كان ودوداً مُحباً للغير ،متفانياً مع الأخر ،في ذلك اليوم ...
لم يكترث أثناء قيادته للمركبة أن الأقدار تُعد له زوايا المشهد الأخير في حياته ، في الصباح جلسا معاً لتناول طعام الإفطار ،ثم احتسى كوب الشاي الذي أعدته له زوجته ،واصطحب في رفقته طفله الصغير ، خرجا معاً تُشيعهما نظرات رقيقة تلهج بالدعاء والتراتيل تند من أعين زوجته المخلصة ،أن يوفقه الله في رحلته ،ويزيد من رزقه ،مسد على شعر طفله ،وطبع على وجنتيه قُبلات ماطرة بالحب مشبوبة بالعاطفة ،ثم تولى إلى الخارج ،وحمله على ظهره يُداعبه ويلاطفه ،أدار محرك المركبة ،وانطلق في طريقه ،يقطع الطرق والمسافات ،كل برهة يختلس نظرات حانية متدفقة من بؤبؤ عينية ،تكاد تغمر وجه طفله البريء ،شريط الذكريات ينساب امام ناظريه ،زوجته،طفليه،ورضيعه الذي أقبل يتلمس الخطى في فصله الأول من الحياة، كان كل شيء يسير مثالياً ،ولكنها الحياة تُخفي الكثير من الألم والفقد .أثناء عبور المركبة ،انشقت الأرض عن عربة متهالكة سرعان ما اصطدمت بمؤخرة السيارة فأطاحت بها ، وعلى الفور فقدت المركبة توازنها ،خشي الأب على طفله المسكين ، فكر في القفز من السيارة برفقة طفله ،لكن المركبة انقلبت رأساً على عقب فأعاقت من حركته ،وظلت تزحف في طريقها تأكل صخور الأرض،الخوف يجتاح قلب طفله ويأسره بقيود الرعب والصراخ ،والدموع تستنزل من عينيه مدراراً ،فهرع إلى طفله ،وشق حنايا صدره ،واحتضنه بقوة ،حتى يكون له درعاً واقياً من نزلات الزمن والألم ،ظل درعه يتحمل صدمات المركبة وجسده ،مازال يئن ويرتجف من طعنات الألم ،حتى خارت قواه ومازال مشعلهُ الأخير يستميت ويُنافح عن طفله، حتى توارت أخر نقطة ضوء من عينيه
تعليق