غيبوبة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مناف بن مسلم
    أديب وكاتب
    • 19-09-2013
    • 72

    غيبوبة

    غيبوبة
    أَفَاقَ من غيّبوبته , وجدها جالسة على الكرسي بجانب سريره , تنظر إليه بعيون أثقلها السّهر . (غِبت عنّي طويلاً) قالت وهي ترسم ابتسامة على شفتيها المرتجفتين . دارت عيّناه في أرجاء ردهة العناية المركّزة . تساءل في نفسه ما الذي أتى به هنا؟ لم يستطع الكلام لكنّه حاول رغم الآلام التي يحسّها في جميع أنحاء جسمه أن يمسك يدها ويضعها على جبهته الملتهبة , فتلاقت عيونهما . مرّ وقتا طويلا جدّاَ يبصر أحدهما الآخر . خفَّت آلامه بحنان نظرتها . ترقرقت عيّناها بالدّموع . تبلّل خدّه بدمعتها التي سقطت من خدّها القريب من خدّه , فمسحتها بطرف اصبعها . في عيّنيّها رأى وجهه , شاحبا تلفّه الضّمادات , مثقلاً بالجراح , فأضطرب لذلك جدّاً . كمرآة صافية كانت عيناها تعكس له كلّ الأحداث الماضية . منذ خروجه من المنزل قبل سنوات نسي أن يعدّها . صباح ذلك اليوم الربيعي . في الثامنة من عمره . عندما خرج مع رفاقه الى تلك الاحتفالية المشؤومة , (يا ربّي ما كان أسم الاحتفاليّة تلك ؟ ) حاول أن يتذكّر لكنّ رأسه مثقل بصور أناس ربّما رآهم في مكان ما , ونسيهم , ونسي لماذا يراهم الآن في مخيلته بهذه الحدّة وبذلك الوضوح الصّاخب . تذكّر أخيرا , عندما خرج من المنزل راكضا كيّ يلحق أصدقائه. مرتديا زيّ الطلائع , متهيئا للاستعراض الذي نظّمته إدارة مدرسته كمشاركة في العيد السّنوي للبلاد . ورغم فرحته واحساسه بالحرّية وهو يراقب تلك الشاحنات الكبيرة المزينّة بالأعلام والورود وسعف النّخيل , إلّا أنّه أحسّ بالضياع والخوف . كانت تلك الشاحنات تحمل بنات وأولاد بملابس برّاقة يرقصون بحركات متشابهة كالفراشات الملونة , على أنغام الأناشيد الوطنيّة , وينثرون الورد ودفاتر ملونة على الجمهور الواقفين يحيّونهم في كلا الجانبين من الشّارع المزيّن بالشّعارات والأعلام الملونة . لم يعرف من أيّن خرجت له تلك البنت الجميلة جدّا , ترتدي ملابس فلاحة تتهيأ للحصاد , كأنها حوريّة من الجنّة , عندما غمره الفرح بذلك الدفتر الذي سقط قربه , والتقطه يقلّب بصفحاته مبتهجا . (انا لم أحصل على دفتر !) قالت له بعيون حزينة وهي تنظر الى ذلك الدّفتر الذي أنقضّ عليه بكلّ سرعته كي يلتقطه من بين الجمهور الصّاخب . نظر اليها مرتبكاً , لم يعرف ماذا يفعل , ولم يستطع أن يتخلّص من سحر عيّنيّها اللّتين كانتا بلون العشب الأخضر. (انا لم أحصل على دفتر !) كررت عليه . أراد أن يعتذر لها ويقول أنّه لم يحصل إلّا على دفتر واحد فقط , لكنّه كالمسحور رأى نفسه يعطيها الدّفتر . أخذته واختفت في الزحام . وجد نفسه وحيداً , ضائعاً , التفت يمينا ويساراً . بحث عن أصدقائه , فلم يجد أحداً منهم . تملّكه الخوف وراح يبكي , يبكي لضياعه , ويبكي لاختفائها دون أن تقول له كلمة واحدة . بالرغم من السّنين الطويلة التي مرّت على تلك الحادثة إلّا أنّه كلّما تذكّرها كلّما أحسّ بالخجل من نفسه . لكّنها جميلة جداً , جميلة وأنانيّة . ضغط على يد أمّه اليمنى بعد أن وجدها بصعوبة . حاول أن يبتسم لها لكنّ الألم في رأسه شديداً لدرجة أنّه كان يراها غير ثابتة مثل بقية الأشياء المتحركة في هذه الردهة .(ماذا! .. ردهة العناية المركّزة ...آه) . تمنّى أن يعود طفلاً , أن تحمله وتضعه في حضنها الدافئ . تطبطب على رأسه وتغنّي له بصوتها الشجي الحزين , وينام , ينام ويحلم بأبيه . (امّاه كيف كان ابي؟) . كثيرا ما كان يسألها , خاصّة إذا حلم به واستيقظ من نومه ولا يجده أمامه , فيشعر برغبة شديدة لوجوده في ذلك اليوم . أو ربما لأنّه تمنّى فعلا أن يراه , أن يرى ذلك الأب الغامض الذي لم يستطع أن يحدد معالماً له . كلّما حدثه شخص ما عنه كلّما ارتسمت له صورة جديدة , وملامح جديدة . (تزوّجنا في الحرب . لم يبق معي سوى شهر واحد . التحق بعدها في الجيش , الى جبهات القتال , ولم أره بعد ذلك . انتظرته سنوات طويلة لكنّه لم يعد ) أخبرته امّه في أحدى ليال الشتاء الماطرة , عندما كانوا ملتفين حول المدفئة النفطيّة , يشعر بالدفء ويتخيّل بلهفة كلّ كلمة تنطقها امّه , يتمنّاها أن تستمر بسرد كلّ ذلك الوجع الذي يتمنّى أن يكون بداخله , ليعيش كلّ لحظة وكلّ إحساس عاشته امّه وتحاول أن تنقله له بهذه الكلمات التي تذيب القلب , خاصّة عندما تخنقها العبرة بين فترة وأخرى , فتتغيّر نبرات صوتها وتسكت رغماً عنها , محاولة أن تمسح دموعها لكنّها لا تستطيع إلّا أن تظل تبكي فترة يحسّها طويلة جداً . تأخذه الحيرة ولا يعرف كيف يواسيها أو يزيل عنها هذا الحزن الذي تكتمه في قلبها النقيّ . تلك الجلسات كانت جزء من أجوبتها عن أسئلته الكثيرة عن أبيه , عن ذلك الحلم الذي لم يبق منه إلّا صورة معلّقة على جدار غرفتها وذكريات تمطر عليها وحشة وغربة وأحلام مشتتة . والآن وهي تمسح على رأسه الملفوف بضمادات تزيد الثقل على رأسه , يحسّ بخوفها المفرط أن تفقده هو أيضاً , بعد أن فقدت أباه في تلك الحرب الملعونة . فبعد عشرين سنة من رحيل أبيه يلتحق هو ورفاقه الى الجيش ويشارك في حرب ملعونة أخرى . لن ينسى ذلك الصباح الشتائي البارد ,اول يوم له في الجيش , مرتديا بزته العسكرية . يعرف أنّه لا يستطيع أن يتجاهل قلق واضطراب امّه وهي تهيء له حقيبته التي سوف يأخذها معه . رغم صمتها إلّا أنّه يعرف ما كانت تكبته من حزن وخوف عليه . لذلك فقد أحسّ بغصة تمنعه من الاندماج بكل ما يصدر من رفاقه من مرح وحركات صاخبة . لم يلتفت الى إمّه في تلك اللّحظة عندما خرج ذاهبا مع رفاقه , ولم ير دموعها المنسابة على خدودها . لكنّه أحسّ برذاذ الماء المنسكب خلفه . منصتا لكل الابتهالات والأدعية التي كانت تتلوها بخشوع وبصوت مرتجف كي يعود إليّها سالما . كانت نظراته زائغة , يحاول ان يخبرها بكلّ شيء حدث له , لكنّه لم يستطع أن يستحضر كل ذلك الرّعب والجّحيم الذي عاشه هو ورفاقه , منذ أول يوم لوصولهم الى أرض المعركة وحتّى اليوم الذي تم فيه الانسحاب الغير منظم , تحت قصف الطائرات المحلّقة فوقهم , وتحت المطر المتساقط بغزارة . ظهرت له أخيرا صور مشتتة من ذلك اليوم المخيف حقا . نعم تذكّر الآن كيف كان يركض حاملا على ظهره رفيقه الجريح, محاولا أن يصل الى مخبأ قريب يحميهما من قذائف الطائرات . رغم الخوف المتغلغل فيه إلّا أنّه لم يفكر أن يترك رفيقه ويهرب (سوف تموت معي ... اتركني , أرجوك ) سمع صوت رفيقه , ضعيفا مرتجفا يعكس حدّة الألم الذي يحسّه وهو يردد كلماته بصعوبة . (لن أتركك أبداً ... إمّا أن نموت معا أو نعيش معا ) قال لرفيقه , ولم يعرف من أين أتت له كل هذه الشجاعة وكل هذا الإصرار . لكنّه عرف أخيرا عندما تراءى له أبوه من بين كثافة الدخان المتصاعد , فاتحا له ذراعيّه يريد أن يحتضنه ليحميه من هذا الموت الأسود الذي يلاحقهم ويصطادهم كالذباب . (انك تمدني بالشجاعة يا أبي عكس امّي التي زرعت الخوف في داخلي كلّ تلك السنين التي عشتها بعيدا عنك ) فكر في نفسه , يحدّث شبح أبيه الذي يراه أمامه الآن . وأحسّ بالخجل من امّه عندما تخلّى عنها , بعد أن تملّكه خيال أبيه . تذكّر حزنها وانتظارها فأعتصر قلبه . تمنّى أن يعتذر لها , يقبّل يديّها ورأسها وأن لا يفكّر إلّا بها . ازداد ثقل رفيقه عليه وأحسّ بالإعياء وهو يركض , لا يعرف متى ينتهي هذا الكابوس المؤلم . تعثرت أقدامه وسقط على الأرض منهكاً جداً , ارتمى رفيقه بقربه صارخا من شدة آلامه . حاول النّهوض كيّ يطمئن على رفيقه . لكنّ رشقة من قذائف الطائرة انفجرت قريبة جدا منهما . أحسّ بجسده يطير في الهواء ويرتمي على الأرض , مثل الريشة . كان آخر شيء يتذكره شبح أبيه عندما أخذه في حضنه يكلّمه ويمسح عن رأسه التراب . بعدها أغمض عيّنيّه وأستسلم لدفء أبيه , غائبا عن كل شيء . وعندما فتح عيّنيّه وجد نفسه هنا في صالة العناية المركزة .
    غمر امّه الفرح عندما رأته يفتح عينيه , وينظر إليّها . تلاشى خوفها عندما أمسك يدها اليمنى ووضعها على جبهته . وعندما تلاقت عيونهما حاولت أن تبتسم له رغم تعبها من السّهر والأرق كل تلك الليالي الماضية . تمنّت أن يتكلم معها حتى ولو كلمة واحدة , لكنّه لم يستطع . مرّ وقت طويلا تنظر اليه بلهفة , اعتصر قلبها وارتفعت صرختها عالية في أرجاء الرّدهة عندما رأته يغمض عيّنيّه , ويعود ثانية في غيبوبته .


    مناف بن مسلم
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الحروب
    وقودها الامهات وقهرهن
    الشباب تفور دمائهم والأمهات ينتظرن عودة تكتكة بسطال الولد وهو يدخل البيت
    واحيانا تكون الخيالات هي من تلعب دور الابن
    نص موجع وشخصيا عشته طوال حــيِــ❥ــآآتي
    شُِكْـُـْـْـ🌺ـْـْـْرَاً على كم الوجع الهائل
    محبتي والورد
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    يعمل...
    X