دخل إلى المطعم رجلان . أحدهما عبوس الوجه ، يكاد مظهره يخلع الأنفاس ، طويل القامة عريض المنكبين ، بلحية كثّة غطّت نصف وجهه الأسفل ، ورقبته ، وجزءا معتبرا من صدره . وشاربين يلامسان شحمتي أذنيه ، و رزّة صّفراء كثعبان لفّ الطّربوش الأحمر الذي يعتلي رأسه الصّغير ، حتى كأن عينيه لتبدوان للنّاظر كنقطتين مضيئتين في بحر وجهه الدّامس ، يرتدي معطف شتاء أسود ، لم يحاول خلعه ، ولم يتظاهر بذلك على الأقل ، يكفي كغطاء لأسرة كبيرة في ليلة شديدة البرودة .
وأمّا صاحبه الذي يقف بجنبه فهو أقل منه سنًّا وضخامة ، لكن أفضل منه خُلُقًا و خِلْقةً على ما يبدو .
يتوسّطهما نادلان بليدان قصيرا الطّول نسبيا يقفان بينهما ، بزيّ موحّد وتصرّف واحد ، كأنّهما توأمان ، أو كصورة " طبق الأصل " لبعضهما .
في الجهة المقابلة ، طبّاخ لاهٍ فيما هو فيه . ثم فجأة يستدير وبيده ساطور وباليد الأخرى رأس كرنب ، أو قرنبيط ، يريد تقطيعه ، وليس ببعيد عنه قط تسلّق الطّاولة المجاورة يريد سرقة النّقانق التي فوقها. صرخ الطبّاخ فيه بشدّة ، ففرّ منه القط إلى خارج المطبخ ، أين يجلس الزبونان والنّادلان إلى جنبهما واقفان .
لحق به الطبّاخ فأدركه وأمسك به من رقبته ثم عاد به إلى المطبخ حاملا الساطور بيد والقط بيد الأخرى ، في مشهد " كاريكاتوري " عجيب لا يتكرّر دائما.
وماهي إلاّ لحظات ردّد فيها المكان ضربات السّاطور المتتالية محدثة فزعا كبيرا في نفوس الأشخاص الأربعة ، نادلين أبلهين ، و زبونين غريبين يظنّان أن الطباخ يقوم بتقطيع القط ، لطبخه وإعداده لهما.
رفع الشخص العبوس ، الذي يشبه إلى حدّ ما الطّاووس حين يستعرض وينشر ريش ذيله ، كأس الماء ليبعد عنه الشعور المفاجئ بالغثيان ربّما ، وأمّا رفيقه المتواضع فتناول زجاجة النّبيذ الأحمر التي أمامه وساقها إلى فمه ، لكنّه ألقى بها في آخر لحظة ، لأنّ ما فيها ربما يعود لدم حيوان ما ، من يدري ؟اا فالطّباخ قد أمسك بقط قبلها وأخذ يجرّه من رقبته إلى حيث لا يراه أحد .
بعدها بلحظات ، قفز جرو بطباط " كنيش " صغير إلى أعلى الصندوق الذي جنب الطاولة ليكرّر ما فعله القط قبله ، وكان الطّباخ يحضّر الطّعام لزبونيه ، فلما رآه أشهر في وجهه السّاطور وراح يركض وراءه ، وتكرّر المشهد ذاته في القاعة أين يجلس الزبونان رفقة النادلين الأبلهين اللّذين بقيا على حالهما منذ قدوم الزبونين لم يحرّكا ساكنا ولم يقدّما شيئا على الإطلاق .
تكرّر المشهد مع الجرو وزاد عليه الطبّاخ بإشهار الآلة الحادّة في وجه المسكين مرّتين ، وحمله في حضنه في طريقه إلى المطبخ ، حيث وضعه فوق برميل خشبي قريبا من نافذة شبه مفتوحة ، وحمل الطبّاخ قطعة الكرنب ، القرنبيط ، إلى الطاولة وهوى عليها بالشفرة الحادّة , وبينما هو كذلك تحرّك العود الذي كانت ترتكز عليه دفّة النّافذة ، فوقعت على ذيل جرو البطباط المسكين الذي أخذ يعوي من شدّة الألم .
وصل ذاك العويل وذاك الأنين إلى الآذان فاقشعرّت جلود أصحابها وتقطّعت قلوبهما حيرة وحسرة ، وكل من يراهما يشفق على حالهما من كثرة الجوع و التّعب . ورافقه شعور الشخص ، العبوس الشرس صاحب العمامة والطّربوش الذي يشبه الطاووس ، بالغثيان ، فلم يجد سوى طربوش رفيقه الذي أمامه ، وأراد أن يفرغ ما تبقى من بقايا طعام في جوفه ، وهمّ به يريد أن يتقيّأ فيه ، فسحبه رفيقه منه بقوّة ورمى به بعيدا .
يستفزّك المشهد وأنت ترى النادلين الأبلهين يردّدان بسذاجة وغباء كل حركة أو فعل يصدران عن الزبونين الغريبين .
بينما هم كذلك ، جاء الطبّاخ يحمل اطباق الطّعام ، ووضع ما أحضره برفق أمام كلا الزبونين ، وقبل أن ينصرف من حيث جاء ، شيّعها برقصة " بالشدّ على المحزم " تعبيرا عن السرور والرّضا.
قام الشخص العبوس الذي يشبه الطّاووس إلى النّادلين الأبلهين وهو يشتاط غضبا ، فأمرهما بالجلوس مكانه ورفيقه الذي يبدو أعقل وألطف منه ، وأرغمهما على تناول شرائح اللّحم بدلا منهما وفي اعتقاده أنّها لحم حيواني ، القط والجرو، اللّذين قام الطبّاخ بمطاردتهما قبل قليل .
وسحب الرّجل الضّخم خنجرا كبيرا بحجم السيف تقريبا من تحته ، مهدّدا أيّاهما بالقتل .
أذعنا المغبونان لأوامره المرعبة ، وجلسا بدلا من الزبونين ، مذبذبين ومتحيّرين ، بين محاولة إرغام نفسيهما على تناول شرائح اللّحم المشبوه وانعدام الرّغبه في ذلك . وبينما هم في تلك الحالة المتشنّجة ، من شدّ وجذب ، إذ بالحيوانين الصّغيرين ، الجرو و" رفيق دربه " القط ، يتسلّلان إلى طاولة الأكل دون أن يجلبا إليهما الإنتباه ، ولم يخطر في بال النّادلين الأبلهين ، اللّذين في كل مرّة يحاولان فيها تناول قطع اللّحم يقومان بتمرير أصابعهما عليها بطريقة حذرة إلاّ ويسمعان فيها إمّا مواء قط أو نباح كلب فترتعد فرائصهما من الخوف ، أنّ الحيوانين من تحتهما .
ويريدانِّ الوقوف في كل مرّة ، لكن الرجل الشّرس يوجّه لهما خنجره عند كل محاولة يقومان بها ، ويأمرهما بالجلوس والاستمرار في الأكل .
أخذ أحد الغبيان قنانة صغيرة وراح يرش الفلفل الأسود على قطعة اللّحم ، فعطس الكلب من تحته ، فازداد خوفا ورعبا ، وراح يستعطف صاحب الخنجر ويتظاهر بالبكاء ، فشهر الرّجل في وجهه الخنجر من جديد ، وأمر النّادلين البليدين بمواصلة الأكل . ورفع أحد الأبلهين نقنقة فأرعبه خيطها المتدلّى ، ونبح الكلب من تحت الطّاولة ، وظن روح الكلب تناديه ، فرما بحبّة النقنق في الطّبق ، وهوى عليها بقوّة السكّين يقطّعُها إربًا إربًا من هول ما قد سمِع ورأى .
وأخذ الآخر يعرك ، يدلك ، القطعة التي أمامه بأصابع يده ، فماء القط من تحته ، وكان زميله الذي بجنبه قد هرع إلى كأس مملوء بالماء في تلك اللّحظة ، فلم يكد يستسيغه حتّى رشّه به على وجه ، ويداه ترتعشان من هول الأمر وما لحق به .
وفي الأخير حضر الطبّاخ وفي يده زجاجة ملح ، فأمره الشخص ذاته ، الذي هدّد و أرعب النّادلين البليدين ، بالجلوس وتناول الطعام الذي قام بإحضاره موجّها إليه ذبابة خنجره الطويل .
جلس الطبّاخ دون تردّد أو خوف ، وأخذ يأكل قطع اللحم والنّقانق وما في الطبقين من طعام بنكهة وشراهة ولم يكترث .
عندها ، سحب صاحب الخنجر الكرسي وجلس يستدرك ما تبقى من أكل في الطّبق ، وكذلك فعل رفيقه حيث جلس مكان الطاهي جنبا إلى جنب معه وتناول فنجان القهوة ، وبينما أراد النّادل الذي يقف خلفه أخذ حبة نقانق ، فضربه على يده ، فوقعت حبّة النّقانق على الأرض ، وتدحرجت تحت الطّاولة ، وتوارت بعيدا عن الأنظار ، لكن إلى أقرب موضع لإثارة الفتنة . واشتدّ القتال بين الجرو والقط ، واللّذين اتّخذا وضعية الدّفاع والاقتتال بينهما .
و تعالى صراخهما فجأة ، فارتعب جميع من في القاعّة ، وكذلك اهتزّ لصراخ وعراك الحيوانين الرّجل الشّرس ، فقام بقلب الطّاولة بما فيها. واختُتم المشهد باشتباك بالأيدي ، بين النّادلين البليدين ورأس الطبّاح الأصلع .
وأمّا صاحبه الذي يقف بجنبه فهو أقل منه سنًّا وضخامة ، لكن أفضل منه خُلُقًا و خِلْقةً على ما يبدو .
يتوسّطهما نادلان بليدان قصيرا الطّول نسبيا يقفان بينهما ، بزيّ موحّد وتصرّف واحد ، كأنّهما توأمان ، أو كصورة " طبق الأصل " لبعضهما .
في الجهة المقابلة ، طبّاخ لاهٍ فيما هو فيه . ثم فجأة يستدير وبيده ساطور وباليد الأخرى رأس كرنب ، أو قرنبيط ، يريد تقطيعه ، وليس ببعيد عنه قط تسلّق الطّاولة المجاورة يريد سرقة النّقانق التي فوقها. صرخ الطبّاخ فيه بشدّة ، ففرّ منه القط إلى خارج المطبخ ، أين يجلس الزبونان والنّادلان إلى جنبهما واقفان .
لحق به الطبّاخ فأدركه وأمسك به من رقبته ثم عاد به إلى المطبخ حاملا الساطور بيد والقط بيد الأخرى ، في مشهد " كاريكاتوري " عجيب لا يتكرّر دائما.
وماهي إلاّ لحظات ردّد فيها المكان ضربات السّاطور المتتالية محدثة فزعا كبيرا في نفوس الأشخاص الأربعة ، نادلين أبلهين ، و زبونين غريبين يظنّان أن الطباخ يقوم بتقطيع القط ، لطبخه وإعداده لهما.
رفع الشخص العبوس ، الذي يشبه إلى حدّ ما الطّاووس حين يستعرض وينشر ريش ذيله ، كأس الماء ليبعد عنه الشعور المفاجئ بالغثيان ربّما ، وأمّا رفيقه المتواضع فتناول زجاجة النّبيذ الأحمر التي أمامه وساقها إلى فمه ، لكنّه ألقى بها في آخر لحظة ، لأنّ ما فيها ربما يعود لدم حيوان ما ، من يدري ؟اا فالطّباخ قد أمسك بقط قبلها وأخذ يجرّه من رقبته إلى حيث لا يراه أحد .
بعدها بلحظات ، قفز جرو بطباط " كنيش " صغير إلى أعلى الصندوق الذي جنب الطاولة ليكرّر ما فعله القط قبله ، وكان الطّباخ يحضّر الطّعام لزبونيه ، فلما رآه أشهر في وجهه السّاطور وراح يركض وراءه ، وتكرّر المشهد ذاته في القاعة أين يجلس الزبونان رفقة النادلين الأبلهين اللّذين بقيا على حالهما منذ قدوم الزبونين لم يحرّكا ساكنا ولم يقدّما شيئا على الإطلاق .
تكرّر المشهد مع الجرو وزاد عليه الطبّاخ بإشهار الآلة الحادّة في وجه المسكين مرّتين ، وحمله في حضنه في طريقه إلى المطبخ ، حيث وضعه فوق برميل خشبي قريبا من نافذة شبه مفتوحة ، وحمل الطبّاخ قطعة الكرنب ، القرنبيط ، إلى الطاولة وهوى عليها بالشفرة الحادّة , وبينما هو كذلك تحرّك العود الذي كانت ترتكز عليه دفّة النّافذة ، فوقعت على ذيل جرو البطباط المسكين الذي أخذ يعوي من شدّة الألم .
وصل ذاك العويل وذاك الأنين إلى الآذان فاقشعرّت جلود أصحابها وتقطّعت قلوبهما حيرة وحسرة ، وكل من يراهما يشفق على حالهما من كثرة الجوع و التّعب . ورافقه شعور الشخص ، العبوس الشرس صاحب العمامة والطّربوش الذي يشبه الطاووس ، بالغثيان ، فلم يجد سوى طربوش رفيقه الذي أمامه ، وأراد أن يفرغ ما تبقى من بقايا طعام في جوفه ، وهمّ به يريد أن يتقيّأ فيه ، فسحبه رفيقه منه بقوّة ورمى به بعيدا .
يستفزّك المشهد وأنت ترى النادلين الأبلهين يردّدان بسذاجة وغباء كل حركة أو فعل يصدران عن الزبونين الغريبين .
بينما هم كذلك ، جاء الطبّاخ يحمل اطباق الطّعام ، ووضع ما أحضره برفق أمام كلا الزبونين ، وقبل أن ينصرف من حيث جاء ، شيّعها برقصة " بالشدّ على المحزم " تعبيرا عن السرور والرّضا.
قام الشخص العبوس الذي يشبه الطّاووس إلى النّادلين الأبلهين وهو يشتاط غضبا ، فأمرهما بالجلوس مكانه ورفيقه الذي يبدو أعقل وألطف منه ، وأرغمهما على تناول شرائح اللّحم بدلا منهما وفي اعتقاده أنّها لحم حيواني ، القط والجرو، اللّذين قام الطبّاخ بمطاردتهما قبل قليل .
وسحب الرّجل الضّخم خنجرا كبيرا بحجم السيف تقريبا من تحته ، مهدّدا أيّاهما بالقتل .
أذعنا المغبونان لأوامره المرعبة ، وجلسا بدلا من الزبونين ، مذبذبين ومتحيّرين ، بين محاولة إرغام نفسيهما على تناول شرائح اللّحم المشبوه وانعدام الرّغبه في ذلك . وبينما هم في تلك الحالة المتشنّجة ، من شدّ وجذب ، إذ بالحيوانين الصّغيرين ، الجرو و" رفيق دربه " القط ، يتسلّلان إلى طاولة الأكل دون أن يجلبا إليهما الإنتباه ، ولم يخطر في بال النّادلين الأبلهين ، اللّذين في كل مرّة يحاولان فيها تناول قطع اللّحم يقومان بتمرير أصابعهما عليها بطريقة حذرة إلاّ ويسمعان فيها إمّا مواء قط أو نباح كلب فترتعد فرائصهما من الخوف ، أنّ الحيوانين من تحتهما .
ويريدانِّ الوقوف في كل مرّة ، لكن الرجل الشّرس يوجّه لهما خنجره عند كل محاولة يقومان بها ، ويأمرهما بالجلوس والاستمرار في الأكل .
أخذ أحد الغبيان قنانة صغيرة وراح يرش الفلفل الأسود على قطعة اللّحم ، فعطس الكلب من تحته ، فازداد خوفا ورعبا ، وراح يستعطف صاحب الخنجر ويتظاهر بالبكاء ، فشهر الرّجل في وجهه الخنجر من جديد ، وأمر النّادلين البليدين بمواصلة الأكل . ورفع أحد الأبلهين نقنقة فأرعبه خيطها المتدلّى ، ونبح الكلب من تحت الطّاولة ، وظن روح الكلب تناديه ، فرما بحبّة النقنق في الطّبق ، وهوى عليها بقوّة السكّين يقطّعُها إربًا إربًا من هول ما قد سمِع ورأى .
وأخذ الآخر يعرك ، يدلك ، القطعة التي أمامه بأصابع يده ، فماء القط من تحته ، وكان زميله الذي بجنبه قد هرع إلى كأس مملوء بالماء في تلك اللّحظة ، فلم يكد يستسيغه حتّى رشّه به على وجه ، ويداه ترتعشان من هول الأمر وما لحق به .
وفي الأخير حضر الطبّاخ وفي يده زجاجة ملح ، فأمره الشخص ذاته ، الذي هدّد و أرعب النّادلين البليدين ، بالجلوس وتناول الطعام الذي قام بإحضاره موجّها إليه ذبابة خنجره الطويل .
جلس الطبّاخ دون تردّد أو خوف ، وأخذ يأكل قطع اللحم والنّقانق وما في الطبقين من طعام بنكهة وشراهة ولم يكترث .
عندها ، سحب صاحب الخنجر الكرسي وجلس يستدرك ما تبقى من أكل في الطّبق ، وكذلك فعل رفيقه حيث جلس مكان الطاهي جنبا إلى جنب معه وتناول فنجان القهوة ، وبينما أراد النّادل الذي يقف خلفه أخذ حبة نقانق ، فضربه على يده ، فوقعت حبّة النّقانق على الأرض ، وتدحرجت تحت الطّاولة ، وتوارت بعيدا عن الأنظار ، لكن إلى أقرب موضع لإثارة الفتنة . واشتدّ القتال بين الجرو والقط ، واللّذين اتّخذا وضعية الدّفاع والاقتتال بينهما .
و تعالى صراخهما فجأة ، فارتعب جميع من في القاعّة ، وكذلك اهتزّ لصراخ وعراك الحيوانين الرّجل الشّرس ، فقام بقلب الطّاولة بما فيها. واختُتم المشهد باشتباك بالأيدي ، بين النّادلين البليدين ورأس الطبّاح الأصلع .
تعليق