الطريق إلى سدات

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عجلان أجاويد
    مشاكس و عنيد
    • 03-01-2017
    • 238

    الطريق إلى سدات

    الحلقة الاولى



    الحلقة رقم 01

    من روايتي الثانية

    ( الطريق إلى سدات )

    إنها المفارقة المتوهجة بلهب الانتظار و قد تآكلت جوانبها المترامية الأطراف خلف هذه الهضبة التي سميت حين ذاك بالاسم الذي تحمله الآن ، اختلف الناس في انتسابها لتلك المراحل التي عاش فيها أجدادنا و أجدادكم أيضا ، انتسبت في انسابها لهم و خلدت اسماءهم التي قد ترمز في مفهومها للصراعات الدامية التي عاشتها على مر التاريخ ، فالديس هذه النبتة البرية المرتبط أساسا في رمزية المنطقة ، و تلك الأكواخ المتناثرة على السفوح من أولاد عميور و أولاد الطالب و الدراوش ثم أولاد علال و أولاد زكري، لم تكن سوى هذه التضاريس الملتوية نحو المجهول و الفراغ الذي يحتويها ، و هذه الأحداث الأليمة التي عاشت فيها على الدوام ، لقد تنكرت الأيام و الأحداث لعدد كبير من القابعين في الظل و السكون ، و ماتوا دون أن تتحقق أحلامهم الصغيرة في العيش الكريم بسلام بعيدا عن الحقد الذي سكن قلوبهم و التوجس وقد نخر عقولهم ، كانت القمم مأهولة بتلك الحياة البدائية البسيطة الممزوجة بالألم و الصبر و الحلم لغد جميل و أفضل ، لكن هذا اليوم تأخر عند جيل أجدادنا ، و انخرط فيه آباؤنا بنفس الحلم الذي تحول إلى وهم بعدما غادر الاروبيون القرية و تركوها غارقة في ظلام دامس من الفقر و الجهل و الخرافة ، فخضعت ذليلة لمنطق القوة في تقاسم البنايات و المساكن و الأراضي و حتى الأرصفة التي خلفها الكولون و أتباعه العرب المنتفعين بخدماتهم الدنيئة للاستعمار ، كيف استفاقت مدام جورج على فجيعة العودة و الاستسلام للأمر الواقع و النزوح ثانية إلى بلادها ، و التفريط في النزل الوحيد الذي تحول فيما بعد إلى مقر للبلدية ، و المخمرة التي استسلمت ملكيتها للصراعات العقائدية في تحريم بيع الخمر و استهلاكه ، إلى أن تهدمت أسوارها و بقيت شاهدة على حقبة من التاريخ عمر على فراغات و هوة من التناقض في التفكير و التصور و الاعتقاد ، لم يكن جدي يوسف ليمتلك مطحنة للقمح في مركز الشقفة و قد منحتها له جراء أمانته و صدقه و تفانيه في العمل ، لكن بعد غيابها الاضطراري استجابة لاتفاقيات إيفيان باعها وصرف ثمنها ، إنها الفوضى التي اكتسحت تلك البدايات و جرجرتنا إلى هذه النهاية التي نعيشها الآن ،



    وقف عمي الشريف بن عميرش (براح القرية ) على جانب الطريق واستطال بالرصيف و استنجد به ، مد بصره في الفراغ ، يتأمل نهاية الأرض الممتدة بلا حدود حيث تلامس الأفق في نهاية سلسلة جبال سدات و بعدها الفراغ الرابض خلف القمم المتراصة مثل أنياب حادة في فم ذئب أصابه السعار ، تيسبيلان ثم أفوزار فجبل عميرة الذي يتوسد حقول و مروج الكنار ، و من الجهة الأخرى هضاب الشقفة و قد استسلمت للبور و الإسمنت و أكياس النيلون العالقة بالأحراش ، لم تعد تلك البساتين التى خلفتها مدام جورج تنبض بالنماء و الحياة مثلما تركتها عند النزوح العكسي نحو الشمال ، ولم تعد النوادر قائمة على حواشيها و أطرافها الشمالية بعدما جرفها العائدون من الجبل و حولوها في البداية إلى ملعب ، ثم تقاسموا بقية الأراضي و استولوا على تلك البنايات المؤثثة التي تخلى عنها ماني و بوليث و لدريان ، حتى الأشجار التى تركوها قطعت و استغلت أخشابها في تضييق المعابر و الممرات بين أكواخ البؤس في حي لعسالة و بقية الأحياء ، إنها الكارثة التي زحفت على القرية الصغيرة القابعة في السكون و انتزعت منها براءتها و عفتها و حولتها إلى خراب و ركام ،

    رفع بن عميرش كفيه و صهل في التيه منذرا بإعلانات الحاكم الوطني الجديد الذي استنسخ الانقلاب ، و قاد الثورة إلى الجنون

    سرى صوته في السوق و في الأحياء المتاخمة ، و انتشر الخبر في المسامات المغلقة بالخوف ، ترى لماذا تكررت نفس الأحداث و رجفت كل القلوب المتوجسة بهول المآسي ،

    _ يا أولاد الحلال أسمعكم بالخير و العافية ،،،، فاسمعوا يا أهل الخير



    .../...

    يتبع



    شقيف الشقفاوي
  • عجلان أجاويد
    مشاكس و عنيد
    • 03-01-2017
    • 238

    #2
    الحلقة رقم 02
    من روايتي ( الطريق إلى سدات )
    عندما هم بن عميرش بالنداء ، صمت مبارك لعويفري وتاه في الفراغ تيها موحشا في الطفولة ، كانت قدماه دامية في الحفاء ، و هو يتسلق مرتفعات لعمارشة و القمم المتاخمة لها ،
    في رحلات متكررة عن درنات ( أيرني ) التي عافتها الخنازير ، تذكر حين كان يجمع حزم الديس و الحطب و يعود في المساء منهكا و متعبا إلى كوخه المنزوي في الظل ، تذكر بنت عمه اليامنة حين كانت تطل عليه إطلالات باسمة مشحونة بحرقة اللقاء ، لكنها ماتت عام البون بمرض غريب ، أخذها إلى المرابطين و دار الدراويش و طاف بها تخوم الشفاء في دار الضمان و سيدي عبد القادر و زاوية بن فطومة ، و كتب لها عشرات التمائم لكن الموت كان غاشما و قاسيا كتم أنفاسها بالصدفة و الصمت ، و تركه يجوب القمم و الدمع يغسل خديه ،
    لم تكن جبال سدات لتستسلم لقدرها المحتوم ، فخلال الحرب العالمية الثانية تشكلت الإدارة الاستعمارية في الشقفة و أصبحت حين ذاك مقرا للأعيان الذين تفيض قلوبهم بالشر و الحقد و المتناثرين في حواشيها و مداشرها ، وقد استفاقوا على امتيازات لم يألفوها من قبل ، في جمع الغرامات و المكوس لدعم سلطة الاحتلال ، و بالقوة التي خولها لهم الحاكم العسكري حين ذاك ، القايد بوطلعة على برج الطهر و ما يحيط بها من جبال ، و القايد عباس على هضاب وجانة ، و السعيد بن يحي على بني معمر و أبي يوسف ، و استسلمت ملالة بقطاعاتها المتناثرة لبن خلاف و داود ، لازالت أراضيهما شاهدة على تسلطهما و استهتارهما بالأهالي ،
    رفع بن عميرش كفيه يقبض على طرفي صدغيه ، و يطلق صوته في الفضاء ،
    - يا أولاد الحلال أسمعكم بالخير و العافية ،،،، !!!
    و لما خنقه الدمع و حبس أنفاسه ، جلس جنب امبارك بلعويفري على الرصيف ، هذا الأخير لم يتوان في الاستهزاء به ، و تحريك مشاعره و أحاسيسه
    قال له : اليوم رأيت مدام جورج ملامحها تنبع من الأحلام ، إنها أيقونة تشكلت من النور ،
    لكن بن عميرش نهره بعنف و احتقار فقال له :
    أعمى مثلك لا يمكن أن ير الأشياء كما يراها البصير يا لمبارك ،،،،


    .../,,,


    يتبع


    شقيف الشقفاوي

    تعليق

    • عجلان أجاويد
      مشاكس و عنيد
      • 03-01-2017
      • 238

      #3
      شقيف الشقفاوي

      ‏٣‏ دقائق ·









      الحلقة 03
      من روايتي ( الطريق إلى سدات )

      أحس لمبارك بوخز الجواب ، فتدحرجت حبات الدمع على وجنتيه ، وفاضت ملامحه بالوجع ، فلم يكن ينتظر من بن عميرش أن ينهره بهذا السؤال ، و على قدر تلك الأحقاد التي غزت قلوب العائدين من المغارات لاستيطان القرية الهادئة الجميلة ، كانت كلماته طلقة صامتة في قلبه ، نخرت صدره و تشعبت في أوجاعه ، و سدت له منافذ الفسحة التي كان يحلم بها ،
      كانت الشقفة قطعة من هذا الذل بعدما غزاها الاستقلال المنقوص و الحرية الشكلية التي أفسحت الريادة للخونة و أبناء القياد لتسييرها و التحكم في رقاب أهلها ، تذكر بساتين المخمرة التي أصبحت تسمي الآن شارع فازة ، تذكر مدام جورج حين كانت تفتح المخمرة صباحا بهيئتها الإفرنجية و لباسها المميز ، تقف في الداخل ترحب بالقادمين وتوزع الابتسامات على الزبائن بلا تمييز ، تلك الصورة لازالت راسخة في أذهان رواد المخمرة ، تذكرها لما كانت تستدعيه إلى بيتها حين كان يغفل في الاستراحة ، فتأسر رغبته في الاشتهاء ، و تغرق فحيحه في الهمس
      قال بنبرة الواثق :
      إن لم تدخل مدام جورج الجنة فمن سيدخلها إذن ، لقد تركت الشقفة تحفة في النماء ، لكن بعد إعلان وقف إطلاق النار ، زحف اولاد علال و الزكاروة و البريرية و اولاد الطالب و بني معمر و حولوها إلى خراب ، حتى الأشجار الجميلة قطعوها و غرسوا بذلها الهندي و القصب ، و هدموا الكاتدرائية
      الجميلة بهندستها المتميزة
      ولما تلفت بن عميرش إليه وجده تائها في الفراغ غارقا في التردد بائسا في الانحناء ، و أثر الدمع بادية على وجهه ، فمنذ الاستقلال و حكايات لمبارك موغلة في الندم و التحسر على أيامه التي قضاها في بساتين الرومية

      .../...
      يتبع
      شقيف الشقفاوي


      تعليق

      يعمل...
      X