تأملات حول القصة القصيرة جدا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    تأملات حول القصة القصيرة جدا

    تأملاتي حول القصة القصيرة جدا ، خاصة بي، وأنا الوحيد المسؤول عنها. أرجو قراءتها قبل أي إعجاب أو تعليق، مع ملاحظة أن المراجع المساعدة غير مذكورة، ويمكن بلوغها بسهولة. تحياتي.
    **
    هل يمكن القول إن القصة القصيرة جدا تنتمي لما يمكن الاصطلاح عليه بالكرنفال القصصي؟

    نعم، يمكن القول إن القصة القصيرة جدا تنتمي للكرنفال الأدبي الذي يتضمن أيضا الفنون الشعبية وفن الشارع وكل الفنون التي لا يعترف بها الأدب الرسمي؛ إنها تلك الفنون المعبرة عن عمق الإنسان، والرافضة للقيود والصواب.
    والقصة القصيرة جدا، كباقي الفنون، تساهم هي الأخرى في الكشف، والتعرية، وتقول المسكوت عنه. إنها جنس زئبقي، متمرد، ونزق، وساخر من الأعراف كلها، والتقاليد المكبلة.
    كما أنها جنس احتفالي بامتياز اهتمت بالجسد الإنساني السامي والسفلي بخاصة، والجسد الاجتماعي المقموع والمخفي، من أجل تحريره من القمع الذي طاله زمنا طويلا بفعل الثقافة المحافظة والعادات البالية، وسعت لتبخيسه باعتمادها النظرة الاستعلائية، نظرة السلطة القائمة التي تكرس هيمنة العقلي والأعلى على الجسدي الملوث والمنحط. بخلاف القص الوجيز المتمرد على كل سلطة، وعلى منظورها، وعلى فلسفتها، مشكلا فلسفته الدنيوية الخاصة؛ فلسفة تعلي من شأن الأسفل، والمحتقر، والمقصي، وتسخر من الرسمي، وتزري به، تظهر عوراته، وتشير إلى وضاعته.
    في هذا السياق، نجد باختين قد خصص كتابا مهما يعيد الاعتبار للجسد السفلي بالأخص. وما الاحتفال الكرنفالي وما يحفه من رقص وطعام وجنس إلا عملية تحرر من القمع. ولا غرو أن تصب السلطة الرسمية المتسلطة نقدها للقص الوجيز لأنها لم تستسغ ظهور جنس جديد يفرض نفسه، ففي ظنها أنه سيزاحمها، وهي تراه يربح مساحات جديدة. مثل هذا النقد يتبنى الموقع الثابت الرافض لفعل الحياة العاشقة للجديد والتجدد. في هذا النزوع نجد تمييزا بين نوعين من الأدب: الأدب الرسمي "الجاد والصادم" الذي يمثل الطبقات العليا من المجتمع والبورجوازية الحاكمة، والأدب الشعبي المتمثل في أفراح الكرنفال والشعائر والطقوس الهزلية والمهرجين والمغفلين والأقزام والمسوخ، أدب المحاكاة الساخرة والمسرحيات الهزلية في الساحات العامة، أدب القاموس البذيء الذي يعج بالمثالب والشتائم، أدب عيد الحمار وملك المجانين، والقص الوجيز من ضمنها. وهذه الاحتفالات الشعبية تذكّر بالديونيسيات (أعياد ديونيسوس في اليونان) والزحليات (التي كانت تقام في روما ما بين 17 و 24 كانون الأول / ديسمبر).
    وفي عالمنا نجد الاحتفاء بالأعياد الدينية فرصة لممارسات جسدية حيث يعطى له الحظوة، فيحضر الرقص والطعام والجنس دون رادع، وتظل تلك الممارسات تحت المراقبة، بيد أنها، رغم ذلك، تكون لها ارتدادات بعد الانتهاء من الاحتفال. ونلاحظ في رمضان كيف يقبل الناس على الطعام والشراب والبطن بعد أذان المغرب؛ وهو الشهر الذي أتى لجعل المسلم يتحكم في شهوتي البطن والفرج.
    "كان الكرنفال يعدّ انتصاراً لنوع من التحرر المؤقت على الحقيقة السائدة والنظام القائم، والإلغاء المؤقت لكل العلاقات التراتبية، والامتيازات، والقواعد، والتابوهات؛ لقد كان احتفالاً أصيلاً بالزمن، بالصيرورة، بالتعاقبات، بالتجديدات، إذ كان يتعارض مع كل تأبيد وكل إكمال ونهاية". في الكرنفال تزول الفروق الاجتماعية ويكون جميع الناس سواسية لا تفصلهم – خلال فترة الكرنفال – حواجز ومسافات ناجمة عن طريقة العيش والثروة والوظيفة والعمر والمنبت الطبقي.
    و يتم في مثل هذه الاحتفالات على الضحك، ويبلغ أوجه في الصور الغروتيسكية التي تركز على المبالغة في حركات الجسد وفي اختيار المفردات اللغوية الساخرة: "الكتابة عن الضحك أفضل من الدموع، لأن الضحك سمة الإنسان" وقد اعتبر الضحك من طرف المؤسسة الرسمية مروقا وخروجا عن اللياقة والأعراف. إنها ثقافة جادة، وصارمة، ومتزمتة، وفي تلك الاحتفالات غالباً ما كان الناس يلجؤون إلى الملابس التنكرية ويُقبلون بشراهة على الأكل والسكر والحركات الفاحشة: "
    في هذه الشعائر، كان يجب "قلب الأعلى والأسفل، والإطاحة بكل ما هو مرتفع وقديم، وجاهز ومكتمل، في البرزخ السفلي المادي والجسدي حتى يخضع لولادة جديدة بعد الموت". وكانت لغتها تعجّ بمعارضات النصوص الدينية الواردة في العهدين القديم والحديث، كي تنزاح نحو الأسفل المادي والجسدي، أي نحو ما يمتّ بصلة إلى الكلام الفاحش والبذيء والماجن، وإلى الشتائم والمسبات.
    يقول عنها حسن البقالي:
    حين رأيتها أول مرة، خلت أنها دمية هاربة من مصنع ياباني.وبشكل ما، ونتيجة خلل عارض في حسابات الهندسة الآلية وسلالات الروبوتات، لم تتمكن الأشياء من الحفاظ عليها في حضرة الإنتماء، فمشت في الأرض تدشن لفصيلة جديدة من الأحياء.
    كانت قصيرة جدا
    كأنها نتاج مخيلة مولعة حد الشطط بالتكثيف..
    قصيرة وضئيلة في حجم الكف.. بعينين سوداوين واسعتين وصافيتين، تنثال منهما نظرات بلون الصباح
    عينين..
    كأنهما الأصل
    وسائر الجسد مجرد تكملة للتبرير.
    كان بيدها قلم تناغيه بأناملها الدقيقة، ومن جيب قميصها السماوي يبدو الجزء العلوي لورقة بيضاء مطوية على أربع ونائمة في دعة.
    قلت:
    - قلم في اليد وورقة في الجيب..أهو وعد أم مصيدة؟
    أيقظت الورقة من غفوتها وأفردتها قائلة:
    - مصيدة؟ ربما..أو ربما قشة من خشاش الأرض أدغدغ بها خياشيم العالم كي أدفعه إلى العطاس..
    بدت الورقة مكتوبة بخط رفيع..
    في أعلى الصفحة مفتتح حكاية من زمن الطفولة، في شكل مقطع حواري يجمع بين قاض وامرأة قصيرة

    " - أنا مْرا قصيوْرة
    - ربي خلقك
    - أو داري مدِيوْرة
    - على قدك
    - نضت نشطبها
    - من حذاقتك
    - ولقيت غريّش...."
    وتحت المفتتح نصوص تختلف طولا وقصرا وتحديدا أجناسيا.. نصوص كالمزامير مكتوبة بخط رفيع ينتهي إلى التفتت والانحلال في البياض، قبل أن ينبعث من جديد عبر الأنفاس الأولى لليل حبر جديد.
    نظرت إلى صباحة وجهها، وسألت:
    - من أنت؟ أقصد ما جوهرك؟
    فردت بسرعة بديهة، كما لو أنها تتحسس سؤال الجوهر و الماهية لدى كل استيقاظة:
    - أنا .. قصيرة تصافح العالم
    - اعتقدت في البداية أنك قصيرة تتلهى عن عزلتها بتفحص أحوال الآخرين..
    - هل تدري: لكي تصافح العالم فأنت لا تحتاج إلى كف كبيرة..
    كانت باسمة..واثقة وجريئة في تطويق الأشياء بالأسئلة. وجدتني أركز النظر على كفها الصغيرة التي تلامس كفي .. في شفتيها الورديتين وجسدها الضئيل الدافئ : كانت طفلة في خطواتها الأولى المزنرة بالدهشة والرغبة في الاستكشاف..
    يعتمد نقد القص الوجيز على مرجعية رسمية ترى في هذا الجنس المشاغب تهديدا لاستقرارها، وصفائها؛ فباسم الاستقرار تقوم بالنبذ والاقصاء، وفي أحيان كثيرة تسم العنصر المشوش بصفات التبخيس والتحقير واللعن. فالظن أن الجسد السفلي الذي تمثله القصة القصيرة جدا، ملوث هو تجزيء لكامل الجسد، وابتعاد عن تكامله، إذ ترى تلك النظرة أن الأعلى أسمى من الأسفل، فالأعلى سماوي، والأسفل دنيوي؛ وهي بهذا الفصل تبعد القص الوجيز عن السمو، متناسية أن الدنيوي هو ما تخاطبه القصة القصيرة جدا، وفي التصاقها به تعبر عن التصاقها بالإنسان. لذا، كان من الضروري الاهتمام بالجسد وإفرازاته دون تنقيص أو خجل. لا ينبغي قمعه بإخفائه كما تخفي العمارات الشاهقة ما خلفها من عورات. هو جزء من الجسد لا يمكن التخلص منه ولا إلغاؤه. وعملية إدخال الطعام وإخراجه ضرورة حياة، وتجديد للطاقة. ثم، من الضروري الإشارة إلى قضية مهمة وهي أن القصة القصيرة جدا وليدة القاع، آتية، كما الرواية، من الأسفل، للتعبير عن معاناة الطبقات المسحوقة، والتعبير عن آلامها وآمالها، هي جنس ملتصق بالشعب، أي بالقاع، ولا يضيرها أن تكون كذلك، مادامت شرعيتها تستمدها من هؤلاء المبعدين، إنها جنس زئبقي، مراوغ، لا يخضع لمعايير جمالية معينة، لأنه يبدع معاييره كل مرة، ولا قيمة للطفيليات، فهي تمس الجسد الإبداعي عامة، ودون تخصيص.
    تعتم القصة القصيرة جدا بمجمل نشاطا الإنسان، ترسمه وهو يأكل، ويضاجع، ويتغوط، ويرقص، ويشتم، ولا ترى حرجا في ذلك لأنها ترفض التنميط والقيود المكبلة للإنسان ولها. إنها تكتب حريتها بكتابة حرية الإنسان، فلا قواعد ولا معايير سوى الحرية.
    تخرج لسانها ساخرة من كل أشكال القمع، وعورتها للفضيلة الخادعة.
    لنأخذ هذه القصة كمثال:
    وهي قصة قصيرة جدا لمحمد حياوي
    سيلْفِي مع أَنجلِينا جوْلِي لـ محمد حيّاوي
    أَيْقَظَت الْأُمّ ابْنَتها المُرَاهِقة المَهْوُوسَة في الأَفْلام بَعْدَ أن تَناهى إِلى سَمْعها صَوْت أَنجلِينا جوْلِي ونَشِيجهَا وسط أطْلال أَيْمُن الموْصِل، "أنهْضِي يا اِبْنَتي. أَنَّها أَنجلِينا جوْلِي تجوب الخرائِب فَوْقَنَا. أَنَّها فُرْصتكِ لتحْقِيق حُلْمكِ بالتَّصْوِير معها". مسَحَت الفَتاة عَيْنيهَا وعَدَّلَت شعْرها وراحَت تتَسلَّق الأَنْقاض. صادفَتها الكَثِير من الجثث في طَريقها إِلى الأعلى. وهُناك، وجدَت أَنجلِينا جوْلِي تَجْلِس باكيَة، وما أَن رأتها مُقْبِلة، حتَّى ابْتَسمَت لهَا وفرَّدت ذِراعيّها لتَحضّنها، فأخْرَجَت هاتِفها والتقطَت سيلفِي مَعَهَا وعادَت مُسْرِعَة إِلى الأَسْفَل لِتَرِي أُمّها الصُّورة، لكنَّها اِنْدهشَت حين لَمْ تر وجْههَا بجانِب وجْه أَنجلِينا المُبْتَسِم وسط دُموعها. لقد نَسِيَت أَنَّها مَيْتة مُنْذُ أَشْهر تحتَ الأَنْقاض.
    هي قصة تجمع بين الواقعي والخيالي دون اهتمام بالزوائد التي تعطل فعل القراءة، تقدم نفسها بتركيز شديد، معتمدة على الخيال الخلاق، واللغة الشاعرية الدافقة، والإيجاز المحمود.
    وهذه القصة لحسن البقالي:
    النهد
    لقد اعتبر على الدوام أن النهد أروع أشياء العالم
    لذلك تخصص في التجميل.. يتوسل بالسليكون أو الماء المالح وآخر التقنيات ومقاسات الجسد، في تكبير نهد و تصغير آخر.
    الآن.. في عمره المتقدم
    يعرف أنه بلغ نهاية الرحلة.. مثلما يعرف أن المرأة التي قصدته البارحة لتصغير نهديها العظيمين، فرصته الأخيرة
    أوصى مساعديه
    وبذلك التواطؤ اللذيذ الذي يصل بين رفاق الرحلة الطويلة، عملوا على تيسير انتقاله البهيج:
    شق النهد بضربة مشرط عاشق
    وببطء.. ومتعة لا يقاسان، تدلى عبر الشق
    ومن موقعه الدافئ ذاك.. بين جدران من قطن ومخمل، جعل يتابع دبيب الخيط يرتق الشق، وعلى الشفتين بسمة خاثرة.
    نص يحقق الدهشة والمتعة واللذة.
    ودرب القصيرة جدا يعد دائما بالجميل والمدهش، والذي يرفع عجيزته ساخرا من جدية العالم، نجد ذلك في نصوص حميد ركاطة، وبرطال وغيرهما، حيث الاحتفاء بالأعلى والأسفل.
    ومن سمات القص الوجيز “الإسفال” أو “التسفيل: نقل كل ما هو عالٍ أو متعالٍ، روحي ومثالي ومجرد، إلى المستوى المادي والجسدي، مستوى الأرض والجسد. وهذا ما جعل الضحك الشعبي مرتبطاً على الدوام بالأسفل. ويعني الإسفال التقريب من الأرض، والاتحاد بها بصفتها مبدأ امتصاص ولادة. يعني أيضا الإتحاد بحياة الأطراف السفلى للجسد: البطن، الأعضاء التناسلية، وبأفعال مثل: التزاوج، الخلق، الحمل، الوضع، امتصاص الطعام، وقضاء الحاجة الطبيعية. وفي الإسفال نحن نقبُرُ ونبذرُ، نميتُ ونحيي. أما إهانات العالم والقدر، فليس هناك من وسيلة في الدنيا أقوى من الضحك لمواجهتها.
  • مادلين مدور
    عضو الملتقى
    • 13-11-2018
    • 151

    #2
    الآن عرفت لماذا أصحاب الياقات المنشاة
    وأقلام الباركر بحبرها الأخضر.
    يحاربون القصة القصيرة جداً.

    تحياتي أستاذ التبلاوي.
    لا أُصَدِّقُ من يقولُ لا وقتَ لدي.
    بِهِ أفعلُ كُلَّ شيءٍ، والفائضُ أستمتِعُ بإضاعته.

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مادلين مدور مشاهدة المشاركة
      الآن عرفت لماذا أصحاب الياقات المنشاة
      وأقلام الباركر بحبرها الأخضر.
      يحاربون القصة القصيرة جداً.

      تحياتي أستاذ التبلاوي.
      أختي مادلين
      ظننت أن تصوري القابل للتعديل لم يثر اهتمام أحد، لكنك أثبت باهتمامك العكس.
      شكرا لك.
      مودتي.

      تعليق

      يعمل...
      X