الحب يحتضر ، أنقذوه !

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • المحقق كونان
    أديب وكاتب
    • 17-11-2015
    • 46

    الحب يحتضر ، أنقذوه !

    عندما كُنت طالباً في المرحلة الإبتدائية ، تعلمنا أنَّ 7-5=2 ، ولكن بنفس اللحظة رسم لنا المدرس معادلة أخرى وهي 5-7 وطلبَ منّا أن نجيب .. البعض قال 2 .. و لكنه حسم هذا الخلاف بقول أنه " لا يجوز " ، لا يجوز يا أطفال أن نطرح العدد الصغير من العدد الكبير .
    وعندما ترقيت في المرحلة التعليمية ، حدثَ تحول دراماتيكي وهو أن اللا يجوز ، باتَ يجوز ..
    فبكل بساطة تعلمنا خط الأعداد وتعرفنا على عالم السالب .. فعندما يرسم لنا 5-7 نجيب بسرعة -2 .

    هذا الأمر أثار غرابتي كالعادة ، كيف تعيش طفولتك بشيء لا يجوز و بعد فترة تراه أصبح و أمسى يجوز و يستباح ..

    لقد شعرت أن هذا الأمر أشبه بفتاوى رجال الدين ، عندما كانت الأمور لا تجوز و تستحق النهي ، وبعد فترة من العمر صارت حلالاً طيباً مباركاً .

    ربما كان مقصد التربويين أصحاب النظرية التعليمية تتمحور حول أن قصور إدراك العقل البشري يتطلب منّا التدرج في التعامل مع عقلية الأطفال .

    لكن رجال الدين نادراً ما يتدرجوا ، فتراهم مرةً يأتون من المستقبل البعيد ، ويفتون على قاعدة الحل تنازلياً ، ومرةً تراهم ينطلقون من الصفر و يتجمدون مكانهم ، بلا أدنى مرونة .

    = أنا أعتذر على هذه المقدمة ، لكني أعتقد أنه لا بدَّ منها ، أو أنني أهذي من شدة الصدمة .

    لقد كبرتُ يا رفاق .. وصرت أدينُ بدين الحب !
    لقد كانت هذه المحطة الفارقة في شبابي من أجمل لحظات عمري ، تتشابه تماماً باليوم الذي تعلمت فيه الحبو أو المشي ، تتشابه باليوم الأول لبروز أسناني ، تتشابه باليوم الأول في المدرسة ..
    محطات فارقة و جميلة .

    وكما تعلمون يا رفاق الدرب ، أن الحب ، بحرٌ عميق ، فيه من المشاعر أشكالٌ عِدة ، وحجم المآسي في قيعانه كبيرة جداً ، وحجم الفرحة الطافية على سطحهِ قليلة ، لكنها قويةُ الإشعاع .. فتراها تسر الناظرين لهذا العالم ، وتأسر قلوب اليافعين الذين لا حولَ لهم و لا قوة ..

    لقد شاء القدر يا رفاق ، أن أعيش حالة من الحب أحادي الجانب ، ( حب من أول نظرة كما يعرفهُ أهل الاختصاص ) ..
    و للفائدة ، فإن هذا الحب هو أقسى أنواع الحب ، ومرفوض لدى الجميع ، حتى أن أحادية الجانب مرفوضة لدى السياسيين ، كم مرة حذّرَ رعاة إتفاقيات السلام بين الفلسطينين و الصهاينة من التصرفات أحادية الجانب ؟!
    حتى أن انسحاب شارون -عليه سحائب اللعنة- من غزة يسعد القلب ، لكنه رُفِضَ ، لأنه أحادي الجانب ..

    لا بأس .. لقد عشت صراعاً طويلاً بداخلي ، كيف أصل إلى شرارة الحب ، التي توقد تلك الشعلة ، كيف أبدأ .. هل بالمكاتيب التي ستُلقى على أبواب المدارس ، أم بإهداءات أغاني عبدالحليم حافظ و أشرطة سعاد حسني ، أم نلتقي بالسينما لعرض فيلم أبيض و أسود ، أم أهديها قصيدة موزونة القافية أو حتى شعرٌ حر ؟

    كل ما سلف ذكره ، عفا عليه الزمن يا رفاق الدرب .

    الآن الحب ، أصبح أكثر مرارةً وصعوبةً ، وأصبح عملة نادرة في زمن كثرت فيه التفاهة والقذارة .

    لم يكن أمامي سوا ، ذلك العالم الذي ندّعي فيه المثالية ، الشبكة العنكبوتية ، التي لم تُصغر العالم وتجعله قرية صغيرة فقط ، بل صغرت عقول العرب أيضاً .

    لقد دخلت هذا العالم .. و أرسلت إليها طلب صداقة ، فرفضت صداقتي ، ثم أرسلت لها رسالة جميلة ، تبدأ بصباح الخير ، فتجاهلت !

    لقد شعرت أنه لم يعد لدّي ما يكفي من الكرامة لأتودد لها ، فقررت الرحيل ..

    يومين فقط ، حتى توصلت لإتفاق مع نفسي ، أن الحب يحتاج إلى تضحيات ، والعاشق لا ينتبه كثيراً لأمر الكرامة ، فقررت العودة ، بصورة بوكيه ورد أحمر كبير ملحوقة بنص شعري لأمير العشاق نزار قباني ..

    = لم أكن أعرف أنها لا تحب اللون الأحمر ، وأنها تحب اللون الأصفر ..

    ألم أخبركم بأن الحب لم يعد طفلاً كما عاشوه قبل خمسين سنة ؟!

    لقد تغيرت مبادئ هذا العالم ، أصبحت الفتيات يتجنبن اللون الأحمر ، فماذا بقي للعشاق بعد رحيل الأحمر .


    لقد عدت مرةً أخرى ، أتودد لها ، بأغنية " أول مرة تحب يا قلبي " للعندليب ، لكنها لم تأبه للأمر ، لم أكن أعرف أن الفتيات الآن مغرمات بحمو بيكا أو مجدي شطة أو محمد عساف أو عمرو دياب .. إلخ من الفنانين .

    لقد كان مفعول أغاني عبدالحليم ، يوقع بنات الملوك في شباك حب أي رجل وسيم ، لكن الحب تغير .

    لقد أخبرتها في مرةٍ من المرات ، أنني لاجئ لا أمتلك سوا خيمتي وكيس طحين وكرت التموين ، فلا أستطيع أن أقدم لها الكثير من الهدايا و زجاجات العطر ، لكني قدمت لها أغلى ما أملك ، أخبرتها أن هذا القلب ينبض لأجلكِ .. فأخبرتني كفاك سخفاً ، دع قلبك يضخ دماً لجسدك ، ما حاجتي به ؟!

    لم يعد يهم الفتيات ، معاني الحب السامية ، من حب وغرام و صفو النفس للمحبوب ، و العفة ..

    لقد صار صلب تطلعهم إلى مقدورك المادي ، من بيت مطل على البحر و وظيفتك التي تُدر مئات الدولارات و سيارتك الخاصة و شركاتك و عقاراتك والقائمة تطول .

    وبعدما تملكها اليأس من رسائلي -المزعجة- .. أخبرتني بأن علاقتنا لا تجوز .. لإعتبارات اجتماعية عديدة ..

    عندما أخبرتني بأن علاقتنا لا تجوز ، رحلت بهدوء .
    وما أجمل الرحيل بهدوء ..

    لكنه ما أبشع عندما ترى شخصاً ما - أقل منك - يمسك بأطراف يدها ..
    البشاعة الحقيقة تكمن في أن اللا يجوز ،
    أمسى يجوز ، بلمحة بصر و بلا أي مقدمات ..

    = نعم ، لقد حزنت ، لكنه ليس بالحزن الذي يقضى على الروح ويتعبها ، بل حزنت الحزن الذي يجعل النفس تميل إلى السخرية من سلوك البشر ، والحمد لله أن هذه الطاقات المستنزفة من الحب لم تضيع هباءً منثوراً ، فاليوم تناولت غذاء فرحها مجاناً ، لم أخرج من هذه الرحلة فارغاً .. حتى ولو لم أخرج بيدها ، يكفيني أنني خرجت بورك دجاج مشوي .

    التعديل الأخير تم بواسطة المحقق كونان; الساعة 14-12-2019, 09:07.
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    نص ساخر جميل جدا
    معادلة صعبة لحياة تسخر من الجميع
    ويبقى ورك الدجاج ألذ يغذي الروح السمحة والطيبة
    شكرا لابتسامة رسمتها على ثغري ساخرة ولكنها من القلب
    شكرا كونان
    لديك حس أدبي عال وراق ..بوركت اخي الفاضل
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • أميمة محمد
      مشرف
      • 27-05-2015
      • 4960

      #3
      رووعة
      سأحب أن أقرأ لك أكثر
      تحيتي.

      تعليق

      • المحقق كونان
        أديب وكاتب
        • 17-11-2015
        • 46

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
        نص ساخر جميل جدا
        معادلة صعبة لحياة تسخر من الجميع
        ويبقى ورك الدجاج ألذ يغذي الروح السمحة والطيبة
        شكرا لابتسامة رسمتها على ثغري ساخرة ولكنها من القلب
        شكرا كونان
        لديك حس أدبي عال وراق ..بوركت اخي الفاضل
        الشكر الموصول وكامل تحياتي لمرورك الرائع ..
        تحياتي أستاذة مها .

        تعليق

        • المحقق كونان
          أديب وكاتب
          • 17-11-2015
          • 46

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة أميمة محمد مشاهدة المشاركة
          رووعة
          سأحب أن أقرأ لك أكثر
          تحيتي.
          مرورك الأروع ..
          وهذا من دواعي سروري .
          تحياتي لكِ أستاذة أميمة .

          تعليق

          يعمل...
          X