عندما كُنت طالباً في المرحلة الإبتدائية ، تعلمنا أنَّ 7-5=2 ، ولكن بنفس اللحظة رسم لنا المدرس معادلة أخرى وهي 5-7 وطلبَ منّا أن نجيب .. البعض قال 2 .. و لكنه حسم هذا الخلاف بقول أنه " لا يجوز " ، لا يجوز يا أطفال أن نطرح العدد الصغير من العدد الكبير .
وعندما ترقيت في المرحلة التعليمية ، حدثَ تحول دراماتيكي وهو أن اللا يجوز ، باتَ يجوز ..
فبكل بساطة تعلمنا خط الأعداد وتعرفنا على عالم السالب .. فعندما يرسم لنا 5-7 نجيب بسرعة -2 .
هذا الأمر أثار غرابتي كالعادة ، كيف تعيش طفولتك بشيء لا يجوز و بعد فترة تراه أصبح و أمسى يجوز و يستباح ..
لقد شعرت أن هذا الأمر أشبه بفتاوى رجال الدين ، عندما كانت الأمور لا تجوز و تستحق النهي ، وبعد فترة من العمر صارت حلالاً طيباً مباركاً .
ربما كان مقصد التربويين أصحاب النظرية التعليمية تتمحور حول أن قصور إدراك العقل البشري يتطلب منّا التدرج في التعامل مع عقلية الأطفال .
لكن رجال الدين نادراً ما يتدرجوا ، فتراهم مرةً يأتون من المستقبل البعيد ، ويفتون على قاعدة الحل تنازلياً ، ومرةً تراهم ينطلقون من الصفر و يتجمدون مكانهم ، بلا أدنى مرونة .
= أنا أعتذر على هذه المقدمة ، لكني أعتقد أنه لا بدَّ منها ، أو أنني أهذي من شدة الصدمة .
لقد كبرتُ يا رفاق .. وصرت أدينُ بدين الحب !
لقد كانت هذه المحطة الفارقة في شبابي من أجمل لحظات عمري ، تتشابه تماماً باليوم الذي تعلمت فيه الحبو أو المشي ، تتشابه باليوم الأول لبروز أسناني ، تتشابه باليوم الأول في المدرسة ..
محطات فارقة و جميلة .
وكما تعلمون يا رفاق الدرب ، أن الحب ، بحرٌ عميق ، فيه من المشاعر أشكالٌ عِدة ، وحجم المآسي في قيعانه كبيرة جداً ، وحجم الفرحة الطافية على سطحهِ قليلة ، لكنها قويةُ الإشعاع .. فتراها تسر الناظرين لهذا العالم ، وتأسر قلوب اليافعين الذين لا حولَ لهم و لا قوة ..
لقد شاء القدر يا رفاق ، أن أعيش حالة من الحب أحادي الجانب ، ( حب من أول نظرة كما يعرفهُ أهل الاختصاص ) ..
و للفائدة ، فإن هذا الحب هو أقسى أنواع الحب ، ومرفوض لدى الجميع ، حتى أن أحادية الجانب مرفوضة لدى السياسيين ، كم مرة حذّرَ رعاة إتفاقيات السلام بين الفلسطينين و الصهاينة من التصرفات أحادية الجانب ؟!
حتى أن انسحاب شارون -عليه سحائب اللعنة- من غزة يسعد القلب ، لكنه رُفِضَ ، لأنه أحادي الجانب ..
لا بأس .. لقد عشت صراعاً طويلاً بداخلي ، كيف أصل إلى شرارة الحب ، التي توقد تلك الشعلة ، كيف أبدأ .. هل بالمكاتيب التي ستُلقى على أبواب المدارس ، أم بإهداءات أغاني عبدالحليم حافظ و أشرطة سعاد حسني ، أم نلتقي بالسينما لعرض فيلم أبيض و أسود ، أم أهديها قصيدة موزونة القافية أو حتى شعرٌ حر ؟
كل ما سلف ذكره ، عفا عليه الزمن يا رفاق الدرب .
الآن الحب ، أصبح أكثر مرارةً وصعوبةً ، وأصبح عملة نادرة في زمن كثرت فيه التفاهة والقذارة .
لم يكن أمامي سوا ، ذلك العالم الذي ندّعي فيه المثالية ، الشبكة العنكبوتية ، التي لم تُصغر العالم وتجعله قرية صغيرة فقط ، بل صغرت عقول العرب أيضاً .
لقد دخلت هذا العالم .. و أرسلت إليها طلب صداقة ، فرفضت صداقتي ، ثم أرسلت لها رسالة جميلة ، تبدأ بصباح الخير ، فتجاهلت !
لقد شعرت أنه لم يعد لدّي ما يكفي من الكرامة لأتودد لها ، فقررت الرحيل ..
يومين فقط ، حتى توصلت لإتفاق مع نفسي ، أن الحب يحتاج إلى تضحيات ، والعاشق لا ينتبه كثيراً لأمر الكرامة ، فقررت العودة ، بصورة بوكيه ورد أحمر كبير ملحوقة بنص شعري لأمير العشاق نزار قباني ..
= لم أكن أعرف أنها لا تحب اللون الأحمر ، وأنها تحب اللون الأصفر ..
ألم أخبركم بأن الحب لم يعد طفلاً كما عاشوه قبل خمسين سنة ؟!
لقد تغيرت مبادئ هذا العالم ، أصبحت الفتيات يتجنبن اللون الأحمر ، فماذا بقي للعشاق بعد رحيل الأحمر .
لقد عدت مرةً أخرى ، أتودد لها ، بأغنية " أول مرة تحب يا قلبي " للعندليب ، لكنها لم تأبه للأمر ، لم أكن أعرف أن الفتيات الآن مغرمات بحمو بيكا أو مجدي شطة أو محمد عساف أو عمرو دياب .. إلخ من الفنانين .
لقد كان مفعول أغاني عبدالحليم ، يوقع بنات الملوك في شباك حب أي رجل وسيم ، لكن الحب تغير .
لقد أخبرتها في مرةٍ من المرات ، أنني لاجئ لا أمتلك سوا خيمتي وكيس طحين وكرت التموين ، فلا أستطيع أن أقدم لها الكثير من الهدايا و زجاجات العطر ، لكني قدمت لها أغلى ما أملك ، أخبرتها أن هذا القلب ينبض لأجلكِ .. فأخبرتني كفاك سخفاً ، دع قلبك يضخ دماً لجسدك ، ما حاجتي به ؟!
لم يعد يهم الفتيات ، معاني الحب السامية ، من حب وغرام و صفو النفس للمحبوب ، و العفة ..
لقد صار صلب تطلعهم إلى مقدورك المادي ، من بيت مطل على البحر و وظيفتك التي تُدر مئات الدولارات و سيارتك الخاصة و شركاتك و عقاراتك والقائمة تطول .
وبعدما تملكها اليأس من رسائلي -المزعجة- .. أخبرتني بأن علاقتنا لا تجوز .. لإعتبارات اجتماعية عديدة ..
عندما أخبرتني بأن علاقتنا لا تجوز ، رحلت بهدوء .
وما أجمل الرحيل بهدوء ..
لكنه ما أبشع عندما ترى شخصاً ما - أقل منك - يمسك بأطراف يدها ..
البشاعة الحقيقة تكمن في أن اللا يجوز ،
أمسى يجوز ، بلمحة بصر و بلا أي مقدمات ..
= نعم ، لقد حزنت ، لكنه ليس بالحزن الذي يقضى على الروح ويتعبها ، بل حزنت الحزن الذي يجعل النفس تميل إلى السخرية من سلوك البشر ، والحمد لله أن هذه الطاقات المستنزفة من الحب لم تضيع هباءً منثوراً ، فاليوم تناولت غذاء فرحها مجاناً ، لم أخرج من هذه الرحلة فارغاً .. حتى ولو لم أخرج بيدها ، يكفيني أنني خرجت بورك دجاج مشوي .
وعندما ترقيت في المرحلة التعليمية ، حدثَ تحول دراماتيكي وهو أن اللا يجوز ، باتَ يجوز ..
فبكل بساطة تعلمنا خط الأعداد وتعرفنا على عالم السالب .. فعندما يرسم لنا 5-7 نجيب بسرعة -2 .
هذا الأمر أثار غرابتي كالعادة ، كيف تعيش طفولتك بشيء لا يجوز و بعد فترة تراه أصبح و أمسى يجوز و يستباح ..
لقد شعرت أن هذا الأمر أشبه بفتاوى رجال الدين ، عندما كانت الأمور لا تجوز و تستحق النهي ، وبعد فترة من العمر صارت حلالاً طيباً مباركاً .
ربما كان مقصد التربويين أصحاب النظرية التعليمية تتمحور حول أن قصور إدراك العقل البشري يتطلب منّا التدرج في التعامل مع عقلية الأطفال .
لكن رجال الدين نادراً ما يتدرجوا ، فتراهم مرةً يأتون من المستقبل البعيد ، ويفتون على قاعدة الحل تنازلياً ، ومرةً تراهم ينطلقون من الصفر و يتجمدون مكانهم ، بلا أدنى مرونة .
= أنا أعتذر على هذه المقدمة ، لكني أعتقد أنه لا بدَّ منها ، أو أنني أهذي من شدة الصدمة .
لقد كبرتُ يا رفاق .. وصرت أدينُ بدين الحب !
لقد كانت هذه المحطة الفارقة في شبابي من أجمل لحظات عمري ، تتشابه تماماً باليوم الذي تعلمت فيه الحبو أو المشي ، تتشابه باليوم الأول لبروز أسناني ، تتشابه باليوم الأول في المدرسة ..
محطات فارقة و جميلة .
وكما تعلمون يا رفاق الدرب ، أن الحب ، بحرٌ عميق ، فيه من المشاعر أشكالٌ عِدة ، وحجم المآسي في قيعانه كبيرة جداً ، وحجم الفرحة الطافية على سطحهِ قليلة ، لكنها قويةُ الإشعاع .. فتراها تسر الناظرين لهذا العالم ، وتأسر قلوب اليافعين الذين لا حولَ لهم و لا قوة ..
لقد شاء القدر يا رفاق ، أن أعيش حالة من الحب أحادي الجانب ، ( حب من أول نظرة كما يعرفهُ أهل الاختصاص ) ..
و للفائدة ، فإن هذا الحب هو أقسى أنواع الحب ، ومرفوض لدى الجميع ، حتى أن أحادية الجانب مرفوضة لدى السياسيين ، كم مرة حذّرَ رعاة إتفاقيات السلام بين الفلسطينين و الصهاينة من التصرفات أحادية الجانب ؟!
حتى أن انسحاب شارون -عليه سحائب اللعنة- من غزة يسعد القلب ، لكنه رُفِضَ ، لأنه أحادي الجانب ..
لا بأس .. لقد عشت صراعاً طويلاً بداخلي ، كيف أصل إلى شرارة الحب ، التي توقد تلك الشعلة ، كيف أبدأ .. هل بالمكاتيب التي ستُلقى على أبواب المدارس ، أم بإهداءات أغاني عبدالحليم حافظ و أشرطة سعاد حسني ، أم نلتقي بالسينما لعرض فيلم أبيض و أسود ، أم أهديها قصيدة موزونة القافية أو حتى شعرٌ حر ؟
كل ما سلف ذكره ، عفا عليه الزمن يا رفاق الدرب .
الآن الحب ، أصبح أكثر مرارةً وصعوبةً ، وأصبح عملة نادرة في زمن كثرت فيه التفاهة والقذارة .
لم يكن أمامي سوا ، ذلك العالم الذي ندّعي فيه المثالية ، الشبكة العنكبوتية ، التي لم تُصغر العالم وتجعله قرية صغيرة فقط ، بل صغرت عقول العرب أيضاً .
لقد دخلت هذا العالم .. و أرسلت إليها طلب صداقة ، فرفضت صداقتي ، ثم أرسلت لها رسالة جميلة ، تبدأ بصباح الخير ، فتجاهلت !
لقد شعرت أنه لم يعد لدّي ما يكفي من الكرامة لأتودد لها ، فقررت الرحيل ..
يومين فقط ، حتى توصلت لإتفاق مع نفسي ، أن الحب يحتاج إلى تضحيات ، والعاشق لا ينتبه كثيراً لأمر الكرامة ، فقررت العودة ، بصورة بوكيه ورد أحمر كبير ملحوقة بنص شعري لأمير العشاق نزار قباني ..
= لم أكن أعرف أنها لا تحب اللون الأحمر ، وأنها تحب اللون الأصفر ..
ألم أخبركم بأن الحب لم يعد طفلاً كما عاشوه قبل خمسين سنة ؟!
لقد تغيرت مبادئ هذا العالم ، أصبحت الفتيات يتجنبن اللون الأحمر ، فماذا بقي للعشاق بعد رحيل الأحمر .
لقد عدت مرةً أخرى ، أتودد لها ، بأغنية " أول مرة تحب يا قلبي " للعندليب ، لكنها لم تأبه للأمر ، لم أكن أعرف أن الفتيات الآن مغرمات بحمو بيكا أو مجدي شطة أو محمد عساف أو عمرو دياب .. إلخ من الفنانين .
لقد كان مفعول أغاني عبدالحليم ، يوقع بنات الملوك في شباك حب أي رجل وسيم ، لكن الحب تغير .
لقد أخبرتها في مرةٍ من المرات ، أنني لاجئ لا أمتلك سوا خيمتي وكيس طحين وكرت التموين ، فلا أستطيع أن أقدم لها الكثير من الهدايا و زجاجات العطر ، لكني قدمت لها أغلى ما أملك ، أخبرتها أن هذا القلب ينبض لأجلكِ .. فأخبرتني كفاك سخفاً ، دع قلبك يضخ دماً لجسدك ، ما حاجتي به ؟!
لم يعد يهم الفتيات ، معاني الحب السامية ، من حب وغرام و صفو النفس للمحبوب ، و العفة ..
لقد صار صلب تطلعهم إلى مقدورك المادي ، من بيت مطل على البحر و وظيفتك التي تُدر مئات الدولارات و سيارتك الخاصة و شركاتك و عقاراتك والقائمة تطول .
وبعدما تملكها اليأس من رسائلي -المزعجة- .. أخبرتني بأن علاقتنا لا تجوز .. لإعتبارات اجتماعية عديدة ..
عندما أخبرتني بأن علاقتنا لا تجوز ، رحلت بهدوء .
وما أجمل الرحيل بهدوء ..
لكنه ما أبشع عندما ترى شخصاً ما - أقل منك - يمسك بأطراف يدها ..
البشاعة الحقيقة تكمن في أن اللا يجوز ،
أمسى يجوز ، بلمحة بصر و بلا أي مقدمات ..
= نعم ، لقد حزنت ، لكنه ليس بالحزن الذي يقضى على الروح ويتعبها ، بل حزنت الحزن الذي يجعل النفس تميل إلى السخرية من سلوك البشر ، والحمد لله أن هذه الطاقات المستنزفة من الحب لم تضيع هباءً منثوراً ، فاليوم تناولت غذاء فرحها مجاناً ، لم أخرج من هذه الرحلة فارغاً .. حتى ولو لم أخرج بيدها ، يكفيني أنني خرجت بورك دجاج مشوي .
تعليق