الوسادة
( مسرحية قصيرة مستوحاة من قصة " المرتبة المقعرة" للكاتب الكبير يوسف ادريس)
رائد قاسم
المشهد الاول
سرير يتوسط الغرفة ، عليه وسادة طويلة ، على جانبي السرير طاولتين صغيرتين ، وعلى يمينه اريكتين، في الخلف نافذة مربعة الشكل ، اسفلها طاولة صغيرة ، وعلى الجدار صور معلقة لمناظر طبيعية وبعض معالم القاهرة...
يدخل رجل في الاربعينات من عمره مع زوجته الثلاتينيه في ثياب الزفاف ، خلفهما ثلاث نساء يزغردون وينثرون عليهما الازهار والرياحين..
يلفون حولهما وهن يزغردن وينثرن عليهما المزيد من الازهار ثم ينشد:
اتمخطري يا حلوة يا زينة يا وردة من جوا جنينة
يا عود قرنفل يا عروسة والورد ضلل علينا
اتمخطري وتعالي جنبي يا حلوة في البلدة التبني
يدورون عليهما عدة دورات ثم يخرجون تاركين الزوجين في ليلة عمرهما..
الزوجة - اخيرا تزوجنا بعد ان كدنا نفقد الامل في ان نجتمع تحت سقف واحد.
يمسك الزوج بكلتا يديها وهو في قمة الفرح قائلا:
- هذه الليلة ستكون نهاية ايام الحرمان الطويلة وبداية لأيام حبنا الذي سنجتمع تحت ظله الى ابد الابد.
يقطع حديث حبهما ازيز رصاص وأصوات اشخاص يهتفون ضد الانجليز ..
استقلال .. عيش.. حرية
استقلال .. عيش.. حرية
الزوجة- ما الذي يحدث؟
الزوج- (بارتباك وقلق) انهم اناس يريدون ان يغيروا الدنيا.
الزوجة – انني خائفة.
الزوج- لا تخافي ما دمت معك يا حبيبتي.
فجأة يشاهدان وميض البرق من النافدة ثم يسمعان هزيم الرعد ثم ينهمر المطر بغزارة..
ترتمي الزوجة في حضن زوجها..
الزوج - لا بأس عليكِ، ما دمنا هنا فلن يصيبنا مكروه.
يجلسها على الاريكة .. يحتضنها حتى تنام ثم يذهب لإلقاء نظره..
ما ان يفتح النافدة حتى يختلط جور المطر وهزيم الرعد بأزيز الرصاص وهتافات المتظاهرين..
احد المتظاهرين يخاطب الزوج:
- انت يا هذا ، تعال ساعدني ، لقد اصبت برصاصة.
- ولكن لا استطيع ، الليلة دخلتي.
- اجل دخلتك حتى تتغير الدنيا وتعال معنا.
- ولكن.
- ولكن ماذا؟.
فجأة يسمع صوت طلق ناري..
المتظاهر- اه!
يغلق النافذة ..يهرع الى الاريكة...يجلس بقرب زوجته...
الزوج- ( بحزن والم) لقد اصيب هذا الشباب بطلقة اخرى ، لعله استشهد الان.
ولكن ماذا افعل بزوجتي؟ كيف اتركها واذهب اليهم؟ او ليس لها حق علي والليلة دخلتها وديجور عمرها؟ ولكن لو ساعدته على الاقل لكنت الان مرتاح الضمير.
يقف ويتجول في انحاء الغرفة..
يتجه نحو زوجته... يوقظها من نومها ..
الزوجة- حبيبي، هل انت بخير؟
الزوج- نعم.
الزوجة- هيا بنا إذن نبدأ حياتنا الزوجية.
الزوج- كلا، لن يحدث هذا.
الزوجة- ( بذهول) ولماذا؟ او لم تكافح لسنوات من اجل هذه الليلة؟.
الزوج- لا يمكننا ان ندخل إلا اذا تغيرت الدينا ، إن هتافات الشبان نغصت علي مضجعي وعكرت صفوي.
الزوجة- حبيبي انساهم.
الزوج- لا استطيع، لقد حفروا في ذاكرتي كما حفرتي انتِ في قلبي.
الزوجة- حبيبي ارجوك.
الزوج- هذا قرار اتخذته ولن اتراجع عنه ابدا.
يقوم من على الأريكة... يجلس على سريره.. ينظر للوسادة الطويلة بعمق..
الزوج- سأنام الان ولا توقظيني الا اذا تغيرت الدنيا.
ينام من فوره..
تنطفئ الانوار ويعم الظلام
المشهد الثاني
( ظلام يشوبه هتافات المصريين ضد الاحتلال الانجليزي سنة 1919)
الاستقلال التام أو الموت الزئام.
سعد سعد يحيا سعد.
يحيا الهلال مع الصليب.
تعود الاضاءة...
توقظه زوجته قائلة:
يستيقظ ببط...
الزوج- ما الذي حدث؟
الزوجة - لقد تغيرت الدنيا.
الزوج-كيف؟
الزوجة- لقد نمت اكثر من ثمان سنوات ، وها قد تغيرت الدنيا، هيا بنا لنبدأ حياتنا الزوجية.
الزوج- على هونك ، اوضحي لي الامر اولا؟.
الزوجة- في عام 1919 قام الشعب بانتفاضة ضد الانجليز، ونحن الان في عام 1923 ، والبلاد في طور وضع دستور جديد بعد ان اعلن رسميا استقلال مصر.
الزوج - حقا! هل انسحبوا من مصر؟
الزوجة- ( ببرود) كلا ، ولكن مصر نالت استقلالها.
الزوج- ما داموا لم ينسحبوا فنحن لسنا مستقلين.
ودماء ذلك الشاب وغيره لم تبرد بعد.
الزوجة- ولكنه الوقت المناسب لدخلتنا.
الزوج- كلا، لم يحن الوقت بعد، لم تتغير الدنيا.
يستلقي على وسادته..
الزوجة- دعني انظفها لك يا عزيزي ، لقد اتسخت كثيرا وعلاها الغبار.
الزوج- كلا لن انظفها حتى تتغير الدنيا.
تنطفئ الانوار مرة أخرى...
المشهد الثالث
تعود الاضاءة على أثير اغنية بصوت محمد عبدالوهاب:
يا نسمة الحرية يلي مليتي حياتنا.
يا فرحة رايحه وجايه ..يا فرحة ريحاه وجايها.
بالحب فوق جنتنا.
الزوجة - استيقظ يا عزيزي، لقد تغيرت الدنيا.
يستيقظ بسرعة..
الزوج- حقا؟ هل تغيرت الدنيا؟.
الزوجة- نعم يا عزيزي ، لقد تحولت مصر الى جمهورية، والانجليز سيغادرون قريبا لتصبح بلادنا مستقلة تماما.
الزوج- هذا يعني ان الملكية قد سقطت؟.
الزوجة -نعم يا حبيبي، انها السنة المثالية لبدء حياتنا الزوجية، وننجب اطفالا سيعيشون حياة مليئة بالأمل والمجد.
يعرض عنها..
الزوجة- ما بالك؟ او لست فرحا؟.
الزوج- لقد نمت طويلا، ما يناهز الثلاثين عاما ، كنت اتوق لسماع اخبار افضل من هذه.
الزوجة- ولماذا هذا التشاؤم ؟.
الزوج- لقد رحل الملوك وحل مكانهم العسكر، وليس هذا هو التغيير المنشود.
الزوجة- فماذا تريد اذن؟.
الزوج - أرجوك ان الوسادة تناديني للسبات مجددا.
يستلقي على فراشه مرة اخرى ليستأنف نومه الطويل..
تنطفئ الانوار ...
المشهد الرابع
تعود الاضاءة مع اغنية لعبد الحليم حافظ:
عدّى النهار..
و المغربية جايّة..
تتخفّى ورا ضهر الشجر..
و عشان نتوه في السكة..
شالِت من ليالينا القمر!..
و بلدنا ع الترعة.. بتغسل شعرها.
جانا نهار مقدرش يدفع مهرها..
يا هل ترى الليل الحزين.
أبو النجوم الدبلانين.
يستيقظ...
يرى زوجته جالسة بحزن .. يقترب منها.
الزوج- ما الذي حدث؟ نحن في أي عام؟.
تنظر له بعيون حزينة ووجه كئيب..
الزوجة - في عام 67.
الزوج- فما بالك حزينة؟ الستِ فرحةِ باستيقاظي بعد اربعة عشر عاما من النوم؟.
الزوجة- فرحة طبعا ولكن.
الزوج- ولكن ماذا؟ لماذا يبدوا عليكِ الحزن؟ ثم صوت من هذا الذي كان يغني هذه الاغنية الحزينة؟
الزوجة- انه عبد الحليم حافظ.
الزوج- يبدوا انه مطرب دو صوت شجي.
الزوجة- انه كذلك بالفعل.
الزوج- ولكن لما هذه الاغنية الحزينة؟ ولماذا يسود الحزن وجهك؟.
سرعان ما تبكي..
يحتضنها بحنان..
الزوج- حبيبتي ما الذي حدث؟.
الزوجة- لقد هزمنا في الحرب يا حبيبي، لقد احتلت سيناء وكامل فلسطين.
الزوج- مستحيل.. سيناء تحت الاحتلال ! من الذي جرؤ على احتلالها؟.
الزوجة- دولة اسرائيل.
الزوج- ما هذه الدولة؟ ومتى قامت واين؟.
الزوجة- تلك قصة طويلة ، لم يسعفني الوقت لارويها لك في المرة السابقة، انها دولة قامت على نصف اراضي فلسطين ، ولكنها الان احتلت فلسطين بأكملها.
الزوج - يا للهول!! واحتلت معها سيناء؟.
الزوجة - واجزاء من سوريا ولبنان ايضا.
الزوج- يا للهول! وتقولين لي في المرة الماضية بأن الدنيا قد تغيرت!.
وها هي اجزاء من مصر تحت نيران الاحتلال!!
الزوجة- لقد حدثت وقائع جسام خلال سنوات نومك على هذه الوسادة.
ولكن الامور بخواتيمها.
الزوج- ماذا تقصدين؟.
الزوجة- تعلم ما اقصد، حبيبي هيا بنا لنبدأ حياتنا من هذا العام.
الزوج- هل جننت؟ نبدأ حياتنا في ظل هذه الظلام الرهيب المخيم علينا.
نبدأ حياتنا في ظل كل هذه النكسات والهزائم المرعبة!!
في ظل هذا السقوط والتهاوي!!
نبدأ حياتنا ونحن في قعر هذا الوحل الذي نتمرغ فيه ليلا ونهار.
سأعود للنوم مرة اخرى، هذا هو قراري.
الزوجة- حسنا، كما تشاء، ولكن دعني انظف وسادتك ، لقد غزاها السواد وتراكم عليها الغبار.
ولكنه يسارع بالاستلقاء على الوسادة مرة اخرى قائلا:
تنطفئ الانوار ويعم الظلام...
المشهد الخامس
تعود الاضاءة مع اغنية لعبد الحليم مرة اخرى:
النجمة مالت ع القمر فوق فى العلالي.
قالت له شايفة يا قمر افراح قبالي..
قال القمر بينا نسهر على المينا.
ده النور على شط القنال سهران يلالي..
شاف القمر ع الضفتين زفة وزينة..
قال ده السلام فارد جناحه ع المدينة.
والليلة تحلا بالمحبة والغنا...
اوعو تخلوا فى ارضكم دمعة حزينة.
الزوجة- استيقظ يا حبيبي لقد تغيرت الدنيا.
ينهض من سريره على عجل قائلا:
الزوجة- لقد حررنا القناة.
الزوج- هل هذا يعني بأن سيناء قد تحررت؟.
الزوجة- لا.. القناة فقط.
الزوج - وفلسطين؟.
الزوجة -ليس بعد.
الزوج- وباقي اراضينا العربية؟.
الزوجة- ليس بعد.
الزوج- والان ما الذي سيحدث؟.
الزوجة – ستجرى مفاوضات بيننا وبينهم لكي ينسحبوا من سيناء.
الزوج - ان استعادتنا للقناة عمل عظيم ونصر مؤزر، ولكن ان تتفاوض معهم فهذا يعني انه لن ينسحبوا من بقية ارضك الا اذا سالمتهم ، اما فلسطين وبقية الاراضي المحتلة فرواية طويلة ستسطر على صفحات التاريخ بأحرف من الدم.
الزوجة - حبيبي، انها السنة المناسبة لكي نبذء حياتنا الزوجية ، فالدنيا قد تغيرت.
الزوج - كلا، ليس بعد، لم تتغير الدنيا.
تجلس الزوجة على السرير بانكسار.. تتلمس الوسادة..
تقول له بحزن:
- انظر الى الوسادة ، لقد اصبحت سوداء وتشقق غطائها، دعني اغيرها لك.
الزوج - (بحزم) لا حاجة لذلك الان.
تقوم من على السرير ليستلقي عليه وينام..
الزوجة - عقود متتالية وسنوات طويلة ونحن ننتظر السنة التي سنبدأ بها حياتنا الزوجية ولم تأتي بعد، اي قدر عات هذا؟
ايها الشياطين الذين تعيشون بيننا بهيئة البشر، ستنتقم منكم الاقدار يوما ما ، ان آهات الالم الذي جرعتمونا اياه ستتحول الى لعنة ستلاحقكم الى الابد.
تنطفئ الانوار مرة أخرى...
المشهد السادس
تعود الاضاءة..
الزوجة واقفة تنظر من النافذة بينما يغض زوجها في سباته الطويل..
تسمع شعارات ثورة يناير 2011
إرحل إرحل.
الشعب يريد إسقاط النظام.
ثوره ثوره حتی النصر ثورة في كل شوارع مصر.
ثم يعقبها صوت اللواء عمر سليمان مبشرا بأن الرئيس مبارك قد تنازل عن الرئاسة:
ايها المواطنون في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد
قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخلية عن منصب رئيس الجمهورية
وكلف المجلس الاعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد
والله الموفق والمستعان.
تسارع الزوجة لأيقاظ زوجها...
تجلس على السرير وتوقظه بمشاكسة..
يستيقظ سريعا وهو متأفف ، ثم يستوي جالسا..
الزوج- كل مرة تقولين لي ذلك.!!
الزوجة- هذه المرة تغيرت بالفعل.
الزوج- ما الذي حدث؟
الزوجة- لقد قامت ثورة شعبية ضد الرئيس مبارك وقد اعلن تخليه عن الرئاسة ، وقطعا ستكون بعد ذلك انتخابات وتغيرات جمة في صالح الشعب والامة.
الزوج - انتظري قليلا، لم افهم شيئا!.
لماذا قاموا ضد هذا الرئيس؟
الزوجة- ( بتأفف) ايجب ان تعرف كل شيء بالتفصيل؟.
الزوج- بالتأكيد!!
الزوجة- حسنا ! لأنه ظل في منصبه اكثر مما ينبغي ، وحكمه اصابه الترهل ولم يعد قادرا على حل مشالك البلاد ، التي تراكمت وتأزمت ووصلت الى طريق مسدود.
الزوج- لقد فهمت الان، ولكن لا اظن ان هذه السنة مناسبة لبدء حياتنا الزوجية، فالدنيا لم تتغير ، اذ لا نزال نعيش في الدوامة نفسها ، وندور حول انفسنا وكأننا ننجب آبائنا!
الزوجة- حبيبي ارجوك!!
الزوج- لا ، دعيني انام.
يستلقي على سريره لتنطفئ الانوار مرة أخرى
المشهد السابع
تعود الاضاءة مشوبة بشعارات 30 يونيو 2013..
ثورة ثورة من جديد.
سامع أم شهيد بتنادي.. عاوزة حقي وحق ولادي
قالو هيكمل المشوار.. داير يحبس في الثوار
يسقط يسقط حكم المرشد..
الزوجة واقفة تراقب الوضع من النافذة كالعادة...
تنادي على زوجها..
ينهض من سريره..
تهرع اليه وتجلس بقربه..
الزوج- ما الذي حدث؟.
تلاحظ الزوجة ان الوسادة قد تمزقت...
الزوجة- انظر الى وسادتك ، لقد بليت ولم تعد صالحة للنوم بعد اليوم.
الزوج- دعكِ منها واخبريني بآخر الانباء.
الزوجة- لقد..
تتلعثم..
الزوج- ماذا؟ تكلمي.
الزوجة- في الحقيقة ..
الزوج- حسنا سأقول انا، لقد وقعت ثورة ضد الرئيس مرة اخرى!!
الزوجة- ( باستغراب) وكيف عرفت؟.
الزوج- خمنت ذلك ، ولكن ما به هذا ايضا؟.
الزوجة- لا اعلم بالضبط ولكنه فشل في ادارة شئون البلاد.
الزوج- وستنظم انتخابات جديدة!
الزوجة- نعم صحيح ولكن كيف..
الزوج- وسوف يوضع دستور جديد!!
الزوجة- صحيح!
الزوج- وبعد ذلك سيكون كل شيء على ما يرام!!
سيكون عندنا صحافة حرة! واعلام مستقل! وستحترم اجهزة الامن حقوق المواطنين! وستصون كرامتهم! وسيحارب الفساد ! وستحل مشاكلنا الاقتصادية!
الزوجة - فعلا ! لقد قالوا ذلك! امتاكد بانك كنت نائما؟!!
يضحك ضحكة طويلة متواصلة..
يدور بيأس في انحاء الغرفة...
الزوجة- (بوجل) ما بالك يا حبيبي؟.
الزوج- اكثر من تسعين عاما ونحن ننتظر ان تتغير الدنيا لكي نبدأ حياتنا الزوجية ، ولكننا لا نزال ندور في حلقة مفرغة ، نبدأ لننتهي بنفس المأساة!! الرئاسة والرئيس!! الشعب والدولة!! الجيش والسلطة!! الدين والسياسة والحرية!! الحرية والاستبداد! الاقتصاد والفساد!!
لقد تعبت من هذا كله.. تعبت.. تعبت.. تعبت!!
الزوجة- ولكن الدنيا قد تغيرت.
الزوج-كلا لم تتغير، نحن منذ عقود ندور في رحى الصراعات والمؤامرات ، الدنيا غيرت جلدها كالأفعى ولم تتغير في جوهرها وحقيقتها.
الزوجة- حبيبي يجب علينا ان نبدأ حياتنا الزوجية على كل حال، لقد تعبت وسئمت الانتظار.
الزوج- اما انا فدماء ذلك الشاب لا تزال تطاردني ، صوته لا يزال في مسامعي، الرصاصة التي اخترقت جسده كأنها اخترقت روحي واحدثت فيها جراحا لم ولن تندمل ابدا، ونزيفا يسيل الى الابد.
يعود الى سريره .. يشاهد وسادته وقد تمزقت باقتها وبان ريشها..
يمسك بها ..
يقوم من على السرير وهو ممسك بها..
يعمد الى تمزيق ما تبقى منها وينثر ريشها في انحاء الغرفة.
الزوجة- حبيبي ارجوك هدء من روعك.
الزوج- لقد انتهى امر هذه الوسادة اخيرا.
لطالما حلمت بالليلة التي ننام عليها ايدانا ببدء حياتنا الزوجية ، ولكنها الان تمزقت وتناثر ريشها، واصبحت كليلة دخلتنا التي اسود قمرها وتناثرت نجومها في انحاء الوجود.
يعود ليستلقي على سريره وسرعان ما ينام مرة اخرى..
الزوجة- حبيبي لا تنم ارجوك ، لقد تغيرت الدنيا، صدقني ، وغدا سيكون افضل.
تجلس على السرير وتحاول تنبيهه ولكنه لا يستيقظ..
الزوجة- حبيبي، ارجوك استيقظ.
الا انه لا يرد عليها..
تمسك بيده فتهبط بسرعة على السرير, تحاول سمع نبضات قلبه إلا انها كانت قد توقفت..
تأن . تبكي بكاء مهولا ممزوجا بصراخ عات..
الزوجة - ارجوك يا عزيزي، استيقظ، لقد تغيرت الدنيا.. تغيرت.. تغيرت.. تغيرت..
موسيقى حزينة مشوبة ببكاءئها ...
تخرج اليها النساء اللاتي زفتها اليه قبل تسعين عاما بنفس هيئتهن ..
يتقدمن ببط نحوها وهن يجمعن ريش الوسادة الساقط على الارض...
يقفن على السرير ثم ينثرن ريش الوسادة على الزوجة وجثمان زوجها الذي يغمر بها على وقع انغام الموسيقى التراجيدية..
ثم يمسكن بها ويسيرن معها ببطء الى خارج الغرفة...
تنطفئ الانوار ويعم الظلام ثم تنزل ستارة الختام ...
( مسرحية قصيرة مستوحاة من قصة " المرتبة المقعرة" للكاتب الكبير يوسف ادريس)
رائد قاسم
المشهد الاول
سرير يتوسط الغرفة ، عليه وسادة طويلة ، على جانبي السرير طاولتين صغيرتين ، وعلى يمينه اريكتين، في الخلف نافذة مربعة الشكل ، اسفلها طاولة صغيرة ، وعلى الجدار صور معلقة لمناظر طبيعية وبعض معالم القاهرة...
يدخل رجل في الاربعينات من عمره مع زوجته الثلاتينيه في ثياب الزفاف ، خلفهما ثلاث نساء يزغردون وينثرون عليهما الازهار والرياحين..
يلفون حولهما وهن يزغردن وينثرن عليهما المزيد من الازهار ثم ينشد:
اتمخطري يا حلوة يا زينة يا وردة من جوا جنينة
يا عود قرنفل يا عروسة والورد ضلل علينا
اتمخطري وتعالي جنبي يا حلوة في البلدة التبني
يدورون عليهما عدة دورات ثم يخرجون تاركين الزوجين في ليلة عمرهما..
الزوجة - اخيرا تزوجنا بعد ان كدنا نفقد الامل في ان نجتمع تحت سقف واحد.
يمسك الزوج بكلتا يديها وهو في قمة الفرح قائلا:
- هذه الليلة ستكون نهاية ايام الحرمان الطويلة وبداية لأيام حبنا الذي سنجتمع تحت ظله الى ابد الابد.
يقطع حديث حبهما ازيز رصاص وأصوات اشخاص يهتفون ضد الانجليز ..
استقلال .. عيش.. حرية
استقلال .. عيش.. حرية
الزوجة- ما الذي يحدث؟
الزوج- (بارتباك وقلق) انهم اناس يريدون ان يغيروا الدنيا.
الزوجة – انني خائفة.
الزوج- لا تخافي ما دمت معك يا حبيبتي.
فجأة يشاهدان وميض البرق من النافدة ثم يسمعان هزيم الرعد ثم ينهمر المطر بغزارة..
ترتمي الزوجة في حضن زوجها..
الزوج - لا بأس عليكِ، ما دمنا هنا فلن يصيبنا مكروه.
يجلسها على الاريكة .. يحتضنها حتى تنام ثم يذهب لإلقاء نظره..
ما ان يفتح النافدة حتى يختلط جور المطر وهزيم الرعد بأزيز الرصاص وهتافات المتظاهرين..
احد المتظاهرين يخاطب الزوج:
- انت يا هذا ، تعال ساعدني ، لقد اصبت برصاصة.
- ولكن لا استطيع ، الليلة دخلتي.
- اجل دخلتك حتى تتغير الدنيا وتعال معنا.
- ولكن.
- ولكن ماذا؟.
فجأة يسمع صوت طلق ناري..
المتظاهر- اه!
يغلق النافذة ..يهرع الى الاريكة...يجلس بقرب زوجته...
الزوج- ( بحزن والم) لقد اصيب هذا الشباب بطلقة اخرى ، لعله استشهد الان.
ولكن ماذا افعل بزوجتي؟ كيف اتركها واذهب اليهم؟ او ليس لها حق علي والليلة دخلتها وديجور عمرها؟ ولكن لو ساعدته على الاقل لكنت الان مرتاح الضمير.
يقف ويتجول في انحاء الغرفة..
- كلا، لا استطيع ، ان صورة ذلك الشاب تلاحقني، ونداءاته تطاردني، لا استطيع ان ابدء حياتي الزوجية وان اهنأ بعيش بينما الدنيا لم تتغير بعد.. يا الهي لقد سقط ذلك الشاب امام ناظري ، كيف حدث هذا؟ أي دقائق ملعونة هذه تسللت الى حياتي؟ انني اتعذب الان اكثر منه.
يتجه نحو زوجته... يوقظها من نومها ..
الزوجة- حبيبي، هل انت بخير؟
الزوج- نعم.
الزوجة- هيا بنا إذن نبدأ حياتنا الزوجية.
الزوج- كلا، لن يحدث هذا.
الزوجة- ( بذهول) ولماذا؟ او لم تكافح لسنوات من اجل هذه الليلة؟.
الزوج- لا يمكننا ان ندخل إلا اذا تغيرت الدينا ، إن هتافات الشبان نغصت علي مضجعي وعكرت صفوي.
الزوجة- حبيبي انساهم.
الزوج- لا استطيع، لقد حفروا في ذاكرتي كما حفرتي انتِ في قلبي.
الزوجة- حبيبي ارجوك.
الزوج- هذا قرار اتخذته ولن اتراجع عنه ابدا.
يقوم من على الأريكة... يجلس على سريره.. ينظر للوسادة الطويلة بعمق..
الزوج- سأنام الان ولا توقظيني الا اذا تغيرت الدنيا.
ينام من فوره..
تنطفئ الانوار ويعم الظلام
المشهد الثاني
( ظلام يشوبه هتافات المصريين ضد الاحتلال الانجليزي سنة 1919)
الاستقلال التام أو الموت الزئام.
سعد سعد يحيا سعد.
يحيا الهلال مع الصليب.
تعود الاضاءة...
توقظه زوجته قائلة:
- استيقظ يا حبيبي ، عندي اخبار سارة.
يستيقظ ببط...
الزوج- ما الذي حدث؟
الزوجة - لقد تغيرت الدنيا.
الزوج-كيف؟
الزوجة- لقد نمت اكثر من ثمان سنوات ، وها قد تغيرت الدنيا، هيا بنا لنبدأ حياتنا الزوجية.
الزوج- على هونك ، اوضحي لي الامر اولا؟.
الزوجة- في عام 1919 قام الشعب بانتفاضة ضد الانجليز، ونحن الان في عام 1923 ، والبلاد في طور وضع دستور جديد بعد ان اعلن رسميا استقلال مصر.
الزوج - حقا! هل انسحبوا من مصر؟
الزوجة- ( ببرود) كلا ، ولكن مصر نالت استقلالها.
الزوج- ما داموا لم ينسحبوا فنحن لسنا مستقلين.
ودماء ذلك الشاب وغيره لم تبرد بعد.
الزوجة- ولكنه الوقت المناسب لدخلتنا.
الزوج- كلا، لم يحن الوقت بعد، لم تتغير الدنيا.
يستلقي على وسادته..
الزوجة- دعني انظفها لك يا عزيزي ، لقد اتسخت كثيرا وعلاها الغبار.
الزوج- كلا لن انظفها حتى تتغير الدنيا.
تنطفئ الانوار مرة أخرى...
المشهد الثالث
تعود الاضاءة على أثير اغنية بصوت محمد عبدالوهاب:
يا نسمة الحرية يلي مليتي حياتنا.
يا فرحة رايحه وجايه ..يا فرحة ريحاه وجايها.
بالحب فوق جنتنا.
الزوجة - استيقظ يا عزيزي، لقد تغيرت الدنيا.
يستيقظ بسرعة..
الزوج- حقا؟ هل تغيرت الدنيا؟.
الزوجة- نعم يا عزيزي ، لقد تحولت مصر الى جمهورية، والانجليز سيغادرون قريبا لتصبح بلادنا مستقلة تماما.
الزوج- هذا يعني ان الملكية قد سقطت؟.
الزوجة -نعم يا حبيبي، انها السنة المثالية لبدء حياتنا الزوجية، وننجب اطفالا سيعيشون حياة مليئة بالأمل والمجد.
يعرض عنها..
الزوجة- ما بالك؟ او لست فرحا؟.
الزوج- لقد نمت طويلا، ما يناهز الثلاثين عاما ، كنت اتوق لسماع اخبار افضل من هذه.
الزوجة- ولماذا هذا التشاؤم ؟.
الزوج- لقد رحل الملوك وحل مكانهم العسكر، وليس هذا هو التغيير المنشود.
الزوجة- فماذا تريد اذن؟.
الزوج - أرجوك ان الوسادة تناديني للسبات مجددا.
يستلقي على فراشه مرة اخرى ليستأنف نومه الطويل..
تنطفئ الانوار ...
المشهد الرابع
تعود الاضاءة مع اغنية لعبد الحليم حافظ:
عدّى النهار..
و المغربية جايّة..
تتخفّى ورا ضهر الشجر..
و عشان نتوه في السكة..
شالِت من ليالينا القمر!..
و بلدنا ع الترعة.. بتغسل شعرها.
جانا نهار مقدرش يدفع مهرها..
يا هل ترى الليل الحزين.
أبو النجوم الدبلانين.
يستيقظ...
يرى زوجته جالسة بحزن .. يقترب منها.
الزوج- ما الذي حدث؟ نحن في أي عام؟.
تنظر له بعيون حزينة ووجه كئيب..
الزوجة - في عام 67.
الزوج- فما بالك حزينة؟ الستِ فرحةِ باستيقاظي بعد اربعة عشر عاما من النوم؟.
الزوجة- فرحة طبعا ولكن.
الزوج- ولكن ماذا؟ لماذا يبدوا عليكِ الحزن؟ ثم صوت من هذا الذي كان يغني هذه الاغنية الحزينة؟
الزوجة- انه عبد الحليم حافظ.
الزوج- يبدوا انه مطرب دو صوت شجي.
الزوجة- انه كذلك بالفعل.
الزوج- ولكن لما هذه الاغنية الحزينة؟ ولماذا يسود الحزن وجهك؟.
سرعان ما تبكي..
يحتضنها بحنان..
الزوج- حبيبتي ما الذي حدث؟.
الزوجة- لقد هزمنا في الحرب يا حبيبي، لقد احتلت سيناء وكامل فلسطين.
الزوج- مستحيل.. سيناء تحت الاحتلال ! من الذي جرؤ على احتلالها؟.
الزوجة- دولة اسرائيل.
الزوج- ما هذه الدولة؟ ومتى قامت واين؟.
الزوجة- تلك قصة طويلة ، لم يسعفني الوقت لارويها لك في المرة السابقة، انها دولة قامت على نصف اراضي فلسطين ، ولكنها الان احتلت فلسطين بأكملها.
الزوج - يا للهول!! واحتلت معها سيناء؟.
الزوجة - واجزاء من سوريا ولبنان ايضا.
الزوج- يا للهول! وتقولين لي في المرة الماضية بأن الدنيا قد تغيرت!.
وها هي اجزاء من مصر تحت نيران الاحتلال!!
الزوجة- لقد حدثت وقائع جسام خلال سنوات نومك على هذه الوسادة.
ولكن الامور بخواتيمها.
الزوج- ماذا تقصدين؟.
الزوجة- تعلم ما اقصد، حبيبي هيا بنا لنبدأ حياتنا من هذا العام.
الزوج- هل جننت؟ نبدأ حياتنا في ظل هذه الظلام الرهيب المخيم علينا.
نبدأ حياتنا في ظل كل هذه النكسات والهزائم المرعبة!!
في ظل هذا السقوط والتهاوي!!
نبدأ حياتنا ونحن في قعر هذا الوحل الذي نتمرغ فيه ليلا ونهار.
سأعود للنوم مرة اخرى، هذا هو قراري.
الزوجة- حسنا، كما تشاء، ولكن دعني انظف وسادتك ، لقد غزاها السواد وتراكم عليها الغبار.
ولكنه يسارع بالاستلقاء على الوسادة مرة اخرى قائلا:
- لن انظف هذه الوسادة قبل ان نظهر بلادنا من الاحتلال ونمحو عار الهزيمة.
تنطفئ الانوار ويعم الظلام...
المشهد الخامس
تعود الاضاءة مع اغنية لعبد الحليم مرة اخرى:
النجمة مالت ع القمر فوق فى العلالي.
قالت له شايفة يا قمر افراح قبالي..
قال القمر بينا نسهر على المينا.
ده النور على شط القنال سهران يلالي..
شاف القمر ع الضفتين زفة وزينة..
قال ده السلام فارد جناحه ع المدينة.
والليلة تحلا بالمحبة والغنا...
اوعو تخلوا فى ارضكم دمعة حزينة.
الزوجة- استيقظ يا حبيبي لقد تغيرت الدنيا.
ينهض من سريره على عجل قائلا:
- ماذا حدث؟
الزوجة- لقد حررنا القناة.
الزوج- هل هذا يعني بأن سيناء قد تحررت؟.
الزوجة- لا.. القناة فقط.
الزوج - وفلسطين؟.
الزوجة -ليس بعد.
الزوج- وباقي اراضينا العربية؟.
الزوجة- ليس بعد.
الزوج- والان ما الذي سيحدث؟.
الزوجة – ستجرى مفاوضات بيننا وبينهم لكي ينسحبوا من سيناء.
الزوج - ان استعادتنا للقناة عمل عظيم ونصر مؤزر، ولكن ان تتفاوض معهم فهذا يعني انه لن ينسحبوا من بقية ارضك الا اذا سالمتهم ، اما فلسطين وبقية الاراضي المحتلة فرواية طويلة ستسطر على صفحات التاريخ بأحرف من الدم.
الزوجة - حبيبي، انها السنة المناسبة لكي نبذء حياتنا الزوجية ، فالدنيا قد تغيرت.
الزوج - كلا، ليس بعد، لم تتغير الدنيا.
تجلس الزوجة على السرير بانكسار.. تتلمس الوسادة..
تقول له بحزن:
- انظر الى الوسادة ، لقد اصبحت سوداء وتشقق غطائها، دعني اغيرها لك.
الزوج - (بحزم) لا حاجة لذلك الان.
تقوم من على السرير ليستلقي عليه وينام..
الزوجة - عقود متتالية وسنوات طويلة ونحن ننتظر السنة التي سنبدأ بها حياتنا الزوجية ولم تأتي بعد، اي قدر عات هذا؟
ايها الشياطين الذين تعيشون بيننا بهيئة البشر، ستنتقم منكم الاقدار يوما ما ، ان آهات الالم الذي جرعتمونا اياه ستتحول الى لعنة ستلاحقكم الى الابد.
تنطفئ الانوار مرة أخرى...
المشهد السادس
تعود الاضاءة..
الزوجة واقفة تنظر من النافذة بينما يغض زوجها في سباته الطويل..
تسمع شعارات ثورة يناير 2011
إرحل إرحل.
الشعب يريد إسقاط النظام.
ثوره ثوره حتی النصر ثورة في كل شوارع مصر.
ثم يعقبها صوت اللواء عمر سليمان مبشرا بأن الرئيس مبارك قد تنازل عن الرئاسة:
ايها المواطنون في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد
قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخلية عن منصب رئيس الجمهورية
وكلف المجلس الاعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد
والله الموفق والمستعان.
تسارع الزوجة لأيقاظ زوجها...
- حبيبي استيقظ لقد تغيرت الدنيا.
تجلس على السرير وتوقظه بمشاكسة..
يستيقظ سريعا وهو متأفف ، ثم يستوي جالسا..
الزوج- كل مرة تقولين لي ذلك.!!
الزوجة- هذه المرة تغيرت بالفعل.
الزوج- ما الذي حدث؟
الزوجة- لقد قامت ثورة شعبية ضد الرئيس مبارك وقد اعلن تخليه عن الرئاسة ، وقطعا ستكون بعد ذلك انتخابات وتغيرات جمة في صالح الشعب والامة.
الزوج - انتظري قليلا، لم افهم شيئا!.
لماذا قاموا ضد هذا الرئيس؟
الزوجة- ( بتأفف) ايجب ان تعرف كل شيء بالتفصيل؟.
الزوج- بالتأكيد!!
الزوجة- حسنا ! لأنه ظل في منصبه اكثر مما ينبغي ، وحكمه اصابه الترهل ولم يعد قادرا على حل مشالك البلاد ، التي تراكمت وتأزمت ووصلت الى طريق مسدود.
الزوج- لقد فهمت الان، ولكن لا اظن ان هذه السنة مناسبة لبدء حياتنا الزوجية، فالدنيا لم تتغير ، اذ لا نزال نعيش في الدوامة نفسها ، وندور حول انفسنا وكأننا ننجب آبائنا!
الزوجة- حبيبي ارجوك!!
الزوج- لا ، دعيني انام.
يستلقي على سريره لتنطفئ الانوار مرة أخرى
المشهد السابع
تعود الاضاءة مشوبة بشعارات 30 يونيو 2013..
ثورة ثورة من جديد.
سامع أم شهيد بتنادي.. عاوزة حقي وحق ولادي
قالو هيكمل المشوار.. داير يحبس في الثوار
يسقط يسقط حكم المرشد..
الزوجة واقفة تراقب الوضع من النافذة كالعادة...
تنادي على زوجها..
- حبيبي استيقظ، لقد تغيرت الدنيا!!
ينهض من سريره..
تهرع اليه وتجلس بقربه..
الزوج- ما الذي حدث؟.
تلاحظ الزوجة ان الوسادة قد تمزقت...
الزوجة- انظر الى وسادتك ، لقد بليت ولم تعد صالحة للنوم بعد اليوم.
الزوج- دعكِ منها واخبريني بآخر الانباء.
الزوجة- لقد..
تتلعثم..
الزوج- ماذا؟ تكلمي.
الزوجة- في الحقيقة ..
الزوج- حسنا سأقول انا، لقد وقعت ثورة ضد الرئيس مرة اخرى!!
الزوجة- ( باستغراب) وكيف عرفت؟.
الزوج- خمنت ذلك ، ولكن ما به هذا ايضا؟.
الزوجة- لا اعلم بالضبط ولكنه فشل في ادارة شئون البلاد.
الزوج- وستنظم انتخابات جديدة!
الزوجة- نعم صحيح ولكن كيف..
الزوج- وسوف يوضع دستور جديد!!
الزوجة- صحيح!
الزوج- وبعد ذلك سيكون كل شيء على ما يرام!!
سيكون عندنا صحافة حرة! واعلام مستقل! وستحترم اجهزة الامن حقوق المواطنين! وستصون كرامتهم! وسيحارب الفساد ! وستحل مشاكلنا الاقتصادية!
الزوجة - فعلا ! لقد قالوا ذلك! امتاكد بانك كنت نائما؟!!
يضحك ضحكة طويلة متواصلة..
يدور بيأس في انحاء الغرفة...
الزوجة- (بوجل) ما بالك يا حبيبي؟.
الزوج- اكثر من تسعين عاما ونحن ننتظر ان تتغير الدنيا لكي نبدأ حياتنا الزوجية ، ولكننا لا نزال ندور في حلقة مفرغة ، نبدأ لننتهي بنفس المأساة!! الرئاسة والرئيس!! الشعب والدولة!! الجيش والسلطة!! الدين والسياسة والحرية!! الحرية والاستبداد! الاقتصاد والفساد!!
لقد تعبت من هذا كله.. تعبت.. تعبت.. تعبت!!
الزوجة- ولكن الدنيا قد تغيرت.
الزوج-كلا لم تتغير، نحن منذ عقود ندور في رحى الصراعات والمؤامرات ، الدنيا غيرت جلدها كالأفعى ولم تتغير في جوهرها وحقيقتها.
الزوجة- حبيبي يجب علينا ان نبدأ حياتنا الزوجية على كل حال، لقد تعبت وسئمت الانتظار.
الزوج- اما انا فدماء ذلك الشاب لا تزال تطاردني ، صوته لا يزال في مسامعي، الرصاصة التي اخترقت جسده كأنها اخترقت روحي واحدثت فيها جراحا لم ولن تندمل ابدا، ونزيفا يسيل الى الابد.
يعود الى سريره .. يشاهد وسادته وقد تمزقت باقتها وبان ريشها..
يمسك بها ..
- وسادتي الحبيبة لقد تمزقت اخيرا..
يقوم من على السرير وهو ممسك بها..
يعمد الى تمزيق ما تبقى منها وينثر ريشها في انحاء الغرفة.
الزوجة- حبيبي ارجوك هدء من روعك.
الزوج- لقد انتهى امر هذه الوسادة اخيرا.
لطالما حلمت بالليلة التي ننام عليها ايدانا ببدء حياتنا الزوجية ، ولكنها الان تمزقت وتناثر ريشها، واصبحت كليلة دخلتنا التي اسود قمرها وتناثرت نجومها في انحاء الوجود.
يعود ليستلقي على سريره وسرعان ما ينام مرة اخرى..
الزوجة- حبيبي لا تنم ارجوك ، لقد تغيرت الدنيا، صدقني ، وغدا سيكون افضل.
تجلس على السرير وتحاول تنبيهه ولكنه لا يستيقظ..
الزوجة- حبيبي، ارجوك استيقظ.
الا انه لا يرد عليها..
تمسك بيده فتهبط بسرعة على السرير, تحاول سمع نبضات قلبه إلا انها كانت قد توقفت..
تأن . تبكي بكاء مهولا ممزوجا بصراخ عات..
الزوجة - ارجوك يا عزيزي، استيقظ، لقد تغيرت الدنيا.. تغيرت.. تغيرت.. تغيرت..
موسيقى حزينة مشوبة ببكاءئها ...
تخرج اليها النساء اللاتي زفتها اليه قبل تسعين عاما بنفس هيئتهن ..
يتقدمن ببط نحوها وهن يجمعن ريش الوسادة الساقط على الارض...
يقفن على السرير ثم ينثرن ريش الوسادة على الزوجة وجثمان زوجها الذي يغمر بها على وقع انغام الموسيقى التراجيدية..
ثم يمسكن بها ويسيرن معها ببطء الى خارج الغرفة...
تنطفئ الانوار ويعم الظلام ثم تنزل ستارة الختام ...
تعليق