، فقد كان الرّجل حريصا على أن لا التفت إلى أيّة جهة وأدخلني في قبو ، أين وجدت نفسي في مكان شبه خالٍ إلاّ من البنت الحسناء ( نينا ) أو بعض المعدّات وآلات الألمنيوم .
تبيّن لي فيما بعد أنّ لصاحبنا علاقة بتجارة الألمنيوم ؛
أكاد أجزم للتو أن صديقنا " قوّاد محترف " يمارس تجارة " الرّقيق الأبيض " .
على الأقل هذا ما استخلصته في تلك اللّحظة .
تظاهرتْ ( نينا ) كأنّها لأوّل مرّة تحدّثه عنّي : " أعرّفك بصديقي ( رشيد ) .. ( رشيد ) هذا هو سي ( منير ) اللّي قلتلك عليه " .
رحبّ بي في بداية الأمر ، ثمّ أدخل يده في جيبه الدّاخلي وأخرج بطاقة زيارة تحمل [الاسم والعنوان ] و نوعية الحرفة [ نجارة الألومنيوم ] ورقم [ الهاتف ] وقال لي بالفرنسيّة : " إذا كنت بحاجة إلى أي شيء ، فلا تتردّد في الاتصال بي على الرّقم المذكور " .
أخذتُها منه شاكرا أيّاه على حفاوة الاستقبال ، وعدت إلى مكاني أنتظر ما سيسفر عنه اللّقاء .
أمثال هؤلاء " الكلاب " تجدهم في كل مكان ، وسطاء بين شريكين ؛ بائعات هوى الجنس و" مستذئبين " من الذين يشغلون مناصب حسّاسة في الدّولة وكل من يسير على خطاهم من إداريين وأساتذة يفتقدون إلى الأخلاق والضّمير... معظمهم يستغلّون مناصبهم الحسّاسة ويمارسون أنواع التحرّش والإرهاصات لأجل تلبية غرائزهم الحيوانيّة . وفي المقابل ، يحصل هؤلاء الوسطاء " الكلاب " من أمثال " سي منير " وغيره من اسيادهم المستذئبين على خدمات و مشاريع حقيقيّة وأخرى وهمية ، يجنون منها أرباحا خياليّة .
كم من عفيفة بنت أصول صعدت إلى الجامعة لتزاول تعليمها العالي طمعا في مستقبل أفضل ، أسقطوها دون إرادتها في شباك الهوى وممارسة الجنس .
ما ذنب ( نينا ) العفيفة الحسناء وأمثالها من الطالبات اللاّتي يعانين من أنواع التحرّش والإغراءات في صمت ، من قبل مسؤولين كبار وإداريين في مختلف القطاعات و أساتذة ومعلّمين ... عبثوا بعذريّتهن وشرفهن وهن في عمر الزّهور .
وأخريات خرجن يبحثن عن لقمة العيش فغدين في مستنقع الرّذيلة .
الآن أنا في حيرة بين أمرين أحلاهما مر ؛ إمّا أن أتشجّع وانسحب من المشهد الأخير وأنجو بنفسي ، وتتحمّل هي كل الآثار النفسيّة المترتّبة عن هذا الانسحاب .
أو أكمل مشواري معها وما تبقّى لي منه .
قصّة غريبة ؛ بطلتها بنت ضائعة ترتجي قلبا يحضُنَها ، و ما من قلبين في جوف واحد - أو كما جاء في الحديث - .
عندها يتحتّم عليّ تقبّل كل الآثار الوخيمة التي قد تنجم عن الانجرار وراء لعبة العاشقين " المشبوهة " هذه التي ستفقدني ثقة الزوجة والأبناء وتبعدني عنهم ، وما ذنب الزّوجة المغبونة والأبناء الأبرياء في كل ما يحصل و يتعرّض له الآباء ؟.
أصبحت أرى نفسي عبارة عن مهرّج أو دمية " قرقوز " تعبث بمصيرها ( نينا ) ومن معها خلف السِّتار . لست مغفّلا إلى هذا الحد ، ولن أقبل بالدّور الذي يريدونه لي .
خرجنا نتفسّح ، عروسان في شوارع المدينة لا يخصّنا سوى فرقة موسيقيّة تتبعنا ونحن نرقص على إيقاع إحدى أجمل أغانيها .
جلسنا جنب نافورة ، " نافورة العشّاق ( تريفي ) في روما " ، فقامت تردّد بعض ما تحفظه من أغاني بكل اللّغات الشرقية والغربية وحـتّى الهندية ، ممّا كانت تردّده كل ليلة حين تحلم بفارس أحلامها وقد جاءها ليخلّصها من عذاب هي فيه ، " نينا يا نينا .. حبّيناكِ حبّينا " ، ثم فجأة في الطريق ، توقّف شخص غريب بعربيّة نظيفة ، فتمسّكتْ بي : " أرجوك لا تنظر إليه " .
لكن صاحب العربية ألحّ في طلبها ولم يغادر مكانه .
لم تجد ( نينا ) بدّا من الذهاب إليه ، ودار حوار طويل بينهما .
بقيتُ أنا " ملاكها الحارس " أراقب المشهد من بعيد وأردّد الصلاة تلو الصّلاة خشية أن يصيبها مكروه . اِطْمَأَنْتُ أن ليس هناك ما يبعث على الخوف والقلق ، حين رأيت الشّخص الغريب كالطفل الوديع يسلّمها قصاصة أخرجها من جيبه ، فدسّتها البنت في حقيبة يدها محاولة إخفائها عنّي .
عادت متفائلة من بعد خوف استفزّها ، كأن لم يكن هناك شيء يحملها على الفزع ؛ " ما قصّتكِ مع كل هذه القصاصات يا بنت الحلال ( نينا ) ؟اا " - قلتها في نفسي ولم أبدها لها .
لم تعد ( نينا ) بتلك البراءة كما كنت أتصوّرها ، بعدما حاولت إيهامي بقصص اختلقتها لتبعد عن نفسها كل التّهم .
يبدو أن البنت تعمل على استدراجي إلى مربّع النّهاية الخطير لتحقّق ماتصبو إليه وتفوز في الأخير ، ولا يهمّها إن وقعتُ ، أنا السّاذج ، فريسة سهلة في شباك ألاعيبها، وهذا ما كنت أخافه وأحذر منه .
راحت تغريني بجملة من الوعود ؛ أنّها خيّاطة ماهرة ، وتتقن فن التطريز والحياكة ، وتعدني بفتح صالون بيع مربح لأنواع " قنادر " القفطان والقطيفة الغاليّة ...
قاطعتها " متهكّما " : " متى هذا يا نينا ؟ " .
ردّت بسرعة بديهة خارقة :" بعد عودتنا من شهر عسل نكون قد قضيناه في تونس ".
إذن هذا هو مرادُكِ منذ البداية يا " لَلاَّ " ؛ لا يعنيكِ سوى البحث عن سعادتِكِ وفرحتِكِ ، حتى ولو كان ذلك على حساب بؤس وشقاوة أسرة بكاملها . " ربِحْتَ وترِبتْ يداك يا سي رشيد " - هههه -
وماذا بعدها ؟
وما رأيكم أنتم أيّها السّادة ؛ أستمرُّ في لعب دور الكومبارس، أو أكتفي بنفسي فلا يهمّني قربها ولا يؤلمني بعدها ؟
شخصيّا لم أعد أعرف شيئا ، غير أن الدنيا ممتلئة بالكذب والنّفاق - كما قال أحدهم -
دارت الايام ، وانشغلتُ عنها ببعض من الواجبات و المهام ، على كثرتها . وذات صباح خطر ببالي الاتّصال بأحد المعارف . وكان ، هذا الشّخص القريب من عائلة ( نينا ) ، قد ذكّرني ذات مرّة باسمها واسم والدها و أفشى لي ببعض من أسرار العائلة وكذلك الخلافات التي بين الأب ، الإطار الكبير ، و زوجته " الخائنة " ، حسب قوله . وكُلّ الذي قاله لي وسمعته منه يوافق تماما ما كانت تُسِرُّه لي ( نينا ) ؛ من أن أمّها " الكريمة" تزوجتْ أباها " اللّئيم " لكثرة جاههِ ومالهِ ، وتعني بدلك زواج مصلحة .
لذلك لم تستقم حياة البنت ولم تعرف عيشة هنيّة في ظلّ الخلافات الكبيرة التي غذّاها الفرق الواضح في المستوى والأخلاق .
حين تَفْسُدَ العلاقة بين الزّوحين " لا تبكي ع اللّي راح ولكن ابكي ع اللي جاي " كما ورد في المثل .
للّذين يرون في الزّواج مجرّد نزوة عابرة ، أُحدّثكم عن نفسي وعن ( نينا ) وعن مأساة العشرات بل الالاف من أمثالي وأمثال البنت ، ممّن فسُدتْ معيشتهم بسبب فساد العلاقة التي بين أبويهم .
وقد كانت تُباع المرأة فيما مضى، كما تُباع الشاة . فلا يعرف العريس ماذا اشترى ولا تعرف الأنثى ماذا جرى . وترتّب عن هذه " المقايضة " بالآمال والأماني ، سوء التقدير ، ونشبت خلافات بين الآباء والأمّهات ولأتفه الأسباب ، والضّحيّة دائما هي الأنثى ، لضعفها . فعصفتْ رياح المواسم العصيبة ببيت الزّوجيّة وخرّ بمن فيه ، من أبناء أبرياء تحمّلوا عبء المشاكل وقسوة الحياة . وكما يقول المثل الشّهير عندنا :" الصُّلاّح تتصارع والسّخط يسقط على البرواق ". والمقصود بالصُلاّح هنا الثّيران المتصارعة ، وبنبات البرواق الهش الأبناء الأبرياء وهم في حالة ضعف . وانظروا إلى تلكم الثّيران حين تتصارع ، ماذا تخلّف وراءها اا؟.
فهل عرفتم الآن أيّها السّادة الكرام معنى الارتباط الفاسد بين الأبوين ، ومدى خطورته على مستقبل الأبناء؟.
لكن كثير منا - سامحهم الله - لا يرون في هذا الارتباط سوى الجانب الغريزي المحض .
ونريد أن نتكلّم بعد ذلك عن " قوام الأمّة واستقامة الأجيال " في ظلّ مفاهيم خاطئة عن طبيعة القِران ااا؟. فتحتُ الأجندة ، كل الأرقام فيها متشابهة عدا الذي أشرتُ إليه بالحرف اللاّتيني " آن "، وأعني به ( نينا ) باختصار .
وضعتُ اصبعي بشكل أفقي على أوّل رقم ثم أدرته إلى اليمين ، ورحت أكرّر نفس العملية مع بقيّة الأرقام .
رفعت السمّاعة ، وهتفتُ بلا تردّد : " آلو .. نينا ؟ " .
لكن دون جدوى .
لترُدَّ عليّ الكاسيت :" آسف .الرّقم الذي طلبتموه لم يعد في الخدمة " .
وفي أحد الأيّام التقيت بذات الشخص الذي حدّثتكم عنه آنفا ، وكان يستغلّ درجة القرابة التي بينه وبين أسرة ( نينا) المشتّتة ، ليفشي لي ببعض من أسرارها .
بلهفة المتشوّق المحتار سألتُه عنها : " ما أخبار البنت ؟ " .
ليخبرني بأنّها انحرفت عن جادّة الصّواب وسقطت في الرّذيلة .
لم أعرف عنكِ أيّتها الحسناء الجميلة سوى أنّكِ صاحبة مشاعر ، وروحكِ الطّاهرة التي ظلّت ترفرف في وِجدانِكِ المكسور، وحبّكِ للآخرين رغم خبثهم الشّنيع ، وشغفكِ الكبير بالحياة الذي تحدّيتِ به كل المآسي والصّعاب .
كم من " نينا " في بلدي ، وكم من فتاة بريئة في هذه الدّنيا اللّعينة ، سقطت فريسة سهلة في شباك ذئاب شرسة ، تغرز مخالبها في لحوم فرائسها الغضّة و تنهشها نهش النّسور للجيفة بمخالبها المقزّزة لتهرق شرفها وكرامتها ، ولا ترحم ؟
كم من الوقت يلزم ، لكي نعيد الاعتبار للأنثى ، بأنها إنسانة وليست فقط مجرّد نزوة؟
قتلوا ( نينا ) وحوّلو جثّتها إلى دمية جنسيّة ، وجرّدوها من كل مشاعرها النّبيلة .
لهف نفسي على ( نينا ) .
كيف حتّى أسقطوكِ في مستنقع الرّذيلة ؟اا
سرّ ( نينا ) العفيفة أنها تعرّضت للغدر والخيانة من قبل الأشرار .
مع كل سيجارة تأخذها ، تتخلّص البنت الحسناء ( نينا ) من وجوه الكلاب التي لا تتعفّف ولا تعرف معنى الوفاء ، من أصحاب الأموال الذين يدفعون لها مقابل تنازلها عن جسدها الضّعيف.وأصحاب الياقات البيضاء الأشراف ، وفي الحقيقة هم أحقر الناس منازل ، جاؤوا ليتخلّصوا من نزواتهم الحيوانية حين تختلي بهم ( نينا ) فلا يراهم أحد . وتركن بعدها المغبونة بإحدى الزّوايا تحت أنوار الملهى الخافتة ، تعدّ أنفاسها في لحظة ألم ، مثلما تفعل الفريسة بعدما تتخلّص منها الوحوش الضّاريّة .
نينا ليست بالضرورة بائعة هواء أو شريرة ، وكم من (نينا ) في هذه الدنيا اللّعينة فقدت عذريتها بسبب ذئاب أو كلاب لا ترحم ، لأن الذّئاب البريّة أحيانا ما تكون أشرف من بعض الكلاب الأليفة.
لم تكن( نينا ) سوى إنسانة بروح وقلب ينبض بالأماني والأمل .
قبل أن ألتقي بها ، وأتعرّف عليها ، كانت ( نينا ) تزور والدتي في المستشفى ، وتتودّد إليها . وفي إحدى المرّات جاءت رفقة أختها الصّغرى وبنت خالة المرحومة والدتي التي ظلّت ترعى أمّي و تتفقّدها كل صباح ومساء في ذات المستشفى . وفي هذا اليوم بالذّات، وعلى غير المعتاد ، جئتُ قبل الموعد لأخْذِ الوقت الكافي . حين أردت الانصراف ، همستْ لي والدتي الطيّبة - رحمة الله عليها - : " مازال الحال طويل . زيد شويّة " .
لم أكن أنتظر مجيئهنّ الثلاثة . كأنَّ شيئا ما كان قد حُبِك من ورائي اا؟
كل الأمور من حولنا كانت مهيّئة .
طلبتُ من صِهري الذي كان رفقتي أن يعطيني مفاتيح سيارته الصّغيرة التي لا تسع لأكثر من " حبيبين " على الأكثر .
حملتُهن الثلاثة ، وخرجنا نتبضّع ، بحثا عن أيّ شيء يُيسّر لنا سبل التعارف .
أعجبتني التي ركبت خلفي ، وكنت أستمتع بجمال عينيها السوداوين الواسعتين و تغرها المتبسّم .
شيء ما بداخلي ظلّ يلحّ عليّ : " كم أضعت من فرصة أيّها الحقير التّافه " .
أجبته في الحال: " لن أغفر لنفسي إن ضاعت منّي هذه المرّة " ، ومددت يدي اليمنى إلى المرآة العاكسة ، ورمقتُها بنظرة العاشق الولهان : " ما أسمك أيّتها الحسناء الجميلة ؟ " .
بنبرة صوتها المشحون ردّت : " اسمي نينا أيّها الوسيم الظّريف " .
تشجّعت على الكلام وتماديت في السّؤال: " نينا أم نايْنا كما في الأفلام ؟ " .
ضحكت طويلا ثمّ علّقت على كلامي: " كما تُحب " .
ما علاقتي بهذه الحسناء سوى المكتوب الذي جمعنا ، ووالدتي التي لها علاقة بخذا الاسم ، وتريد أن توقعني في شباكها ، ربّما ؟ ؛
في نهاية الستينيّات ، كانت هناك سينما في القرية ، و كانت تحملني المرحومة كل مساء معها لنشاهد الأفلام الهندية سويّا ، ولم يكن ذلك ممنوعا حتّى على النّساء والصبيان حينها.
لايزال كلام أمّي عن ( نايْنا ) ، والحب الذي تكنّه لتلك الممثّلة البطلة يرنّ في ذهني .
صرنا نمرُّ الآن على المكان ذاته فلا نرى منه سوى باب حديدي متآكل ، يشكي حاله مع الصّدأ ، يروي لنا قصّته مع متلحّفات الملاية السوداء ، ظللّن يراودنه طيلة أعوام .
لم يبقَ من تلك الأيّام سوى بعض الوجوه الشّاحبة ، أو الأسماء التي لايزال أصحابها يصارعون من أجل البقاء .
قبل أن يتم التّرويج لمسرح قرطاج العالمي ، كان هناك مسرح هواء طلق حين كانت مدينتنا قرية متواضعة . وكانت النّساء تحضرنه رفقة أولادهن ، الكبار منهم والصغار وحتى الرضّع .
مافتئت المرحومة تحملني معها كُلّما أرادت قضاء السّهرة بعيدا عن مشاغل البيت .
بعدما أضحت القرية ملجأً للدّخلاء الانتهازيين ، وغزاها الأثرياء بخرساناتهم الصمّاء ، وتبوّلوا اسمنتًا في أرجائها، فلم نعد نرى من مسرح الهواء الطّلق الذي ظلّ ينبض بالحياة طيلة أعوام ، سوى اسمنت باهت ووجوه تبعث على الكآبة .
تبكي العين حين ترى أطفالا أبرياء يتمرّغون ، تمرّغ البهائم في التّراب، ليس لديهم مكان لإبراز مواهبهم التي منحهم الله أيّاها.
حينما كانت المدينة الأثرية مسرحا للسوّاح الأجانب ، كنا صغارا نتنقّل عبر الوفود ؛ كم غنّينا ورقصنا ، ومرحنا واحتفينا ، وتعلّمنا أشياء كثيرة ، وجلسنا طويلا على مدارج مسرحها الفخم .
لم نكن نعرف قيمة الآثار يومها ، لكن " الشيخ " الغريب الذي عيّرنا بالآثار حين زار مسجدنا العتيق ، قال كلاما لا يليق بمدينتنا الأثرية ، مقلّلاً من شأنها، ليقتل ذاك الحب فينا ، والذي ظلّ لسنين يراودنا . لكن ما قصّتي مع الجميلة الحسناء ، وما سِرّ الاسم الذي تحمله ؟ا
تخلّصنا من الحمل الثّقيل الذي كان قد منعنا من البوح بالمشاعر الدّفينة طيلة الوقت .
تطرّفنا قليلا نريد الابتعاد عن الأنظار .
عرّجنا على الكورنيش ، واخترنا أحد المطاعم الشرقية .
سادت بيننا فترة من الصّمت ، صمت رهيب قاتل ، إلى أن جاءنا الخادم متثاقلا وبيده باقة من مشموم الفل ( أو الياسمين ) ، قبل أن يقدّم لنا قائمة الطّعام .
انفتحت شهيّتي للكلام ، لكن ( نينا ) لم تجب على كل الأسئلة ، واحتفظت لنفسها ببعض الأسرار ريثما يحين موعد لقاء جديد .
تعاهدنا على الوصال قبل حتّى أن تحين لحظة الفراق .
بعد أيام عرِفتُ المكان الذي سأجد فيه غريمتي الغامضة ، فتوجهتُ رفقة زميلي الذي يعلوني شأنا إلى الحرم الجامعي .
طلبنا العنوان من عون الأمن الذي لم يتوان في طلب إحداهن بدوره ، فجاءت أخت الجميلة الحسناء ( نينا ) تمشي على استحياء ، سألتها عن أختها فلم ترد ، ولم تكترث لسؤالي ، وفتحت باب السيّارة ، وهمّت بالجلوس في المقعد الخلفي .
طلبتُ من رفيقي إيقاف المحرك وينتظر ريثما أحصلُ على الإجابة الشّافيّة من أختها.
أكذب إن قلتُ لها إنّني أبحث عن إقامة علاقة جادّة معها ، ورغم ذلك أريدها تكون حاضرة أمامي ، وبكل أسف أقولها ، ورغبة وشوق .
ليس هو ذاك الحب الذي عشته ذات يوم ، ولكنه نوع من الفضول يدفعني لمعرفة المزيد عن هذه الفتاة.
ركبتُ رأسي : " لن أبرح المكان حتّى تأتي " .
بقيت متشنّجا ، لكن ثابتا على نفس المبدأ، أعدُّ الدّقائق والثواني والأعشار ... وفي الأخير هاهي قادمة وقد لاح خيالُها من بعيد ؛
جاءت تهرول كأنها خرجت من سباق ، تحاول كتم أنفاسها ، مُحكِمة قبْضتها على حقيبة اليد حتّى لا تُفلت منها ، خوفا عليها وعلى ما فيها من أسرار ،ربما .
أدركت عندها ، أن أختها هي من أخبرتْها على مضض ولم تكن ترغب في حضورها وقعدت على مضد لمّا عرفت أنها ستأتي لا محالة وأنها في طريقها إلينا ، فلم تجد أفضل من أن تحجز مكانة لها و لو في الخلف ، فالفرصة قد لا تتكرّر ، ولا مجال للإيثار .
منعرجات الطريق تطوّق سلسلة الجبال من كل جانب، كالعقد الذي في رقبة ( نينا ).
في أدنى الأرض هناك مطعم ، " لاكارافيلا " الشّهير ، جوهرة مفقودة في الكورنيش الجميل ، والذي يعود له الفضل في تسمية المدينة بذات الاسم .
إخترنا نحن الأربعة الجلوس جنب النّافذة المطلّة على بحر المتوسّط ، نراقب الأمواج العاتية طيف تصفع الصخور بكل قواها محدثة صخبا يشبه صوت الكمان الأجهر الغليظ ، ثم تنسحب تاركة وراءها رغاوي بيضاء ، كرغاوي الصّابون ، تتحول الرّغاوي شيئا فشيئا إلى ما يشبه " الشّنينة " أو اللّبن ؛
حين كنت طفلا صغيرا ، وكانت الحرف التقليدية هي السّائدة قبل أن تغزوها المعلّبات بأغذيتها الوخيمة ، تعوّدتُ على رؤية الحرائر يخضَضْن شكوى معلّقة ويصنعن من الحليب أو اللّبن ما يُسمّى " شنينة " و لايكْلِلْن ولايملُلْن طول النّهار من الخض والمواويل .
جنب النّافذة المطلّة على أديم المتوسّط الأزرق ، يروي لنا البحر قصة وجوده " السرمدي " .
تقول لي نينا إنّها لأول مرّة تخرج مع رجل . أنظر إلى تلك المزحة !
مثل هذا الكلام الذي لا ينطلي حتى على الصغار الرضّع ، وهي من كانت وراء الموعد و أوصلتنا إلى المكان الذي نحن الآن فيه ، هذا المكان الذي لا يبعد كثيرا عن الإقامة الجامعية .
مكان رائع بكل المقاييس لكل من يبحث عن الرومانسية وتحرير المشاعر الأسيرة وتمضية الأوقات الجميلة ، بغض النّظر عن الرّفيق .
سحر المشاهد لم يترك لنا فرصة للكلام ، لكن توتُّر الأمواج المتزايد ، وتلاشي زرقة البحر تدريجيا، وأنوار المصابيح التي بدأت تطلع علينا من كل جانب كنبات الفطر ، ولباقة النّادل الواقف طول الوقت غير بعيد عنا يراقبنا ولسان حاله يقول " بامكانكم الانصراف " ... كل ذلك ، ثم أنّه كان لا بد من وضع حدٍّ لهذه المشاعر الجيّاشة حتّى لا ننسى أنفسنا.
أردت أن اختمها بنوع من الهزل . قلت للبنت : " ( نينا ) مُدِّي يدكِ " . مدت يدها ، وربما كانت تتمنى أن ترى فيها الحنّة مثل كل البنات وبخاصّة الأمّهات ، وكل الحق للأمّهات المكابدات في رؤية بناتهن مبتهجات وبزي العرائس . لكن الذّئاب الفتّاكة لا تنصرف حتّى تترك بصماتها ملطّخة بفرائسها .
ردّت بصوتها الدافئ الحنون : " هل تقرأ الكف ؟ " .
أمسكت عن الضّحك ، كي أبدو جادّا فيما أقول :
" شوفي يابنت الحلال اسمك نينا صح ؟ "
قالت : " إيه "
استطردتُ : " اسمك جميل وصاحبته حنونة وتحب الضحك والهزار. صح ؟"
أومأت برأسها أن : " نعم " .
" لديك إرادة تكسر الحجر . صح ؟"
تمايحت قليلا كالسكران ولم تنبس ببنت شفة .
واصلتُ كلامي دون انقطاع : " نينا رومانسية ، لديها روح المسؤولية ، تحب الخير للآخرين ، تكره النّفاق والكذب وتحب الصّراحة وتعمل بالنّصيحة "
قلتُ : " .صح ؟"
أخذت نفسا طويلا كأنّما تنفّست الصّعداء.
" شوفي يابنت الحلال الشخص الذي أمامك متزوّج وله أربعة أطفال والخامس إن شاء الله في الطّريق".
أشار صديقي إلى النادل : " الحساب من فضلك ؟ " ، فجاء يحمل ظرفا في طبق فضّي اللّون .
تظاهرتُ بإدخال يدي في جيب البنطلون ، فحلف ياليمينات السبع ، والعشر . وزاد عليها رقبة أمّه وأبيه، وخيّرني بين صحبته أو السماح له بتسوية الحساب ، ولإن صديقي داهية ويعرف كل أسراري تقريبا ، فأراد أن ينقذ الموقف بطريقته الخاصّة ليبعد عنّي شبهة الإفلاس .
في النهاية كان لابد أن يختار كل زوج طريقه ، تقدّمتُ إلى فتاتي الحسناء قبل أن يسبقني إليها أحد، أفوز بنفسي قبل أن يغيّر صاحبي رأيه ويدركني النّادل " الهربة للرجال منعة " - ههههه - " كما يقول المثل .
في طريق الكرنيش واجهتُها بكلامي القديم المتجدّد : " قلت لكِ الشخص الذي أمامك .. ؟ " ، ورحت أحاول أن أكمل الكلام فقاطعتني بابتسامة الواثقة من نفسها : " متزوّج وله أربعة أطفال والخامس إن شاء الله في الطّريق . صح ؟ . أعرف كل ذلك " .
من اخبرها بهذه التفاصيل ؟
ليس هناك سوى والدتي سامحها الله أو ابنة خالتها حسبي الله فيها ونعم الوكيل .
ازداد اليقين بأن هناك أمورا تجري من خلفي أنا في غِنًى تامٍّ عنها .
شرد ذهني وذهبت بعيدا، وكبرت شكوكي ، وبان الارتباك على وجهي .
انتبهتْ لأمري وأرادت قطع الشك باليقين : " أكون ممتنّة لك إذا ذهبت معي إلى أبي " ، و أردفتْ تقول : " مجرّد حضورك أمامه يكفي ." .
راحت تكرّر نفس الكلام وتتوسّل لي ، رغم انها لم تحصل بعد مني على ما يدفعها إلى هذا الرّهان المسبق وقد كنت صريحا معها في بداية ونهاية المشوار ولم اترك لها مجالا للمناورة ، وأنّ علاقتي بها لا تعدو أن تكون مجرد إعجاب واحترام لما رأيته منها وقامت به تجاه والدتي في المستشفى .
في النهاية لستُ مُجبرا على الذهاب معها إلى والدها لأتقمّص دور العريس وأخون ضميري التّعبان . الحمد لله أنّني لم أسقط بعد في شباك نزواتها اللّعينة وصنتها ونفسي من الانزلاق ، و لو كان هناك أحد غيري لما استطاع المقاومة .
ادركتُ بعدها ان وراء كل هذا الإصرار ألف حكاية وحكاية ، وأن المسكينة في ورطة ما ، وانها تريد أن تتذرّع بي لتعالج مشاكلها العائلية .
طلبتُ منها أن تزوّدني بكل شيئ عنها وعن أسرتها ، فأنا لاأعرف عنها الكثير .
اطلعتني على عنوانها الأصلي ، وزوّدتني بمعلومات تخصّها ، لا دخل لي فيها ، وعلى الخلافات التي بين أبويها ، وأن والدتها لا تحبّ أباها الإطار الكبير في إحدى الدّوائر الرّسميّة ، والسبب طرف ثالث ؛ وفي الطّريق قالت لي : " تعال أُعرّفك بصاحب أُمّي " ، وفي تلك الأيّام لم يكن الهاتف الخلوي موجودا بالأساس ، لكن كانت هناك أكشاك عمومية مزوّدة بهواتف أرضيّة .
أسرعتْ إلى أقرب كشك ، ونادته باسمه في رقم مُدوّن في قصاصة بالحبر الأزرق قامت بإخراجها من حقيبة اليد التي لم تفارق يدها منذ لقائنا الأوّل ، ثمّ بصوت واجف هتفتْ :
" آلو .. سي ( منير ) .. معايا ضيف حبّيت نعرّفو بيك " .
ويبدو أن الشّخص الذي كلّمته لم يتردّد كثيرا بعدما تعرّف على صاحبة الصوت الأجش ، فوافق تلقائيًّا على استقبالنا في الحال .
أمسكتْ بيدي وطلبت مني مرافقتها إلى سي ( منير ) ، هذا الذي كانت له علاقة حميميّة بوالدتها ذات مرّة ، حسب روايتها ، وبقيتْ ( نينا ) تحمل القصّة عن والدتها ، وبقي سي ( منير ) " الشّهم " يحتفظ لأعوام بتلك المودّة .
" سي منير " لديه علاقات مميّزة تربطه ببعض الشّحصيّات والوجوه الكبيرة ، حسب كلام ( نينا ) ، من بينهم رئيس ديوان الوالي شخصيّا الذي يحمل الخاتم الرّسمي وبيده الحل والرّبط.
لذلك حرستْ البنت على الذّهاب إليه حتّى أتعرّف عليه ، وقالت لي إنه : " يستيطع منحنا شقّة بوسط المدينة " ، وكانت جازمة .
رحنا نهرول تارة ونتوقّف مرّة على مرّة ، وهي ممسكة بي حتى أفلت من يدها، وبيدها الأخرى حقيبة اليد التي بدأت تفشي ببعض من أسرارها ، إلى أن عثرنا على المكان المكتوب في القصاصة التي تحمل رقم الهاتف والعنوان ، وبتوجيه من المارّة أدركنا المبنى .
حين وصلنا إلى الباب أردتُ الولوج معها فلم يُسمح لي ، وبقيتُ وحدي في الخارج ، كالصّبي ، أنتظر حتّى تعود من عند سي ( منير ) ؛ هذا الذي لا يعدو أن يكون سوى واحد من تلك الكلاب التي توظّفها الذّئاب البشرية في جلب واختيار ضحاياها .
غلبني الشعور بالوحدة ، فابتعدت قليلا عن باب العمارة وألقيت ظهري على الحائط أستعيد أنفاسي وما تبقّى لي من رباطة جأش ، ورحت أشغل نفسي بالمكان ومن فوق الرّصيف وفي الطّريق ، بعدما تناءتْ عنّي التي كانت أُنسًا لي ، فبقيتُ وحدي بلا رفيق .
انتظرت طويلا علّني أحصل على إشارة من البنت أو يُؤذن لي بالدّخول ، حتّى نفذ الصّبر منّي ولم يعد بإمكاني تقبّل ما أنا فيه .
لم أتمالك نفسي ، فرجعت إلى العمارة وقرعت الباب بشدّة .
انفرج الباب قليلا و بدا لي شبح رجل ، ليس هو بالشيخ الكبير ولا بالشاب الصّغير، تأكّدت من خلال ملامح وجهه ومظهره المحترم ، الذي يدلّ على أن الرّجل مدلّل يعيش في بحبوحة ، وازداد يقيني حين طلب منّي دون تردّد أن أتبعه ولم يسألني حتّى عن اسمي ولا عن سبب حضوري وقرْعِ الباب بتلك القوّة... أنّه "هو"، صاحبنا الذي قدِمنا من أجله .
تبدو العمارة للنّاظر إليها من الخارج أنّها قابلة للسّكن ، وهي في الدّاخل لا تتوفّر على أدنى الشروط ، الفنيّة والصحيّة .
وأمّا عن السّلالم الخشبية المؤدّية إلى أعلى البناية فحدّث ولاحرج ، جد مهترئة ولم تعد تتحمل المزيد ؛ كيف لشخص مثل " سي منير الشّهم " ، بتلك المواصفات التي ذكرتها ( نينا) ، أن يسكن في عمارة قديمة معرّضة للسّقوط ؟؟.
خطر ببالي المثل الشّائع لدينا : " يا لَمْزَوَّقْ من بَرَّة واشْ حَوَالَكْ من داخل " .
لم نذهب إلى يمين أو شمال ، ولم نصعد إلى أعلى ، فقد كان الرّجل حريصا على أن لا التفت إلى أيّة جهة وأدخلني في قبو ، أين وجدت نفسي في مكان شبه خالٍ إلاّ من البنت الحسناء ( نينا ) أو بعض المعدّات وآلات الألمنيوم .
تبيّن لي فيما بعد أنّ لصاحبنا علاقة بتجارة الألمنيوم ؛
أكاد أجزم للتو أن صديقنا " قوّاد محترف " يمارس تجارة " الرّقيق الأبيض " .
على الأقل هذا ما استخلصته في تلك اللّحظة .
تظاهرتْ ( نينا ) كأنّها لأوّل مرّة تحدّثه عنّي : " أعرّفك بصديقي ( رشيد ) .. ( رشيد ) هذا هو سي ( منير ) اللّي قلتلك عليه " .
رحبّ بي في بداية الأمر ، ثمّ أدخل يده في جيبه الدّاخلي وأخرج بطاقة زيارة تحمل [الاسم والعنوان ] و نوعية الحرفة [ نجارة الألومنيوم ] ورقم [ الهاتف ] وقال لي بالفرنسيّة : " إذا كنت بحاجة إلى أي شيء ، فلا تتردّد في الاتصال بي على الرّقم المذكور " .
أخذتُها منه شاكرا أيّاه على حفاوة الاستقبال ، وعدت إلى مكاني أنتظر ما سيسفر عنه اللّقاء .
أمثال هؤلاء " الكلاب " تجدهم في كل مكان ، وسطاء بين شريكين ؛ بائعات هوى الجنس و" مستذئبين " من الذين يشغلون مناصب حسّاسة في الدّولة وكل من يسير على خطاهم من إداريين وأساتذة يفتقدون إلى الأخلاق والضّمير... معظمهم يستغلّون مناصبهم الحسّاسة ويمارسون أنواع التحرّش والإرهاصات لأجل تلبية غرائزهم الحيوانيّة . وفي المقابل ، يحصل هؤلاء الوسطاء " الكلاب " من أمثال " سي منير " وغيره من اسيادهم المستذئبين على خدمات و مشاريع حقيقيّة وأخرى وهمية ، يجنون منها أرباحا خياليّة .
كم من عفيفة بنت أصول صعدت إلى الجامعة لتزاول تعليمها العالي طمعا في مستقبل أفضل ، أسقطوها دون إرادتها في شباك الهوى وممارسة الجنس .
ما ذنب ( نينا ) العفيفة الحسناء وأمثالها من الطالبات اللاّتي يعانين من أنواع التحرّش والإغراءات في صمت ، من قبل مسؤولين كبار وإداريين في مختلف القطاعات و أساتذة ومعلّمين ... عبثوا بعذريّتهن وشرفهن وهن في عمر الزّهور .
وأخريات خرجن يبحثن عن لقمة العيش فغدين في مستنقع الرّذيلة .
الآن أنا في حيرة بين أمرين أحلاهما مر ؛ إمّا أن أتشجّع وانسحب من المشهد الأخير وأنجو بنفسي ، وتتحمّل هي كل الآثار النفسيّة المترتّبة عن هذا الانسحاب .
أو أكمل مشواري معها وما تبقّى لي منه .
قصّة غريبة ؛ بطلتها بنت ضائعة ترتجي قلبا يحضُنَها ، و ما من قلبين في جوف واحد - أو كما جاء في الحديث - .
عندها يتحتّم عليّ تقبّل كل الآثار الوخيمة التي قد تنجم عن الانجرار وراء لعبة العاشقين " المشبوهة " هذه التي ستفقدني ثقة الزوجة والأبناء وتبعدني عنهم ، وما ذنب الزّوجة المغبونة والأبناء الأبرياء في كل ما يحصل و يتعرّض له الآباء ؟.
أصبحت أرى نفسي عبارة عن مهرّج أو دمية " قرقوز " تعبث بمصيرها ( نينا ) ومن معها خلف السِّتار . لست مغفّلا إلى هذا الحد ، ولن أقبل بالدّور الذي يريدونه لي .
خرجنا نتفسّح ، عروسان في شوارع المدينة لا يخصّنا سوى فرقة موسيقيّة تتبعنا ونحن نرقص على إيقاع إحدى أجمل أغانيها .
جلسنا جنب نافورة ، " نافورة العشّاق ( تريفي ) في روما " ، فقامت تردّد بعض ما تحفظه من أغاني بكل اللّغات الشرقية والغربية وحـتّى الهندية ، ممّا كانت تردّده كل ليلة حين تحلم بفارس أحلامها وقد جاءها ليخلّصها من عذاب هي فيه ، " نينا يا نينا .. حبّيناكِ حبّينا " ، ثم فجأة في الطريق ، توقّف شخص غريب بعربيّة نظيفة ، فتمسّكتْ بي : " أرجوك لا تنظر إليه " .
لكن صاحب العربية ألحّ في طلبها ولم يغادر مكانه .
لم تجد ( نينا ) بدّا من الذهاب إليه ، ودار حوار طويل بينهما .
بقيتُ أنا " ملاكها الحارس " أراقب المشهد من بعيد وأردّد الصلاة تلو الصّلاة خشية أن يصيبها مكروه . اِطْمَأَنْتُ أن ليس هناك ما يبعث على الخوف والقلق ، حين رأيت الشّخص الغريب كالطفل الوديع يسلّمها قصاصة أخرجها من جيبه ، فدسّتها البنت في حقيبة يدها محاولة إخفائها عنّي .
عادت متفائلة من بعد خوف استفزّها ، كأن لم يكن هناك شيء يحملها على الفزع ؛ " ما قصّتكِ مع كل هذه القصاصات يا بنت الحلال ( نينا ) ؟اا " - قلتها في نفسي ولم أبدها لها .
لم تعد ( نينا ) بتلك البراءة كما كنت أتصوّرها ، بعدما حاولت إيهامي بقصص اختلقتها لتبعد عن نفسها كل التّهم .
يبدو أن البنت تعمل على استدراجي إلى مربّع النّهاية الخطير لتحقّق ماتصبو إليه وتفوز في الأخير ، ولا يهمّها إن وقعتُ ، أنا السّاذج ، فريسة سهلة في شباك ألاعيبها، وهذا ما كنت أخافه وأحذر منه .
راحت تغريني بجملة من الوعود ؛ أنّها خيّاطة ماهرة ، وتتقن فن التطريز والحياكة ، وتعدني بفتح صالون بيع مربح لأنواع " قنادر " القفطان والقطيفة الغاليّة ...
قاطعتها " متهكّما " : " متى هذا يا نينا ؟ " .
ردّت بسرعة بديهة خارقة :" بعد عودتنا من شهر عسل نكون قد قضيناه في تونس ".
إذن هذا هو مرادُكِ منذ البداية يا " لَلاَّ " ؛ لا يعنيكِ سوى البحث عن سعادتِكِ وفرحتِكِ ، حتى ولو كان ذلك على حساب بؤس وشقاوة أسرة بكاملها . " ربِحْتَ وترِبتْ يداك يا سي رشيد " - هههه -
وماذا بعدها ؟
وما رأيكم أنتم أيّها السّادة ؛ أستمرُّ في لعب دور الكومبارس، أو أكتفي بنفسي فلا يهمّني قربها ولا يؤلمني بعدها ؟
شخصيّا لم أعد أعرف شيئا ، غير أن الدنيا ممتلئة بالكذب والنّفاق - كما قال أحدهم -
دارت الايام ، وانشغلتُ عنها ببعض من الواجبات و المهام ، على كثرتها . وذات صباح خطر ببالي الاتّصال بأحد المعارف . وكان ، هذا الشّخص القريب من عائلة ( نينا ) ، قد ذكّرني ذات مرّة باسمها واسم والدها و أفشى لي ببعض من أسرار العائلة وكذلك الخلافات التي بين الأب ، الإطار الكبير ، و زوجته " الخائنة " ، حسب قوله . وكُلّ الذي قاله لي وسمعته منه يوافق تماما ما كانت تُسِرُّه لي ( نينا ) ؛ من أن أمّها " الكريمة" تزوجتْ أباها " اللّئيم " لكثرة جاههِ ومالهِ ، وتعني بدلك زواج مصلحة .
لذلك لم تستقم حياة البنت ولم تعرف عيشة هنيّة في ظلّ الخلافات الكبيرة التي غذّاها الفرق الواضح في المستوى والأخلاق .
حين تَفْسُدَ العلاقة بين الزّوحين " لا تبكي ع اللّي راح ولكن ابكي ع اللي جاي " كما ورد في المثل .
للّذين يرون في الزّواج مجرّد نزوة عابرة ، أُحدّثكم عن نفسي وعن ( نينا ) وعن مأساة العشرات بل الالاف من أمثالي وأمثال البنت ، ممّن فسُدتْ معيشتهم بسبب فساد العلاقة التي بين أبويهم .
وقد كانت تُباع المرأة فيما مضى، كما تُباع الشاة . فلا يعرف العريس ماذا اشترى ولا تعرف الأنثى ماذا جرى . وترتّب عن هذه " المقايضة " بالآمال والأماني ، سوء التقدير ، ونشبت خلافات بين الآباء والأمّهات ولأتفه الأسباب ، والضّحيّة دائما هي الأنثى ، لضعفها . فعصفتْ رياح المواسم العصيبة ببيت الزّوجيّة وخرّ بمن فيه ، من أبناء أبرياء تحمّلوا عبء المشاكل وقسوة الحياة . وكما يقول المثل الشّهير عندنا :" الصُّلاّح تتصارع والسّخط يسقط على البرواق ". والمقصود بالصُلاّح هنا الثّيران المتصارعة ، وبنبات البرواق الهش الأبناء الأبرياء وهم في حالة ضعف . وانظروا إلى تلكم الثّيران حين تتصارع ، ماذا تخلّف وراءها اا؟.
فهل عرفتم الآن أيّها السّادة الكرام معنى الارتباط الفاسد بين الأبوين ، ومدى خطورته على مستقبل الأبناء؟.
لكن كثير منا - سامحهم الله - لا يرون في هذا الارتباط سوى الجانب الغريزي المحض .
ونريد أن نتكلّم بعد ذلك عن " قوام الأمّة واستقامة الأجيال " في ظلّ مفاهيم خاطئة عن طبيعة القِران ااا؟. فتحتُ الأجندة ، كل الأرقام فيها متشابهة عدا الذي أشرتُ إليه بالحرف اللاّتيني " آن "، وأعني به ( نينا ) باختصار .
وضعتُ اصبعي بشكل أفقي على أوّل رقم ثم أدرته إلى اليمين ، ورحت أكرّر نفس العملية مع بقيّة الأرقام .
رفعت السمّاعة ، وهتفتُ بلا تردّد : " آلو .. نينا ؟ " .
لكن دون جدوى .
لترُدَّ عليّ الكاسيت :" آسف .الرّقم الذي طلبتموه لم يعد في الخدمة " .
وفي أحد الأيّام التقيت بذات الشخص الذي حدّثتكم عنه آنفا ، وكان يستغلّ درجة القرابة التي بينه وبين أسرة ( نينا) المشتّتة ، ليفشي لي ببعض من أسرارها .
بلهفة المتشوّق المحتار سألتُه عنها : " ما أخبار البنت ؟ " .
ليخبرني بأنّها انحرفت عن جادّة الصّواب وسقطت في الرّذيلة .
لم أعرف عنكِ أيّتها الحسناء الجميلة سوى أنّكِ صاحبة مشاعر ، وروحكِ الطّاهرة التي ظلّت ترفرف في وِجدانِكِ المكسور، وحبّكِ للآخرين رغم خبثهم الشّنيع ، وشغفكِ الكبير بالحياة الذي تحدّيتِ به كل المآسي والصّعاب .
كم من " نينا " في بلدي ، وكم من فتاة بريئة في هذه الدّنيا اللّعينة ، سقطت فريسة سهلة في شباك ذئاب شرسة ، تغرز مخالبها في لحوم فرائسها الغضّة و تنهشها نهش النّسور للجيفة بمخالبها المقزّزة لتهرق شرفها وكرامتها ، ولا ترحم ؟
كم من الوقت يلزم ، لكي نعيد الاعتبار للأنثى ، بأنها إنسانة وليست فقط مجرّد نزوة؟
قتلوا ( نينا ) وحوّلو جثّتها إلى دمية جنسيّة ، وجرّدوها من كل مشاعرها النّبيلة .
لهف نفسي على ( نينا ) .
كيف حتّى أسقطوكِ في مستنقع الرّذيلة ؟اا
تعليق