يحمل بهجته وحيدا / دينا نبيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دينا نبيل
    أديبة وناقدة
    • 03-07-2011
    • 732

    يحمل بهجته وحيدا / دينا نبيل

    يحمل بهجته وحيدًا

    لا أحد يعلم من أين أتى ولا من أهله؟
    فكل أهل الحي يعلمون أنّ عمّ يونس يقطن وحده في شقة قديمة بالدور الأرضي. هناك من يقول أنّه جاء من الصعيد هربًا من الفقر أو ربّما الثأر، وآخرون يقولون أنّه بورسعيديّ نزح إلى العاصمة بحثًا عن لقمة العيش بعد أن ضاق الحال بأهل بورسعيد من التّجار..
    لكن لم يجزم بذلك أحد.

    فمنذ أن رأيناه وهو يحمل (بؤجة) كبيرة خارجًا كان أو داخلًا إلى شقته. كانت زيتية اللون أو ربما كانت بلون آخر.. وعلقت بها زيوت أو شحوم من مكان ما، فتلوّنت عبر الزمن واكتسبت لونًا محايد الأطوار لا يقبل التمييز.
    أخبرني أبي أنّه منذ أن وطأت قدم عمّ يونس بيتنا وهو يحمل تلك الــ (بؤجة)على ظهره ويقبض عليها بكلتا يديه.. ربما بها ملابسه أو نقوده أو ربما شيء غالٍ يخشى عليه من السّراق.
    كم كنت أتحلق في طفولتي أنا وأقراني من صغار الحي حوله في العيد عندما يناديننا بأسمائنا ويدعونا أن نلتفّ حوله، "يا أحمد.. يا حسن .. يا علي.. تعالوا يا أولاد قفوا حولي"
    ثم أراه يحتضن تلك الــ (بؤجة) العجيبة إلى صدره ويدخل في عنقها يده الأخرى كأنه يُفتش عن شيء ما.. لا تفارق أعيننا بسماته وبريق عينيه الذي سريعًا ما يعلن عن إيجاده شيئ ما يستحق البحث..
    لتخرج يده السمراء بعد ذلك قابضةً على ألوان مبهجة من الحلوى والشيكولاتة، فما يلبث الأولاد أن يندفعوا حوله يقبضون على يده المتيبسة ليختطفوا منها الحلوى ويهمّوا بالجري مبتعدين، حتى ينادي عليهم مجددًا ليطمئن أنّ كلًا منهم قد أكل نصيبه أمامه.

    أذكر أول مرة آخذ فيها نصيبي..
    في الحقيقة كنت أخشى أن آخذ الحلوى لا لأن الــ (بؤجة) تبدو متسخة ولا أعلم أين باتت الحلوى التي بها ولكن لأن أمي توعدتني بالعقاب إن أخذت حلوى من أحد الغرباء. ولكن ما شجّعني أنه قال : "خذ حلوى من عمّ يونس حبيبك.. أنا جارك ولست غريبًا" ثم شعرت بالأسى من أجله حينما لمحت عينيه تغيمان بالدموع .. ولم تكفّا حتى فتحت الحلوى وأكلتها أمامه.. فما تذوّقت أعذب منها ولا أحلى منها في حياتي!

    ظلت هذه اليد دومًا ممدودة بالحلوى التي لا يعرف أحدٌ منا مصدرها سوى أنّها كانت محطّ سعادتنا وسبب بهجة "عم يونس" الوحيدة.. فلقد كان يعتزل مجالس الكبار تقريبًا ولا يردّ إلا السلام ويكتفي بكلمات مقتضبة يسأل بها عن صحة جيرانه، وبعض قبضات الحلوى التي يحملها للصغار..
    سنوات تجتر الأخرى واليد ممدودة حتى عفّت نفوسنا ملذّات الصغار وزهدت في الحلوى... فلم تجد يد عم يونس من يختطف الحلوى منها .. وتشتت بين سفر وزواج، ومن يهدّه العمل فيحلم بمعانقة السرير لا محض حلوى.

    امتدت يده لسنوات دون مجيب.. حتى كلّت وكلّ صاحبها عن حمل الــ "بؤجة" حتى شقّت في كتفه تجويفًا افتعله استقرارها عليه لسنوات طوال.. فظل وحيدًا هو و"بؤجته" حتى ما عاد أحدٌ يراه تقريبًا ..
    يوم ما عندما عدّت من عملي بعد ورديّة ليل رأيته يمشي على مهلٍ يجرّ قدميه جرًّا وقد زاد تقوّس ظهره حتى كاد صدره يلامس ركبتيه
    وعلى ظهره كانت "البؤجة" قد اكتسبت لونًا أسود ورائحة غريبة تفوح منها..
    مما دعاني إلى الاقتراب منه أكثر مسرعًا الخطى نحوه لأسلّم عليه.. وأخبره كم اشتقت إلى حلواه اللذيذة، وأسأله لماذا لم يعد ينادي علينا كسابق عهده ليعطينا حلواه.

    وما أن لمست بؤجته حتى استدار إلى بوجه عابس قد حفرت فيه التجاعيد سراديب شتّى وعينين انطفأ عنهما النور ثم انصرف عني..
    كانت البؤجة تنز خيطًا سائلًا داكنًا وترسم خطًا فوق غبار الأرض
    نظرت إلى يدي فكانت مصطبغةً بلون أحمر..

    دينا نبيل
    التعديل الأخير تم بواسطة دينا نبيل; الساعة 27-04-2020, 18:46.

  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2



    وأنا اقرأ هذه القصّة، اغرورقت عيناي بالدموع
    كم من شخص موجد في هذا العالم يشبه عم يونس في طيبته وتلك اليد السخيّة بالحلوى
    سعادته تكمن في فرحة الصغار من حوله
    كم من شخص الآن يمدّ يده بالورد فتعود له بالأشواك
    العطاء كنز عظيم يسعد صاحبه أوّلا ثم الآخرين، لكن هل الناس مازالت وفيّة لحقبة زمنية فيها امثل عمّ يونس،
    هؤلاء الذين تشتعلُ الفرحة في عيونهم حين يرسمون ابتسامة على وجوه من حولهم؟؟

    القصّة دقيقة بلغتها السلسة وهذا ليس بغريب عن الناقدة دينا نبيل التي عرفتها على مدى سنين طويلة.
    -
    تقبّلي فائق المحبة والتقدير دين
    ا
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    • محمد فهمي يوسف
      مستشار أدبي
      • 27-08-2008
      • 8100

      #3
      الأديبة الناقدة الأستاذة دنيا نبيل
      كل عام أنت بخير .. ورمضان كريم
      والله أكرم من رمضان ومن عم يونس

      بطل أقصوصتك الجميلة والعجيبة
      السرد لايشوبه ما يعكر متابعة الكلمات حتى النهاية
      والقفلة مبدعة ومشتتة لفكر القاريء المتأني المنتظر لها
      و(البؤجة ) لغة محلية معروفة وتقويسك حولها يشعر المتخصص
      بفهمك الجيد للغة العربية ، وبطل القصة
      والثانويين ــ أقصد من يوزع عليهم الحلوى والدماء ــ معه أدوا دورهم بمهارة
      والعطاء سمة القليل من الناس بدون مقابل ، وأحيانا يكون له هدف خفيّ
      والعزوف في عصرنا عن هذه ( البؤجة ) من باب التقدم والنظافة عند من يحبونها
      أكثر من الحلوى بداخلها ، والعقدة محكمة عندما تغير لونها إلى اللون الأسود
      وهو تحول الحياة من الحسن إلى السيء ، في كل شيء
      أما العنوان وإن دل على مضمون الأقصوصة ففيه البهجة فقط بدل ( البؤجة)
      ولكن الأحداث التي سردت في النص ينوع بين ( الفرح والعبوس ) وبخاصة
      في لقاء أحد الأبطال الثانويين بعم يونس .
      وكانت النهاية في تفضيل الوحدة عن الآخرين بسره الدفين في ( البؤجة )

      أما صحة اللغة العربية :فهي جيدة تنم عن متخصصة في اللغة العربية
      وهناك هنة لغوية ، وأخرى نحوية بسيطتان لا يغضان من جمال النص ورفعة مبدعته
      عندما ( يناديننا ) ... الصواب أنه ينادي واحدا واحدا فالأفضل ( ينادينا )
      يعلن عن إيجاده (شيءٌ ) والصواب : شيئا ما

      تعليق

      • محمد مزكتلي
        عضو الملتقى
        • 04-11-2010
        • 1618

        #4
        أدفع نصف عمري لأعرف ماذا كان في البقجة...
        والنصف الآخر لجمال هذه القصة وحبكتها المتينة بخيوط الفن والإبداع.

        الشكر كل الشكر للسيدة دينا نبيل على هذه الهدية الجميلة التي اهديتنا.

        رمضان مبارك.
        أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
        لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.

        تعليق

        • سامي جميل
          أديب وفنان
          • 11-09-2010
          • 424

          #5
          بسم الله الرحمن الرحيم
          _________________



          أراني هناك ...

          غابراً لهثتُ قنَطاً ... أحمل (بؤجة) هَمّ قوت كبدي

          برزت لي زهرة دسمة
          زهرة الحياة اللاحمة
          أصابني مس عجيب شركها فابتلعه فكري فتجسدتني
          ظللت أنثر رحيقي بقناع النزاهة لأجلب الفَراش
          وليمة من سم ضرام حبري لأٌبْعَث
          أنفث الزرنيخ من برعم حبري لأبقى لامعاً فأحيا
          لم أدرك بأن حبر الزرنيخ قد انسال إلى وسادات أكبادي...

          من أجل قوت حرفي ...

          _____________________

          الأستاذة القديرة / دينا نبيل

          السلام عليك ورحمة الله وبركاته
          وأسعد الله أوقاتك بكل خير وبركة

          راقت لي القصة جداً ياسيدتي ... قد استطعت بحرفية كاتب روائي متمرس من نقلنا بسلاسة لمواطن الحدث وطقوسه وملامح الشخصية بذكاء، لتنفردي في قفلة القصة بلفت عنق السرد بحبكة أسلوب المفاجأة الرائع ...

          ألا أنه قد وجدتني من خلال القصة وقد توجه محور فكري نحو شخصية القاص فهو رجل، والذي كانت شخصيته داكنة داخل النص أثارت جدلاً فكرياً داخلي ...

          كلنا قد نكون العم يونس ...

          إقتباس : (ومن يهدّه العمل فيحلم بمعانقة السرير لا محض حلوى) ....
          حين حملنا (بؤجة) حاجيات الحياة وضيق العيش والرغبة في الكسب لأجل تحقيق مستوى معيشي اجتماعي لنا ولمن نعول، إلى أن نصل إلى مرحلة المقايضة بالمبادئ والقيم والمنهج السليم لأجل حفنة من مظاهر. حتى أننا قد لا ننسى ذواتنا بل وكل من حولنا ونتجاهل سربنا، نضحى غرباء فقط، فلم نعد نتستطعم لا حلوى العمل ... ولا حلوى الأجر.
          والجرم الأكبر هو أن من نسعى جاهدين لأجلهم أكبادنا قد تختفي ملامح البهجة فينا عنهم فلم نمنحهم حلوى أو وقت أو حتى فكر منير ... ليمنحه لهم حامل (البؤجة) بدماء ضحايا كسبنا.
          يوماً ما سنجد أن هناك جريمة تركناها خلفنا تخط مسيرة ذنوبنا تلحق العار بنا وتكشف عن ذواتنا المنخنقة داخل قناع الماديات.

          وكذا نحن ككتاب ...

          تقبلي سيدتي تحليلي المتواضع لقصتك الرائعة ...

          شاكراً لك صادق التعبير ورونقه،،،

          خالص التحية والتقدير،،،


          بداخلي متناقضين
          أحدهما دوماً يكسب
          والآخر
          أبداً لا يخسر …

          تعليق

          يعمل...
          X