يحمل بهجته وحيدًا
لا أحد يعلم من أين أتى ولا من أهله؟
فكل أهل الحي يعلمون أنّ عمّ يونس يقطن وحده في شقة قديمة بالدور الأرضي. هناك من يقول أنّه جاء من الصعيد هربًا من الفقر أو ربّما الثأر، وآخرون يقولون أنّه بورسعيديّ نزح إلى العاصمة بحثًا عن لقمة العيش بعد أن ضاق الحال بأهل بورسعيد من التّجار..
لكن لم يجزم بذلك أحد.
فمنذ أن رأيناه وهو يحمل (بؤجة) كبيرة خارجًا كان أو داخلًا إلى شقته. كانت زيتية اللون أو ربما كانت بلون آخر.. وعلقت بها زيوت أو شحوم من مكان ما، فتلوّنت عبر الزمن واكتسبت لونًا محايد الأطوار لا يقبل التمييز.
أخبرني أبي أنّه منذ أن وطأت قدم عمّ يونس بيتنا وهو يحمل تلك الــ (بؤجة)على ظهره ويقبض عليها بكلتا يديه.. ربما بها ملابسه أو نقوده أو ربما شيء غالٍ يخشى عليه من السّراق.
كم كنت أتحلق في طفولتي أنا وأقراني من صغار الحي حوله في العيد عندما يناديننا بأسمائنا ويدعونا أن نلتفّ حوله، "يا أحمد.. يا حسن .. يا علي.. تعالوا يا أولاد قفوا حولي"
ثم أراه يحتضن تلك الــ (بؤجة) العجيبة إلى صدره ويدخل في عنقها يده الأخرى كأنه يُفتش عن شيء ما.. لا تفارق أعيننا بسماته وبريق عينيه الذي سريعًا ما يعلن عن إيجاده شيئ ما يستحق البحث..
لتخرج يده السمراء بعد ذلك قابضةً على ألوان مبهجة من الحلوى والشيكولاتة، فما يلبث الأولاد أن يندفعوا حوله يقبضون على يده المتيبسة ليختطفوا منها الحلوى ويهمّوا بالجري مبتعدين، حتى ينادي عليهم مجددًا ليطمئن أنّ كلًا منهم قد أكل نصيبه أمامه.
أذكر أول مرة آخذ فيها نصيبي..
في الحقيقة كنت أخشى أن آخذ الحلوى لا لأن الــ (بؤجة) تبدو متسخة ولا أعلم أين باتت الحلوى التي بها ولكن لأن أمي توعدتني بالعقاب إن أخذت حلوى من أحد الغرباء. ولكن ما شجّعني أنه قال : "خذ حلوى من عمّ يونس حبيبك.. أنا جارك ولست غريبًا" ثم شعرت بالأسى من أجله حينما لمحت عينيه تغيمان بالدموع .. ولم تكفّا حتى فتحت الحلوى وأكلتها أمامه.. فما تذوّقت أعذب منها ولا أحلى منها في حياتي!
ظلت هذه اليد دومًا ممدودة بالحلوى التي لا يعرف أحدٌ منا مصدرها سوى أنّها كانت محطّ سعادتنا وسبب بهجة "عم يونس" الوحيدة.. فلقد كان يعتزل مجالس الكبار تقريبًا ولا يردّ إلا السلام ويكتفي بكلمات مقتضبة يسأل بها عن صحة جيرانه، وبعض قبضات الحلوى التي يحملها للصغار..
سنوات تجتر الأخرى واليد ممدودة حتى عفّت نفوسنا ملذّات الصغار وزهدت في الحلوى... فلم تجد يد عم يونس من يختطف الحلوى منها .. وتشتت بين سفر وزواج، ومن يهدّه العمل فيحلم بمعانقة السرير لا محض حلوى.
امتدت يده لسنوات دون مجيب.. حتى كلّت وكلّ صاحبها عن حمل الــ "بؤجة" حتى شقّت في كتفه تجويفًا افتعله استقرارها عليه لسنوات طوال.. فظل وحيدًا هو و"بؤجته" حتى ما عاد أحدٌ يراه تقريبًا ..
يوم ما عندما عدّت من عملي بعد ورديّة ليل رأيته يمشي على مهلٍ يجرّ قدميه جرًّا وقد زاد تقوّس ظهره حتى كاد صدره يلامس ركبتيه
وعلى ظهره كانت "البؤجة" قد اكتسبت لونًا أسود ورائحة غريبة تفوح منها..
مما دعاني إلى الاقتراب منه أكثر مسرعًا الخطى نحوه لأسلّم عليه.. وأخبره كم اشتقت إلى حلواه اللذيذة، وأسأله لماذا لم يعد ينادي علينا كسابق عهده ليعطينا حلواه.
وما أن لمست بؤجته حتى استدار إلى بوجه عابس قد حفرت فيه التجاعيد سراديب شتّى وعينين انطفأ عنهما النور ثم انصرف عني..
كانت البؤجة تنز خيطًا سائلًا داكنًا وترسم خطًا فوق غبار الأرض
نظرت إلى يدي فكانت مصطبغةً بلون أحمر..
دينا نبيل
لا أحد يعلم من أين أتى ولا من أهله؟
فكل أهل الحي يعلمون أنّ عمّ يونس يقطن وحده في شقة قديمة بالدور الأرضي. هناك من يقول أنّه جاء من الصعيد هربًا من الفقر أو ربّما الثأر، وآخرون يقولون أنّه بورسعيديّ نزح إلى العاصمة بحثًا عن لقمة العيش بعد أن ضاق الحال بأهل بورسعيد من التّجار..
لكن لم يجزم بذلك أحد.
فمنذ أن رأيناه وهو يحمل (بؤجة) كبيرة خارجًا كان أو داخلًا إلى شقته. كانت زيتية اللون أو ربما كانت بلون آخر.. وعلقت بها زيوت أو شحوم من مكان ما، فتلوّنت عبر الزمن واكتسبت لونًا محايد الأطوار لا يقبل التمييز.
أخبرني أبي أنّه منذ أن وطأت قدم عمّ يونس بيتنا وهو يحمل تلك الــ (بؤجة)على ظهره ويقبض عليها بكلتا يديه.. ربما بها ملابسه أو نقوده أو ربما شيء غالٍ يخشى عليه من السّراق.
كم كنت أتحلق في طفولتي أنا وأقراني من صغار الحي حوله في العيد عندما يناديننا بأسمائنا ويدعونا أن نلتفّ حوله، "يا أحمد.. يا حسن .. يا علي.. تعالوا يا أولاد قفوا حولي"
ثم أراه يحتضن تلك الــ (بؤجة) العجيبة إلى صدره ويدخل في عنقها يده الأخرى كأنه يُفتش عن شيء ما.. لا تفارق أعيننا بسماته وبريق عينيه الذي سريعًا ما يعلن عن إيجاده شيئ ما يستحق البحث..
لتخرج يده السمراء بعد ذلك قابضةً على ألوان مبهجة من الحلوى والشيكولاتة، فما يلبث الأولاد أن يندفعوا حوله يقبضون على يده المتيبسة ليختطفوا منها الحلوى ويهمّوا بالجري مبتعدين، حتى ينادي عليهم مجددًا ليطمئن أنّ كلًا منهم قد أكل نصيبه أمامه.
أذكر أول مرة آخذ فيها نصيبي..
في الحقيقة كنت أخشى أن آخذ الحلوى لا لأن الــ (بؤجة) تبدو متسخة ولا أعلم أين باتت الحلوى التي بها ولكن لأن أمي توعدتني بالعقاب إن أخذت حلوى من أحد الغرباء. ولكن ما شجّعني أنه قال : "خذ حلوى من عمّ يونس حبيبك.. أنا جارك ولست غريبًا" ثم شعرت بالأسى من أجله حينما لمحت عينيه تغيمان بالدموع .. ولم تكفّا حتى فتحت الحلوى وأكلتها أمامه.. فما تذوّقت أعذب منها ولا أحلى منها في حياتي!
ظلت هذه اليد دومًا ممدودة بالحلوى التي لا يعرف أحدٌ منا مصدرها سوى أنّها كانت محطّ سعادتنا وسبب بهجة "عم يونس" الوحيدة.. فلقد كان يعتزل مجالس الكبار تقريبًا ولا يردّ إلا السلام ويكتفي بكلمات مقتضبة يسأل بها عن صحة جيرانه، وبعض قبضات الحلوى التي يحملها للصغار..
سنوات تجتر الأخرى واليد ممدودة حتى عفّت نفوسنا ملذّات الصغار وزهدت في الحلوى... فلم تجد يد عم يونس من يختطف الحلوى منها .. وتشتت بين سفر وزواج، ومن يهدّه العمل فيحلم بمعانقة السرير لا محض حلوى.
امتدت يده لسنوات دون مجيب.. حتى كلّت وكلّ صاحبها عن حمل الــ "بؤجة" حتى شقّت في كتفه تجويفًا افتعله استقرارها عليه لسنوات طوال.. فظل وحيدًا هو و"بؤجته" حتى ما عاد أحدٌ يراه تقريبًا ..
يوم ما عندما عدّت من عملي بعد ورديّة ليل رأيته يمشي على مهلٍ يجرّ قدميه جرًّا وقد زاد تقوّس ظهره حتى كاد صدره يلامس ركبتيه
وعلى ظهره كانت "البؤجة" قد اكتسبت لونًا أسود ورائحة غريبة تفوح منها..
مما دعاني إلى الاقتراب منه أكثر مسرعًا الخطى نحوه لأسلّم عليه.. وأخبره كم اشتقت إلى حلواه اللذيذة، وأسأله لماذا لم يعد ينادي علينا كسابق عهده ليعطينا حلواه.
وما أن لمست بؤجته حتى استدار إلى بوجه عابس قد حفرت فيه التجاعيد سراديب شتّى وعينين انطفأ عنهما النور ثم انصرف عني..
كانت البؤجة تنز خيطًا سائلًا داكنًا وترسم خطًا فوق غبار الأرض
نظرت إلى يدي فكانت مصطبغةً بلون أحمر..
دينا نبيل
تعليق