وكانَتْ الحَمَامَةُ تَطيرُ كَعَادَتِها بَحْثاً عنْ الرِزْقِ , ثُمَّ أرَاَدَتْ أنْ تَسْتَريحَ قَليلًا منْ عَنَاءِ التَعَبِ والطَيَرَانِ , ولِكَيْ تَشْرَبَ قَليلًا منْ الماءِ بَعدَ أنْ أَجْهَدَها العَطَشُ .
هبطت الحَمَامَةُ علَي الأَرْضِ بَيْنَ النَباتاتِ المُثْمِرَةِ لَكَيْ تَتَناوَلَ بَعْضَ البُذورِ الطازِجَةِ .
وَجَدَتْ الحَمَامَةُ ثُعْباناً يَتَّجِهُ نَحْوَها بِبُطْءٍ شَديدٍ , رَأَتْهُ الحَمَامَةُ ولمَّا عَلِمَ أنَّها قَدْ رَأّتْهُ وأنَّها سَتَطيرُ لِتَنْجو مِنْهُ , وَقَفَ علَي ذَيْلِهِ يَبْكِي ويَقولُ لَها : أيَّتُها الحَمَامَةُ أَرْجوكِ , اسْمَعي لكِلامِي لا تَخافي فَأَنا ثُعْبانٌ مَريضٌ مَرَضًا شَديدًا , وأَحْتاجُ لِبَعْضِ الأَدْوِيَةِ , ولا يوجَدُ غَيْرُكِ يَقومُ بإِحْضارِ العِلاجِ لي , قالَتْ الحَمَامَةُ : وهَلْ يوفِي ثُعْبانٌ بِوَعْدِه مَعَ حَمَامَةٍ ؟ .
إنَّهُ رابِعُ المُسْتَحيلاتِ . مُسْتحَيلٌ أنْ أثِقَ في كَلامِكَ أوْ أنْ أَسْتَجيبَ لَهُ .
قالَ الثُعْبانُ : صَدِّقيني إنَّنِي مُصابٌ بِجَرْحٍ عَميقِ في مُنْتَصَفِ جِسْمي جَعَلَني غَيْرَ قادِرٍ عَلَي الحَرَكَةِ إلَّا بِبُطْءٍ شَديدٍ , وظَلَّ يَبْكي لَها , حتَّي كادَ قَلْبُ الحَمَامَةُ أنْ يّرِقَّ لَهُ ,
قالَتْ لَهُ : ما هَيَ الأَدْوِيَةُ التي تَحْتَاجُها أيُّها الثُعْبَانُ ؟ ومِنْ أَيْنَ أُحْضِرُها لَكَ ؟
قالَ الثُعْبَانُ : لا عَلَيْكِ إِنَّها مَجْمُوعَةٌ مِنْ الأَعْشَابِ تَقومِينَ بِإحْضَارِها مِنْ حَوْلِكِ , وتَقومينَ بِطَحْنِها ثُمَّ بوَضْعِها علَي الجَرْحِ , فَيَكونُ الشِفَاءُ بِإِذْنِ اللهِ سَريعاً .
قالَتْ لَهُ : أيُّها الثُعْبانُ , لَنْ أَقومَ بِدَهْنِ جِسْمِكَ بالأَعْشابِ , سَوْفَ أُعْطيكَ الأَعْشابَ وأَنْتَ تَقومُ بِدِهانِ جِسْمِكَ وَحْدَكَ . وسَوْفَ أَجْمَعُ الأَعْشَابَ وآخُذُها لِأَطْحَنَها بَعيدًا عَنْكَ فَوْقَ أَحَدِ أَغْصَانِ الشَجَرَةِ التي بِجِوارِنا .
ذَهَبَتْ الحَمَامَةُ لِجَمْعِ الأَعْشابِ لِلْثُعبَانِ , ثمَّ أَخَذَتْها فَوْقَ أَحَدِ أغَصانِ الشَجَرَةِ , ثُم َّقامَتْ بِطَحْنِها بَعيدًا عنْ الثُعْبانِ , ولمَّا انْتَهَتْ منْ طَحْنِها هَبَطَتْ مِنْ فَوْقِ الشَجَرَةِ , ومَعَها المَسْحوقَ .
فَرِحَ الثُعْباَنُ وقالَ : هيَّا يا صَديقَتِي المُخْلِصَةِ , ادْهِنِي مَكانَ الجَرْحِ , ولَكِ مِنِّي كُلَّ شُكْرٍ وتَقْديرٍ , يا طَيِّبةَ القَلْبِ .
قالَتْ الحَمَامَةُ كَما قُلْتُ لَكَ , لَنْ أَدْهِنَ لَكَ الجَرْحَ بِالمَسْحوقِ , ولَكِنْ سَأُعْطيكَ المَسْحوقَ وأَنْتَ تَدْهِنَ جِسْمِكَ بِنَفْسِكَ .
قالَ الثُعْبانُ : أَرْجوكِ أيَّتُها الحَمَامَةُ إنَّ جَرْحِي شَديدٌ , وظَلَّ يَبْكي ويَقُولُ: أَنا غَيْرُ قادِرٍ علَي ذَلِكَ بنفسي , وأَحْتاجُ إلَي مُساعَدتِكِ .
تَرَدَّدَتْ الحَمَامَةُ وكادَتْ أنْ تهَبْطَ علَي الأَرْضِ لِكَيْ تَقومَ بِدَهْنِ جِسْمِ الثُعْبانِ .
كانَ الهُدْهُد يُراقِبُ المَشْهَدَ منْ أَعْلَي غُصْنٍ علَي الشَجَرِةِ .
فقَالَ لَها : أَيَّتُها الحَمَامَةُ : إنَّ الثُعْبانَ غَدَّارٌ وخَائِنٌ , إنَّه يُريدُ أَنْ يَجْعَلَكِ تَقْتَرِبينَ مِنْهُ حتَّي يَقومَ بافْتِراسِكِ , إنَّهُ لَيْسَ بِمَريضٍ ولا يُعانِي منْ أيِّ شَيْءٍ غَيْرِ الجوعِ , أَرْجوكِ لا تَسْمَعي كَلامَهُ .
قالَ الثُعْبانُ لَهُ : أَيُّها الهُدْهُدُ هَلْ أَنْتَ مَحْرومٌ منْ الرَحْمَةِ ؟ هَلْ تُريدُ أنْ تَجْعَلَ الحَمَامَةَ مِثْلَكَ ؟
ألَا تَرَي جِسْمِي مَريضاً وأَنا غَيْرُ قادِرٍ علَي الحَرَكَةِ .
كانَ الثَعْلَبُ يَسيرُ بَعيدًا فَلَّما سَمِعَ صَوْتَ الهُدْهُدِ , اقْتَرَبَ مِنْهُ لَعَّلَهُ يَجِدُ صَيْدًا ثَمينًا , فَسَمِعَ ما قالَهُ الهُدْهُدُ لِلْحَمَامَةِ , وفَهِمَ حيلَةَ الثُعْبانِ , فَقَالَ في نَفْسِهِ , أنَا أَوْلَي بالحَمَامَةِ منْ الثُعْبانِ , وبَدَلاً منْ أنْ يَلْتَهِمَها أَقومُ أَنا بافْتِراسِها وأَجْرِي بِها بعَيدًا عَنْهُ .
نادَي الثَعْلَبُ علَي الحَمَامَةِ وقالَ لَها : أيَّتُها الحَمَامَةُ , اسْمَعي كَلامَ الثُعْبانِ إنَّهُ مَريضٌ حَقَّاً , فهَيَّا انْزِلي , وقَدِّمي لَهُ الدَواءَ وسَوْفَ أَقومٌ أَنا بِحِمَايَتِكِ منْ الثُعْبانِ .
قالَتْ الحَمَامَةُ : حَتَّي أَنْتَ أيُّها الثَعْلَبُ تَدَّعِي بِأَنَّكَ تُحِبُّي وتُريدُ النَفْعَ لي .
قالَ الثَعْلَبُ : إنَّنِي أُعَرِّضُ نَفْسي للْخَطَرِ لِكَيْ أَحْميكِ , أَنْتِ حَمَامَةً رَقيقَةٌ جَميلَةٌ تَقومينَ بِعَمَلِ الخَيْرِ , أَريدُ أنْ أُساعِدَكِ .
كادَتْ الحَمَامَةُ أنْ تُصَدِّقَ الثَعْلَبَ , ولَكِنَّ الهُدْهُدَ قالَ لَها ماذا دَهاكِ يا صَديقَتِي العَزيزَةُ ؟
أَتُصَدِّقينَ كَلامَهُمْ , إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما يُريدُ افْتِراسَكِ .
ظَلَّتْ الحَمَامَةُ في حيرَةٍ منْ أَمْرِها , أَتُصَدِّقُ الهُدْهُدَ ؟ أَمْ تُصَدِّقُ الثُعْبانَ والثَعْلَبَ .
شاهَدَ النِسْرُ وهُوَ في أَعالي الجَوِّ الثُعْبانَ يَقِفُ علَي ذَيْلِه , فَقَالَ : لا بُدَّ أنَ هُنَاكَ أَمْرًا ما يَحْدُثُ , فَهَبَطَ علَي أَعْلَي غُصْنٍ في الشَجَرَةِ , وجَلَسَ يُراقِبُ الجَميعَ .
رأَي الكَلْبُ النِسْرَ يَهْبِطُ منْ أَعْلَي الجَوِّ فَقَامَ لِيُراقِبَهُ , فَقَدْ كانَ يُريدُ أنْ يَسْأَلَهُ في أَمْرٍ ما ,
فَوَجَدَ هَذا المَشْهَدَ , فانْتَظَرَ , وظَلَّ يُراقِبُ المَشْهَدَ بِهُدوءٍ وصَمْتٍ .
وأَخيراً رَقَّ قَلْبُ الحَمَامَةِ لِلْثُعْبانِ , ولمْ تَسْمَعَ كَلامَ الهُدْهُدِ , وقَالَتْ : إنَّ الثَعْلَبَ سَوْفَ يَقومُ بحِمايتَيِ كَما وَعَدني , ثُمَّ هَبَطَتْ الحَمَامَةُ . واتَّجَهَتْ ناحِيَةَ الثَعْلَبِ
اسْتَعَدَّ الثَعْلَبُ للهُجومِ عَلَيْها وخَطْفِها قَبْلَ أنْ يَقْتَرِبَ مِنْها الثُعْبانُ .
وكانَ الثُعْبانُ قدْ اسْتَعَدَّ هُوَ الآَخَرُ للَدْغِها , ولَكِنَّ النِسْرَ كانَ قدْ سَبَقَ الحَمَامَةَ , وقامَ بِغَرْسِ أَظافِرِهِ في رَأْسِ الثُعْبانِ وخَطْفِهِ , بَيْنَمَا انْقَضَّ الكَلْبُ علَي الثَعْلَبِ الذي حاوَلَ الهُجومَ علَي الحَمَامَةِ وافْتِراسِها قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ لِلْثُعبانِ .
أَصابَ الكَلْبُ الثَعْلَبَ بِجَرْحٍ كَبيرٍ , فَفَرَّ الثَعْلَبُ مُسْرِعاً بَعيدًا عنْ المَكَانِ .
عَلِمَتْ الحَمَامَةُ أنَّ عِنايَةَ السَماءِ أنْقَذَتْها مِنْهُما , وأنَّها كانَتْ ساذِجَةً .
اعتَذَرَتْ الحَمَامَةُ للهُدْهُدِ لأَنَّها لمْ تَسْمَعْ نَصيحَتَهُ وشَكَرَتْهُ أَيْضاً علَي اهْتِمَامِهِ بِها . وصارَتْ بَيْنَهُما صَدَاقَةٌ للأَبَدِ .
أمَّا الثُعْبانُ فَقَدْ أَصْبَحَ فَريسَةً للْنِسْرِ
والكَلْبُ قدْ صارَ بَعْدَ ذلكَ صَديقاً دائِماً للْحَمَامَةِ والهُدْهُدِ .
وأَصْبَحَتْ الحَمَامَةُ كُلَّما رَأَتْ ثُعْباناً لا تَقْتَرِبُ مِنْهُ ولا تَسْمَعُ كَلامَهُ .
تعليق