لا ثروةَ إلا ... النِّساء
(مقالة)
(مقالة)
هذا العنوان مُحوَّر من عنوان آخر كنت ألمحت إليه قبلا في قصتي الطريفة "الجملة المفيدة" في تعقيبي رقم:#9 حيث أحلت على كتاب صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1979 "ثيودور وليم شولتز"، "Théodore William Schultz"، والمعنون بـ "لا ثروة إلا الرجال" (il n'est de richesse que d'hommes)، والترجمة لي منذ عام 1993 حيث نشرت مقالة عن الكتاب عندما كنت أكتب في جريدة "الخبر" اليومية الجزائرية، وكان يفترض بي أن أترجم العنوان بـ "لا ثروة إلا الإنسان" ليشمل العنوان الرجال والنساء معا، واليوم أعود إلى الموضوع من زاوية أخرى فأقول إنه، في الواقع، لا ثروة حقيقة إلا النساء وحدهن فقط إذ، كما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم، رحمه الله تعالى، ولقد صدق والله:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَـــــــــــــها = أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَـــــيا = بِالـــــــــــرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستــــــــــاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى = شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَـــــيا = بِالـــــــــــرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستــــــــــاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى = شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
فالمرأة، والتي تنشأ صبية ففتاة فامرأة فأمًّا هي من يجب علينا الاعتناء به، في هذه الأطوار كلها، أكثر من عنايتنا بأولادنا الذكور حتى تكون الأم التي تلد الرجال وتنشيء الأبطال ولنا في التاريخ فكر وعبر عن النساء العظيمات حقيقة وليس ادعاء (زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، ونساء الصحابة، رضي الله عنهن وعنهم، نماذجَ) واللّائي كان لهن الدور الأول في صناعة التاريخ بأنفسهن أو من وراء أزواجهن وأولادهن، ألا يقال: "وراء كل رجل عظيم امرأة"؟ بلى لكن هذا المثل قد استغل أسوأ استغلال إذ قصد به الإساءة إلى الرجال وليس مدحهم وأريد به الانتقاص من قدرهم وليس التنويه بهم أو الاعتزار بأعمالهم.
فالمرأة التي تُنشَّأ على الدين والأخلاق الحميدة والحياء والعفة هي المقصودة بحديثنا اليوم وليس تلك "المرأة" (؟!!!) التي تحولت بفعل فاعل خبيث إلى سلعة تباع وتشترى، أو صارت مروجة البضائع بعريها وتبرجها وتهتُّكها وانحلالها الأخلاقي المفزع، ولذا وجب التنبه إلى خطورة حال المرأة وما صارت إليه من استرخاص وهي الثمينة، ومن استبخاس وهي النفيسة؛ أو صُيِّرت، بإرادتها أو بإرادة الرجل، أداة إفساد وإغراء وتخريب.
الأنظمة المتحضرة، وما لها وجود اليوم على وجه الأرض كلها، تعتني بالمرأة في مختلف أطوار حياتها لتصنع المجتمع الراقي الحقيقي حيث لكل من المرأة والرجل دوره في الحياة الآدمية أما ما نراه في وسائل الإعلام المتنوعة والواقع المعيش لا يمت إلى التحضر بصلة ما إلا أن يكون مفهوم التحضر أن يعيش الناس عيشة البهائم وحياة الضواري في الغابات والأدغال والصحاري والمفازات، أما الحياة الكريمة الصحيحة فليس لها وجود اليوم على وجه الأرض ألبتة لأن الناس صاروا إلى البهيمية أقرب منهم إلى الآدمية التي يدعونها وليست فيهم.
إذن، إذا أردنا أن نكوِّن المجتمع الإنساني الحق والتي تتمثل فيه قيم الأدمية الصحيحة فما علينا إلا بإعادة النظر في فكرنا وفي رؤيتنا وفي تصورنا لدور المرأة في المجتمع، وعلينا أن نعيد النظر في تربيتنا وفي برامج التعليم وفي فلسفة الحياة التي نعتمدها في علاقاتنا مع بعضنا رجالا ونساء، أما بقاء الحال على ما هي عليه اليوم ومنذ قرون، والأمور تزداد سوءا على سوء، فلا أمل لنا في غد طيب ما لم نعدالتفكير في تصورنا عن دور المرأة في الحياة وفي تكوين الرجال وتنشئة الأبطال الذين سيحررون العقول من الأغلال التي تكبلها، الاستثمار يكون أولا وقبل أي شيء في المرأة إذ لا ثروة حقيقية إلا المرأة.
هذا وللحديث بقية، إن شاء الله تعالى، إن كان في العمر بقية.
البُلَيْدة، صبيحة يوم الأحد 14 من شهر الله المحرم 1441 الموافق 13 أكتوبر/تشرين الأول 2019(غ).
تعليق