نينا والذّئاب البشريّة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    نينا والذّئاب البشريّة

    لم يبقَ من الوفاء سوى بعضٌ من السجائر ، تأتيها من أحد المعارف ، أصحاب الوشوم الذين يكتمون الأسرار.
    سرّ ( نينا ) العفيفة أنها تعرّضت للغدر والخيانة من قبل الأشرار .
    مع كل سيجارة تأخذها ، تتخلّص البنت الحسناء ( نينا ) من وجوه الكلاب التي لا تتعفّف ولا تعرف معنى الوفاء ، من أصحاب الأموال الذين يدفعون لها مقابل تنازلها عن جسدها الضّعيف.وأصحاب الياقات البيضاء الأشراف ، وفي الحقيقة هم أحقر الناس منازل ، جاؤوا ليتخلّصوا من نزواتهم الحيوانية حين تختلي بهم ( نينا ) فلا يراهم أحد . وتركن بعدها المغبونة بإحدى الزّوايا تحت أنوار الملهى الخافتة ، تعدّ أنفاسها في لحظة ألم ، مثلما تفعل الفريسة بعدما تتخلّص منها الوحوش الضّاريّة .
    نينا ليست بالضرورة بائعة هواء أو شريرة ، وكم من (نينا ) في هذه الدنيا اللّعينة فقدت عذريتها بسبب ذئاب أو كلاب لا ترحم ، لأن الذّئاب البريّة أحيانا ما تكون أشرف من بعض الكلاب الأليفة.
    لم تكن( نينا ) سوى إنسانة بروح وقلب ينبض بالأماني والأمل .
    قبل أن ألتقي بها ، وأتعرّف عليها ، كانت ( نينا ) تزور والدتي في المستشفى ، وتتودّد إليها . وفي إحدى المرّات جاءت رفقة أختها الصّغرى وبنت خالة المرحومة والدتي التي ظلّت ترعى أمّي و تتفقّدها كل صباح ومساء في ذات المستشفى . وفي هذا اليوم بالذّات، وعلى غير المعتاد ، جئتُ قبل الموعد لأخْذِ الوقت الكافي . حين أردت الانصراف ، همستْ لي والدتي الطيّبة - رحمة الله عليها - : " مازال الحال طويل . زيد شويّة " .
    لم أكن أنتظر مجيئهنّ الثلاثة . كأنَّ شيئا ما كان قد حُبِك من ورائي اا؟
    كل الأمور من حولنا كانت مهيّئة .
    طلبتُ من صِهري الذي كان رفقتي أن يعطيني مفاتيح سيارته الصّغيرة التي لا تسع لأكثر من " حبيبين " على الأكثر .
    حملتُهن الثلاثة ، وخرجنا نتبضّع ، بحثا عن أيّ شيء يُيسّر لنا سبل التعارف .
    أعجبتني التي ركبت خلفي ، وكنت أستمتع بجمال عينيها السوداوين الواسعتين و تغرها المتبسّم .

    شيء ما بداخلي ظلّ يلحّ عليّ : " كم أضعت من فرصة أيّها الحقير التّافه " .
    أجبته في الحال: " لن أغفر لنفسي إن ضاعت منّي هذه المرّة " ، ومددت يدي اليمنى إلى المرآة العاكسة ، ورمقتُها بنظرة العاشق الولهان : " ما أسمك أيّتها الحسناء الجميلة ؟ " .
    بنبرة صوتها المشحون ردّت : " اسمي نينا أيّها الوسيم الظّريف " .
    تشجّعت على الكلام وتماديت في السّؤال: " نينا أم نايْنا كما في الأفلام ؟ " .
    ضحكت طويلا ثمّ علّقت على كلامي: " كما تُحب " .
    ما علاقتي بهذه الحسناء سوى المكتوب الذي جمعنا ، ووالدتي التي لها علاقة بخذا الاسم ، وتريد أن توقعني في شباكها ، ربّما ؟ ؛
    في نهاية الستينيّات ، كانت هناك سينما في القرية ، و كانت تحملني المرحومة كل مساء معها لنشاهد الأفلام الهندية سويّا ، ولم يكن ذلك ممنوعا حتّى على النّساء والصبيان حينها.
    لايزال كلام أمّي عن ( نايْنا ) ، والحب الذي تكنّه لتلك الممثّلة البطلة يرنّ في ذهني .
    صرنا نمرُّ الآن على المكان ذاته فلا نرى منه سوى باب حديدي متآكل ، يشكي حاله مع الصّدأ ، يروي لنا قصّته مع متلحّفات الملاية السوداء ، ظللّن يراودنه طيلة أعوام .
    لم يبقَ من تلك الأيّام سوى بعض الوجوه الشّاحبة ، أو الأسماء التي لايزال أصحابها يصارعون من أجل البقاء .
    قبل أن يتم التّرويج لمسرح قرطاج العالمي ، كان هناك مسرح هواء طلق حين كانت مدينتنا قرية متواضعة . وكانت النّساء تحضرنه رفقة أولادهن ، الكبار منهم والصغار وحتى الرضّع .
    مافتئت المرحومة تحملني معها كُلّما أرادت قضاء السّهرة بعيدا عن مشاغل البيت .
    بعدما أضحت القرية ملجأً للدّخلاء الانتهازيين ، وغزاها الأثرياء بخرساناتهم الصمّاء ، وتبوّلوا اسمنتًا في أرجائها، فلم نعد نرى من مسرح الهواء الطّلق الذي ظلّ ينبض بالحياة طيلة أعوام ، سوى اسمنت باهت ووجوه تبعث على الكآبة .
    تبكي العين حين ترى أطفالا أبرياء يتمرّغون ، تمرّغ البهائم في التّراب، ليس لديهم مكان لإبراز مواهبهم التي منحهم الله أيّاها.
    حينما كانت المدينة الأثرية مسرحا للسوّاح الأجانب ، كنا صغارا نتنقّل عبر الوفود ؛ كم غنّينا ورقصنا ، ومرحنا واحتفينا ، وتعلّمنا أشياء كثيرة ، وجلسنا طويلا على مدارج مسرحها الفخم .
    لم نكن نعرف قيمة الآثار يومها ، لكن " الشيخ " الغريب الذي عيّرنا بالآثار حين زار مسجدنا العتيق ، قال كلاما لا يليق بمدينتنا الأثرية ، مقلّلاً من شأنها، ليقتل ذاك الحب فينا ، والذي ظلّ لسنين يراودنا .
    لكن ما قصّتي مع الجميلة الحسناء ، وما سِرّ الاسم الذي تحمله ؟ا
    تخلّصنا من الحمل الثّقيل الذي كان قد منعنا من البوح بالمشاعر الدّفينة طيلة الوقت .
    تطرّفنا قليلا نريد الابتعاد عن الأنظار .
    عرّجنا على الكورنيش ، واخترنا أحد المطاعم الشرقية .
    سادت بيننا فترة من الصّمت ، صمت رهيب قاتل ، إلى أن جاءنا الخادم متثاقلا وبيده باقة من مشموم الفل ( أو الياسمين ) ، قبل أن يقدّم لنا قائمة الطّعام .
    انفتحت شهيّتي للكلام ، لكن ( نينا ) لم تجب على كل الأسئلة ، واحتفظت لنفسها ببعض الأسرار ريثما يحين موعد لقاء جديد .
    تعاهدنا على الوصال قبل حتّى أن تحين لحظة الفراق .
    بعد أيام عرِفتُ المكان الذي سأجد فيه غريمتي الغامضة ، فتوجهتُ رفقة زميلي الذي يعلوني شأنا إلى الحرم الجامعي .
    طلبنا العنوان من عون الأمن الذي لم يتوان في طلب إحداهن بدوره ، فجاءت أخت الجميلة الحسناء ( نينا ) تمشي على استحياء ، سألتها عن أختها فلم ترد ، ولم تكترث لسؤالي ، وفتحت باب السيّارة ، وهمّت بالجلوس في المقعد الخلفي .
    طلبتُ من رفيقي إيقاف المحرك وينتظر ريثما أحصلُ على الإجابة الشّافيّة من أختها.

    أكذب إن قلتُ لها إنّني أبحث عن إقامة علاقة جادّة معها ، ورغم ذلك أريدها تكون حاضرة أمامي ، وبكل أسف أقولها ، ورغبة وشوق .
    ليس هو ذاك الحب الذي عشته ذات يوم ، ولكنه نوع من الفضول يدفعني لمعرفة المزيد عن هذه الفتاة.
    ركبتُ رأسي : " لن أبرح المكان حتّى تأتي " .
    بقيت متشنّجا ، لكن ثابتا على نفس المبدأ، أعدُّ الدّقائق والثواني والأعشار ... وفي الأخير هاهي قادمة وقد لاح خيالُها من بعيد ؛

    جاءت تهرول كأنها خرجت من سباق ، تحاول كتم أنفاسها ، مُحكِمة قبْضتها على حقيبة اليد حتّى لا تُفلت منها ، خوفا عليها وعلى ما فيها من أسرار ،ربما .

    أدركت عندها ، أن أختها هي من أخبرتْها على مضض ولم تكن ترغب في حضورها وقعدت على مضد لمّا عرفت أنها ستأتي لا محالة وأنها في طريقها إلينا ، فلم تجد أفضل من أن تحجز مكانة لها و لو في الخلف ، فالفرصة قد لا تتكرّر ، ولا مجال للإيثار .
    منعرجات الطريق تطوّق سلسلة الجبال من كل جانب، كالعقد الذي في رقبة ( نينا ).
    في أدنى الأرض هناك مطعم ، " لاكارافيلا " الشّهير ، جوهرة مفقودة في الكورنيش الجميل ، والذي يعود له الفضل في تسمية المدينة بذات الاسم .
    إخترنا نحن الأربعة الجلوس جنب النّافذة المطلّة على بحر المتوسّط ، نراقب الأمواج العاتية طيف تصفع الصخور بكل قواها محدثة صخبا يشبه صوت الكمان الأجهر الغليظ ، ثم تنسحب تاركة وراءها رغاوي بيضاء ، كرغاوي الصّابون ، تتحول الرّغاوي شيئا فشيئا إلى ما يشبه " الشّنينة " أو اللّبن ؛
    حين كنت طفلا صغيرا ، وكانت الحرف التقليدية هي السّائدة قبل أن تغزوها المعلّبات بأغذيتها الوخيمة ، تعوّدتُ على رؤية الحرائر يخضَضْن شكوى معلّقة ويصنعن من الحليب أو اللّبن ما يُسمّى " شنينة " و لايكْلِلْن ولايملُلْن طول النّهار من الخض والمواويل .
    جنب النّافذة المطلّة على أديم المتوسّط الأزرق ، يروي لنا البحر قصة وجوده " السرمدي " .
    تقول لي نينا إنّها لأول مرّة تخرج مع رجل . أنظر إلى تلك المزحة !
    مثل هذا الكلام الذي لا ينطلي حتى على الصغار الرضّع ، وهي من كانت وراء الموعد و أوصلتنا إلى المكان الذي نحن الآن فيه ،
    هذا المكان الذي لا يبعد كثيرا عن الإقامة الجامعية .
    مكان رائع بكل المقاييس
    لكل من يبحث عن الرومانسية وتحرير المشاعر الأسيرة وتمضية الأوقات الجميلة ، بغض النّظر عن الرّفيق .
    سحر المشاهد لم يترك لنا فرصة للكلام ، لكن توتُّر الأمواج المتزايد ، وتلاشي زرقة البحر تدريجيا، وأنوار المصابيح التي بدأت تطلع علينا من كل جانب كنبات الفطر ، ولباقة النّادل الواقف طول الوقت غير بعيد عنا يراقبنا ولسان حاله يقول " بامكانكم الانصراف " ... كل ذلك ، ثم أنّه كان لا بد من وضع حدٍّ لهذه المشاعر الجيّاشة حتّى لا ننسى أنفسنا.
    أردت أن اختمها بنوع من الهزل . قلت للبنت : " ( نينا ) مُدِّي يدكِ " . مدت يدها ، وربما كانت تتمنى أن ترى فيها الحنّة مثل كل البنات وبخاصّة الأمّهات ، وكل الحق للأمّهات المكابدات في رؤية بناتهن مبتهجات وبزي العرائس . لكن الذّئاب الفتّاكة لا تنصرف حتّى تترك بصماتها ملطّخة بفرائسها .
    ردّت بصوتها الدافئ الحنون : " هل تقرأ الكف ؟ " .
    أمسكت عن الضّحك ، كي أبدو جادّا فيما أقول :
    " شوفي يابنت الحلال اسمك نينا صح ؟ "
    قالت : " إيه "

    استطردتُ : " اسمك جميل وصاحبته حنونة وتحب الضحك والهزار. صح ؟"
    أومأت برأسها أن : " نعم " .
    " لديك إرادة تكسر الحجر . صح ؟"
    تمايحت قليلا كالسكران ولم تنبس ببنت شفة .
    واصلتُ كلامي دون انقطاع : " نينا رومانسية ، لديها روح المسؤولية ، تحب الخير للآخرين ، تكره النّفاق والكذب وتحب الصّراحة وتعمل بالنّصيحة "
    قلتُ : " .صح ؟"
    أخذت نفسا طويلا كأنّما تنفّست الصّعداء.
    " شوفي يابنت الحلال الشخص الذي أمامك متزوّج وله أربعة أطفال والخامس إن شاء الله في الطّريق".
    أشار صديقي إلى النادل : " الحساب من فضلك ؟ " ، فجاء يحمل ظرفا في طبق فضّي اللّون .
    تظاهرتُ بإدخال يدي في جيب البنطلون ، فحلف ياليمينات السبع ، والعشر . وزاد عليها رقبة أمّه وأبيه، وخيّرني بين صحبته أو السماح له بتسوية الحساب ، ولإن صديقي داهية ويعرف كل أسراري تقريبا ، فأراد أن ينقذ الموقف بطريقته الخاصّة ليبعد عنّي شبهة الإفلاس .
    في النهاية كان لابد أن يختار كل زوج طريقه ، تقدّمتُ إلى فتاتي الحسناء قبل أن يسبقني إليها أحد، أفوز بنفسي قبل أن يغيّر صاحبي رأيه ويدركني النّادل " الهربة للرجال منعة " - ههههه - " كما يقول المثل .
    في طريق الكرنيش واجهتُها بكلامي القديم المتجدّد : " قلت لكِ الشخص الذي أمامك .. ؟ " ، ورحت أحاول أن أكمل الكلام فقاطعتني بابتسامة الواثقة من نفسها : " متزوّج وله أربعة أطفال والخامس إن شاء الله في الطّريق . صح ؟ . أعرف كل ذلك " .
    من اخبرها بهذه التفاصيل ؟
    ليس هناك سوى والدتي سامحها الله أو ابنة خالتها حسبي الله فيها ونعم الوكيل .

    ازداد اليقين بأن هناك أمورا تجري من خلفي أنا في غِنًى تامٍّ عنها .
    شرد ذهني وذهبت بعيدا، وكبرت شكوكي ، وبان الارتباك على وجهي .
    انتبهتْ لأمري وأرادت قطع الشك باليقين : " أكون ممتنّة لك إذا ذهبت معي إلى أبي " ، و أردفتْ تقول : " مجرّد حضورك أمامه يكفي ." .
    راحت تكرّر نفس الكلام وتتوسّل لي ، رغم انها لم تحصل بعد مني على ما يدفعها إلى هذا الرّهان المسبق وقد كنت صريحا معها في بداية ونهاية المشوار ولم اترك لها مجالا للمناورة ، وأنّ علاقتي بها لا تعدو أن تكون مجرد إعجاب واحترام لما رأيته منها وقامت به تجاه والدتي في المستشفى .
    في النهاية لستُ مُجبرا على الذهاب معها إلى والدها لأتقمّص دور العريس وأخون ضميري التّعبان . الحمد لله أنّني لم أسقط بعد في شباك نزواتها اللّعينة وصنتها ونفسي من الانزلاق ، و لو كان هناك أحد غيري لما استطاع المقاومة .
    ادركتُ بعدها ان وراء كل هذا الإصرار ألف حكاية وحكاية ، وأن المسكينة في ورطة ما ، وانها تريد أن تتذرّع بي لتعالج مشاكلها العائلية .
    طلبتُ منها أن تزوّدني بكل شيئ عنها وعن أسرتها ، فأنا لاأعرف عنها الكثير .
    اطلعتني على عنوانها الأصلي ، وزوّدتني بمعلومات تخصّها ، لا دخل لي فيها ، وعلى الخلافات التي بين أبويها ، وأن والدتها لا تحبّ أباها الإطار الكبير في إحدى الدّوائر الرّسميّة ، والسبب طرف ثالث ؛ وفي الطّريق قالت لي : " تعال أُعرّفك بصاحب أُمّي " ، وفي تلك الأيّام لم يكن الهاتف الخلوي موجودا بالأساس ، لكن كانت هناك أكشاك عمومية مزوّدة بهواتف أرضيّة .
    أسرعتْ إلى أقرب كشك ، ونادته باسمه في رقم مُدوّن في قصاصة بالحبر الأزرق قامت بإخراجها من حقيبة اليد التي لم تفارق يدها منذ لقائنا الأوّل ، ثمّ بصوت واجف
    هتفتْ :
    " آلو .. سي ( منير ) .. معايا ضيف حبّيت نعرّفو بيك " .
    ويبدو أن الشّخص الذي كلّمته لم يتردّد كثيرا بعدما تعرّف على صاحبة الصوت الأجش ، فوافق تلقائيًّا على استقبالنا في الحال .
    أمسكتْ بيدي وطلبت مني مرافقتها إلى سي ( منير ) ، هذا الذي كانت له علاقة حميميّة بوالدتها ذات مرّة ، حسب روايتها ، وبقيتْ ( نينا ) تحمل القصّة عن والدتها ، وبقي سي ( منير ) " الشّهم " يحتفظ لأعوام بتلك المودّة .
    " سي منير " لديه علاقات مميّزة تربطه ببعض الشّحصيّات والوجوه الكبيرة ، حسب كلام ( نينا ) ، من بينهم رئيس ديوان الوالي شخصيّا الذي يحمل الخاتم الرّسمي وبيده الحل والرّبط.
    لذلك حرستْ البنت على الذّهاب إليه حتّى أتعرّف عليه ، وقالت لي إنه : " يستيطع منحنا شقّة بوسط المدينة " ، وكانت جازمة .
    رحنا نهرول تارة ونتوقّف مرّة على مرّة ، وهي ممسكة بي حتى أفلت من يدها، وبيدها الأخرى حقيبة اليد التي بدأت تفشي ببعض من أسرارها ، إلى أن عثرنا على المكان المكتوب في القصاصة التي تحمل رقم الهاتف والعنوان ، وبتوجيه من المارّة أدركنا المبنى .
    حين وصلنا إلى الباب أردتُ الولوج معها فلم يُسمح لي ، وبقيتُ وحدي في الخارج ، كالصّبي ، أنتظر حتّى تعود من عند سي ( منير ) ؛ هذا الذي لا يعدو أن يكون سوى واحد من تلك الكلاب التي توظّفها الذّئاب البشرية في جلب واختيار ضحاياها .
    غلبني الشعور بالوحدة ، فابتعدت قليلا عن باب العمارة وألقيت ظهري على الحائط أستعيد أنفاسي وما تبقّى لي من رباطة جأش ، ورحت أشغل نفسي بالمكان ومن فوق الرّصيف وفي الطّريق ، بعدما تناءتْ عنّي التي كانت أُنسًا لي ، فبقيتُ وحدي بلا رفيق .
    انتظرت طويلا علّني أحصل على إشارة من البنت أو يُؤذن لي بالدّخول ، حتّى نفذ الصّبر منّي ولم يعد بإمكاني تقبّل ما أنا فيه .
    لم أتمالك نفسي ، فرجعت إلى العمارة وقرعت الباب بشدّة .
    انفرج الباب قليلا و بدا لي شبح رجل ، ليس هو بالشيخ الكبير ولا بالشاب الصّغير، تأكّدت من خلال ملامح وجهه ومظهره المحترم ، الذي يدلّ على أن الرّجل مدلّل يعيش في بحبوحة ، وازداد يقيني حين طلب منّي دون تردّد أن أتبعه ولم يسألني حتّى عن اسمي ولا عن سبب حضوري وقرْعِ الباب بتلك القوّة... أنّه "هو"، صاحبنا الذي قدِمنا من أجله .
    تبدو العمارة للنّاظر إليها من الخارج أنّها قابلة للسّكن ، وهي في الدّاخل لا تتوفّر على أدنى الشروط ، الفنيّة والصحيّة .
    وأمّا عن السّلالم الخشبية المؤدّية إلى أعلى البناية فحدّث ولاحرج ، جد مهترئة ولم تعد تتحمل المزيد ؛ كيف لشخص مثل " سي منير الشّهم " ، بتلك المواصفات التي ذكرتها ( نينا) ، أن يسكن في عمارة قديمة معرّضة للسّقوط ؟؟.
    خطر ببالي المثل الشّائع لدينا : " يا لَمْزَوَّقْ من بَرَّة واشْ حَوَالَكْ من داخل " .
    لم نذهب إلى يمين أو شمال ، ولم نصعد إلى أعلى ، فقد كان الرّجل حريصا على أن لا التفت إلى أيّة جهة وأدخلني في قبو ، أين وجدت نفسي في مكان شبه خالٍ إلاّ من البنت الحسناء ( نينا ) أو بعض المعدّات وآلات الألمنيوم .
    تبيّن لي فيما بعد أنّ لصاحبنا علاقة بتجارة الألمنيوم ؛
    أكاد أجزم للتو أن صديقنا " قوّاد محترف " يمارس تجارة " الرّقيق الأبيض " .
    على الأقل
    هذا ما استخلصته في تلك اللّحظة .
    تظاهرتْ ( نينا ) كأنّها لأوّل مرّة تحدّثه عنّي : " أعرّفك بصديقي ( رشيد ) .. ( رشيد ) هذا هو سي ( منير ) اللّي قلتلك عليه " .
    رحبّ بي في بداية الأمر ، ثمّ أدخل يده في جيبه الدّاخلي وأخرج بطاقة زيارة تحمل [الاسم والعنوان ] و نوعية الحرفة [ نجارة الألومنيوم ] ورقم [ الهاتف ] وقال لي بالفرنسيّة : " إذا كنت بحاجة إلى أي شيء ، فلا تتردّد في الاتصال بي على الرّقم المذكور " .
    أخذتُها منه شاكرا أيّاه على حفاوة الاستقبال ، وعدت إلى مكاني أنتظر ما سيسفر عنه اللّقاء .
    أمثال هؤلاء " الكلاب " تجدهم في كل مكان ، وسطاء بين شريكين ؛ بائعات هوى الجنس و" مستذئبين " من الذين يشغلون مناصب حسّاسة في الدّولة وكل من يسير على خطاهم من إداريين وأساتذة يفتقدون إلى الأخلاق والضّمير... معظمهم يستغلّون مناصبهم الحسّاسة ويمارسون أنواع التحرّش والإرهاصات لأجل تلبية غرائزهم الحيوانيّة . وفي المقابل ، يحصل هؤلاء الوسطاء " الكلاب " من أمثال " سي منير " وغيره من اسيادهم المستذئبين على خدمات و مشاريع حقيقيّة وأخرى وهمية ، يجنون منها أرباحا خياليّة .
    كم من عفيفة بنت أصول صعدت إلى الجامعة لتزاول تعليمها العالي طمعا في مستقبل أفضل ، أسقطوها دون إرادتها في شباك الهوى وممارسة الجنس .
    ما ذنب ( نينا ) العفيفة الحسناء وأمثالها من الطالبات اللاّتي يعانين من أنواع التحرّش والإغراءات في صمت ، من قبل مسؤولين كبار وإداريين في مختلف القطاعات و أساتذة ومعلّمين ... عبثوا بعذريّتهن وشرفهن وهن في عمر الزّهور .
    وأخريات خرجن يبحثن عن لقمة العيش فغدين في مستنقع الرّذيلة .
    الآن أنا في حيرة بين أمرين أحلاهما مر ؛ إمّا أن أتشجّع وانسحب من المشهد الأخير وأنجو بنفسي ، وتتحمّل هي كل الآثار النفسيّة المترتّبة عن هذا الانسحاب .
    أو أكمل مشواري معها وما تبقّى لي منه .
    قصّة غريبة ؛ بطلتها بنت ضائعة ترتجي قلبا يحضُنَها ، و ما من قلبين في جوف واحد - أو كما جاء في الحديث - .
    عندها يتحتّم عليّ تقبّل كل الآثار الوخيمة التي قد تنجم عن الانجرار وراء لعبة العاشقين " المشبوهة " هذه التي ستفقدني ثقة الزوجة والأبناء وتبعدني عنهم ،
    وما ذنب الزّوجة المغبونة والأبناء الأبرياء في كل ما يحصل و يتعرّض له الآباء ؟.
    أصبحت أرى نفسي عبارة عن مهرّج أو دمية " قرقوز " تعبث بمصيرها ( نينا ) ومن معها خلف السِّتار . لست مغفّلا إلى هذا الحد ، ولن أقبل بالدّور الذي يريدونه لي .
    خرجنا نتفسّح ، عروسان في شوارع المدينة لا يخصّنا سوى فرقة موسيقيّة تتبعنا ونحن نرقص على إيقاع إحدى أجمل أغانيها .
    جلسنا جنب نافورة ، " نافورة العشّاق ( تريفي ) في روما " ، فقامت تردّد بعض ما تحفظه من أغاني بكل اللّغات الشرقية والغربية وحـتّى الهندية ، ممّا كانت تردّده كل ليلة حين تحلم بفارس أحلامها وقد جاءها ليخلّصها من عذاب هي فيه ، " نينا يا نينا .. حبّيناكِ حبّينا " ، ثم فجأة في الطريق ، توقّف شخص غريب بعربيّة نظيفة ، فتمسّكتْ بي : " أرجوك لا تنظر إليه " .
    لكن صاحب العربية ألحّ في طلبها ولم يغادر مكانه .
    لم تجد ( نينا ) بدّا من الذهاب إليه ، ودار حوار طويل بينهما .
    بقيتُ أنا " ملاكها الحارس " أراقب المشهد من بعيد وأردّد الصلاة تلو الصّلاة خشية أن يصيبها مكروه .
    اِطْمَأَنْتُ أن ليس هناك ما يبعث على الخوف والقلق ، حين رأيت الشّخص الغريب كالطفل الوديع يسلّمها قصاصة أخرجها من جيبه ، فدسّتها البنت في حقيبة يدها محاولة إخفائها عنّي .
    عادت متفائلة من بعد خوف استفزّها ، كأن لم يكن هناك شيء يحملها على الفزع ؛
    " ما قصّتكِ مع كل هذه القصاصات يا بنت الحلال ( نينا ) ؟اا " - قلتها في نفسي ولم أبدها لها .
    لم تعد ( نينا ) بتلك البراءة كما كنت أتصوّرها ، بعدما حاولت إيهامي بقصص اختلقتها لتبعد عن نفسها كل التّهم .
    يبدو أن البنت تعمل على استدراجي إلى مربّع النّهاية الخطير لتحقّق ماتصبو إليه وتفوز في الأخير ، ولا يهمّها إن وقعتُ ، أنا السّاذج ، فريسة سهلة في شباك ألاعيبها، وهذا ما كنت أخافه وأحذر منه .
    راحت تغريني بجملة من الوعود ؛ أنّها خيّاطة ماهرة ، وتتقن فن التطريز والحياكة ، وتعدني بفتح صالون بيع مربح لأنواع " قنادر " القفطان والقطيفة الغاليّة ...
    قاطعتها " متهكّما " :
    " متى هذا يا نينا ؟ " .
    ردّت بسرعة بديهة خارقة :" بعد عودتنا من شهر عسل نكون قد قضيناه في تونس ".
    إذن هذا هو مرادُكِ منذ البداية يا " لَلاَّ " ؛ لا يعنيكِ سوى البحث عن سعادتِكِ وفرحتِكِ ، حتى ولو كان ذلك على حساب بؤس وشقاوة أسرة بكاملها . " ربِحْتَ وترِبتْ يداك يا سي رشيد " - هههه -
    وماذا بعدها ؟
    وما رأيكم أنتم أيّها السّادة ؛ أستمرُّ في لعب دور الكومبارس، أو أكتفي بنفسي فلا يهمّني قربها ولا يؤلمني بعدها ؟
    شخصيّا لم أعد أعرف شيئا ، غير أن الدنيا ممتلئة بالكذب والنّفاق - كما قال أحدهم -
    دارت الايام ، وانشغلتُ عنها ببعض من الواجبات و المهام ، على كثرتها . وذات صباح خطر ببالي الاتّصال بأحد المعارف . وكان ، هذا الشّخص القريب من عائلة ( نينا ) ، قد ذكّرني ذات مرّة باسمها واسم والدها و أفشى لي ببعض من أسرار العائلة وكذلك الخلافات التي بين الأب ، الإطار الكبير ، و زوجته " الخائنة " ، حسب قوله . وكُلّ الذي قاله لي وسمعته منه يوافق تماما ما كانت تُسِرُّه لي ( نينا ) ؛ من أن أمّها " الكريمة" تزوجتْ أباها " اللّئيم " لكثرة جاههِ ومالهِ ، وتعني بدلك زواج مصلحة .
    لذلك لم تستقم حياة البنت ولم تعرف عيشة هنيّة في ظلّ الخلافات الكبيرة التي غذّاها الفرق الواضح في المستوى والأخلاق .
    حين تَفْسُدَ العلاقة بين الزّوحين " لا تبكي ع اللّي راح ولكن ابكي ع اللي جاي " كما ورد في المثل .
    للّذين يرون في الزّواج مجرّد نزوة عابرة ، أُحدّثكم عن نفسي وعن ( نينا ) وعن مأساة العشرات بل الالاف من أمثالي وأمثال البنت ، ممّن فسُدتْ معيشتهم بسبب فساد العلاقة التي بين أبويهم .
    وقد كانت تُباع المرأة فيما مضى، كما تُباع الشاة . فلا يعرف العريس ماذا اشترى ولا تعرف الأنثى ماذا جرى . وترتّب عن هذه " المقايضة " بالآمال والأماني ، سوء التقدير ، ونشبت خلافات بين الآباء والأمّهات ولأتفه الأسباب ، والضّحيّة دائما هي الأنثى ، لضعفها . فعصفتْ رياح المواسم العصيبة ببيت الزّوجيّة وخرّ بمن فيه ، من أبناء أبرياء تحمّلوا عبء المشاكل وقسوة الحياة . وكما يقول المثل الشّهير عندنا :" الصُّلاّح تتصارع والسّخط يسقط على البرواق ". والمقصود بالصُلاّح هنا الثّيران المتصارعة ، وبنبات البرواق الهش الأبناء الأبرياء وهم في حالة ضعف . وانظروا إلى تلكم الثّيران حين تتصارع ، ماذا تخلّف وراءها اا؟.
    فهل عرفتم الآن أيّها السّادة الكرام معنى الارتباط الفاسد بين الأبوين ، ومدى خطورته على مستقبل الأبناء؟.
    لكن كثير منا - سامحهم الله - لا يرون في هذا الارتباط سوى الجانب الغريزي المحض .
    ونريد أن نتكلّم بعد ذلك عن " قوام الأمّة واستقامة الأجيال " في ظلّ مفاهيم خاطئة عن طبيعة القِران ااا؟. فتحتُ الأجندة ، كل الأرقام فيها متشابهة عدا الذي أشرتُ إليه بالحرف اللاّتيني " آن "، وأعني به ( نينا ) باختصار .
    وضعتُ اصبعي بشكل أفقي على أوّل رقم ثم أدرته إلى اليمين ، ورحت أكرّر نفس العملية مع بقيّة الأرقام .
    رفعت السمّاعة ، وهتفتُ بلا تردّد :
    " آلو .. نينا ؟ " .
    لكن دون جدوى .
    لترُدَّ عليّ الكاسيت :
    " آسف .الرّقم الذي طلبتموه لم يعد في الخدمة " .
    وفي أحد الأيّام التقيت بذات الشخص الذي حدّثتكم عنه آنفا ، وكان يستغلّ درجة القرابة التي بينه وبين أسرة ( نينا) المشتّتة ، ليفشي لي ببعض من أسرارها .
    بلهفة المتشوّق المحتار
    سألتُه عنها : " ما أخبار البنت ؟ " .
    ليخبرني بأنّها انحرفت عن جادّة الصّواب وسقطت في الرّذيلة .
    لم أعرف عنكِ أيّتها الحسناء الجميلة سوى أنّكِ صاحبة مشاعر ، وروحكِ الطّاهرة التي ظلّت ترفرف في وِجدانِكِ المكسور، وحبّكِ للآخرين رغم خبثهم الشّنيع ، وشغفكِ الكبير بالحياة الذي تحدّيتِ به كل المآسي والصّعاب .
    كم من " نينا " في بلدي ، وكم من فتاة بريئة في هذه الدّنيا اللّعينة ، سقطت فريسة سهلة في شباك ذئاب شرسة ، تغرز مخالبها في لحوم فرائسها الغضّة و تنهشها نهش النّسور للجيفة بمخالبها المقزّزة لتهرق شرفها وكرامتها ، ولا ترحم ؟
    كم من الوقت
    يلزم ، لكي نعيد الاعتبار للأنثى ، بأنها إنسانة وليست فقط مجرّد نزوة؟
    قتلوا ( نينا ) وحوّلو جثّتها إلى دمية جنسيّة
    ، وجرّدوها من كل مشاعرها النّبيلة .
    لهف نفسي على ( نينا ) .
    كيف حتّى أسقطوكِ في مستنقع الرّذيلة ؟اا



    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 08-08-2019, 16:50.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • سلمى الجابر
    عضو الملتقى
    • 28-09-2013
    • 859

    #2
    يا لسوء حظ نينا الجميلة المسكينة، في هذه الدّنيا اللّعينة.
    نص غاص بنا في عالم الانحراف والرذيلة، من خلال علاقة الراوي بفتاة حسناء جميلة، ضحية زواج المصلحة وفساد العلاقة الزوجية بين والديها تبعا لذلك.

    تحيتي لك أديبنا الكبير الأستاذ مصباح فوزي رشيد
    مع اعتذار قسم القصة عن التأخر في قراءة روايتك هذه

    تعليق

    • مصباح فوزي رشيد
      يكتب
      • 08-06-2015
      • 1272

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة سلمى الجابر مشاهدة المشاركة
      يا لسوء حظ نينا الجميلة المسكينة، في هذه الدّنيا اللّعينة.
      نص غاص بنا في عالم الانحراف والرذيلة، من خلال علاقة الراوي بفتاة حسناء جميلة، ضحية زواج المصلحة وفساد العلاقة الزوجية بين والديها تبعا لذلك.

      تحيتي لك أديبنا الكبير الأستاذ مصباح فوزي رشيد
      مع اعتذار قسم القصة عن التأخر في قراءة روايتك هذه
      بحثتُ في جعبتي فلم أجد عبارة توفّيك، ولو جزءًا يسيرا، حقّكِ.
      مثل هذا يحفّزنا أكثر فأكثر، ويُعطي دفعةً كبيرةً وينهض بالملتقى.
      أجمل بطاقات الشّكر والثناء، على المجهود الطيّب، وهذا الاهتمام المميّز.
      شكرا لكِ أستاذتي ( سارة) االبهيّة!

      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 05-10-2020, 06:44.
      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

      تعليق

      يعمل...
      X