الأنثى والسراب
أن تكتب لأنثى تجتاحك لأول وهلة ، أو تستعيد ذكريات عبرت معها بكل تناقضاتها وحماقاتها ، وأن تفرد كل زاوية من زوايا قلبك لينبض على إيقاع ولهك بها وعشقك لكل ما فيها وما يشكل أنوثتها ، فإن هذا يبقى من نافل القول أو تحصيل حاصل .
لكن أن تخصص عشرات ، بل مئات الصفحات ما بين قصائد وخواطر من أجل أنثى أزلية تنتظر أن تولد من رحم الانتظار اللا منتهي .. انتظار يجعل كل انفعال أو سرحان ذهن أم معاناة بمثابة إرهاص بمخاض قادم .
لهفته في أن تظهر هذه الأنثى أخيرا تعادل خشيته من أن يفقد بهذا الظهور المرتقب لذة الانتظار ويخاف ألا يكون هذا الظهور في مستوى تلك اللهفة .
يتساءل وهو عائد من سهرة اليوم مع ثلة من رفاقه عن كنه هذا الإحساس الذي يعتريه بقرب ظهورها مبتسما للمز الرفاق وسخريتهم المحببة إليه .
كانوا يطلقون علي لقب "سلطان العازبين" وهو يرونه موغلا في الكهولة ، معرضا عن رغبة أمه الصامتة تارة والمنتحبة تارة أخرى في أن يؤسس أسرة وينجب لها أحفادا تتسلى معهم وتربيهم كما ربته هو . كانت تقول له محتجة على استغرابه لإلحاحها :"أنت لا تفهم معنى الكبدة المعاودة" ، فيهدئ من روعها ويجيب :
- لا تقلقي .. سوف يأتي ذلك اليوم حتما .
فترد بنبرة شاكية :
- حتى أكون تحت التراب أليس كذلك ؟ .. اسمع ، لقد تحدثت مع جارتنا ولا أرى غير "هاجر" ابنتها تناسبك .. ماذا قلت ؟
يبتسم ولا يجيب . يعلم تماما أنه لن يثنيها عن عزمها شيء ، وأنها قد تخطب له وتستدعي العدلين لوضعه أمام الأمر الواقع ليقينها بدالتها عليه وعدم قدرته على عصيانها ، ليجد نفسه بين عشية وضحاها متخليا عن صفة "سلطان العازبين" ، ويتلقى تهاني شلته ما بين مازح ومستغرب ويسرح ذهنه بعيدا ..
عدا كل هذا ، لا يشغله عن أنثاه المرتقبة سوى تتبعه بكل ألم ما يحدث في عالمه من قتل وسفك دماء وما يراه من تداعي لصرح الحضارة الإنسانية المنهار أمام غول العولمة .
" اي حضارة هذه التي تبيح قتل رضيع ثم تلتمس العذر لقاتله بحجة الدفاع عن النفس ؟. أي عبث هذا وأي انحطاط وصلت إليه الإنسانية ؟ .. ليبيا ، غزة ، جنوب لبنان ، الشيشان ، أفغانستان ، العراق ، سوريا ، ومن قبل تيمور الشرقية وجنوب السودان .. مالي .. الصومال .. أقدر لهذه الأمة أن تغرق في مستنقع الدم وتمزق أوصالها قربانا لهذه العولمة ؟ "
لكنه ، شأنه شأن الكثيرين ، يهرب .. لكل مهربه وملاذه . هناك من وجد الملاذ في الثمالة ، وآخرون في الإدمان على ما يذهب العقل ولو للحظات . وهناك من أدرك أن الحياة لا تستحق كل هذه المعاناة فأراح نفسه منها . أما هو فأنثاه مفره ومخلصه الآتي . ربما سيكون لها الفضل في ان يهجر أشياء أدمن عليها .
هذه الأنثى تختلف عن كل ما يعرفه عن الإناث . رسمها في مخيلته ، أو على الأصح ، شكلتها كلماته المتأججة جسدا كأبهى ما يكون ، ثم نفثت فيه حروفه روحا لتصير اقرب لحلم أو سراب في غموضها .
عشقه لليل جعله يتنبأ بظهورها عند السحر ، أجمل الأوقات .. فلزم السهر حتى إذا بزغ الفجر ، لملم أدوات الكتابة متنهدا في لذة شبقية ليستسلم أخيرا لنوم قاومه ساعات . لا يكاد يتوقف لارتشاف قهوته حتى يعود للكتابة وللمناجاة وللبوح . وكأنه كان يسابق الزمن كي يهدي أنثاه المنتظرة ما أعده لها من قصائد وخواطر .
أن يهجر أشياء كان يعدها سلبية في حياته ، فهذا ما لا ينساه لأنثاه المنتظرة . لكن فكرة الهجر ظلت تؤرقه كما كانت دائما كابوسا لازمه منذ هجرهم أبوهم إلى أوربا واختفى كل أثر له . ثم هجرة أخيه على قارب الموت ليصل إلى الجزيرة الخضراء جثة ملتحمة بجثث العديد من الأفارقة . ولن ينسى هجران خطيبته التي فضلت عليه موسرا رغم علمها بزيجاته الثلاث .فهل يذوق طعم الهجر من جديد في ما لو ظهرت الأنثى الموعودة ؟
تعود ألا يخطئ حدسه . لكنه في أصيل هذا اليوم أحس أن ذلك ممكن حين وجد نفسه وجها لوجه أمامها. هي بنفسها ، وبلحمها ودمها .هي بعينيها الناطقتين في صمت وبسمة شفتيها التي تشي بكل ما هو جميل حياها دون مقدمات فردت تحيته بأحسن ما يكون . صافحها وهو يردد :"هاجر..عاشت الأسماء".
ثم يتمتم بهمس :" -" لن أخيب رجاءك أماه .. مادامت أنثاي تحمل نفس الاسم"..
تبادلا كلمات كلها مجاملات ، ثم عرض عليها بعض ما كتبه ليعود إلى البيت ثملا من نشوة لم يذقها إلا حين كان يكتب لها .. عبرت له عن شكرها لثقته وإعجابها بعناوين بعض نصوصه ، ثم وعدته بقراءة ما أعطاه إياها من خواطر وقصص .
تتسارع وتيرة لقاءاتهما ، فيجد نفسه مدمنا على الوقوف قبالة المدرسة التي تعمل بها كمعلمة قبل أن يعود إلى مدرسته المجاورة لها .. يزيد في نشوته اقتسامهما لمهنة التدريس . ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد .. فها هو يفوز منها بدعوة لحضور حفل نهاية السنة وينشط إلى جانبها مسابقة ثقافية . فألغى كل مواعيده وأجل كل ارتباطاته التي قد تحول بينه وبين حضور الحفل .
وجد نفسه بجانبها يتذوق طعم إطرائها على كتاباته ورغبتها في قراءة المزيد منها . أحس كأنه يرتشف شهدا قطرة قطرة مع كل كلمة تنبس بها شفتاها حتى نهاية الحفل ليعود وفي جيبه بريدها الالكتروني على موقع التواصل الاجتماعي .
أي أنثى هذه التي انهالت عليه كزخات مطر على أرض مجدبة لتحيلها مروجا خضراء وربى يانعة ؟.. نسي كل شيء . حتى هاجس الهجر لم يعد يراوده . صار ديدنه الجلوس امام شاشة حاسوبه يرقب تواجدها .. يغلق كل أبواب العالم الخارجي لينفتح على عالمها وحدها . يبعث إليها بشتى أنواع الورود فتبدي سعادتها دون تحفظ وتغدق عليها من الثناء ما يجعله يشعر بالخدر يسري في أوصاله .
يستفيق من خدر الفرح والانتشاء ليعيش آلام ما يشاهده من قصف يطال الكل ولا يميز بين رضيع وشيخ ولا بين البشر والحجر . جحيم لا يطاق ولم يسبق له مثيل .. تتنوع التسميات لكن حمم النار هي هي . يحس بوضاعة نفسه المنتشية بالحب بينما آخرون تدك فوق رؤوسهم البيوت تحت أنظار وتواطئ العالم المتحضر . فلا يملك ، كما هو شأن العاجزين من أمثاله إلا توكيل الله والدعاء .
هذه الأنثى أفلحت ولو مؤقتا في تخليصه من شعوره بالآلام لتغرقه ببسمتها في حلم يتمنى ألا يستفيق منه أبدا .. حدثته كيف أن كتاباته رسمت على شفتيها بسمة وأسالت من عينيها دمعا ، فزاد انتشاؤه .
لم يعد يراها أثناء العطلة الصيفية ، لكنه واظب على الحديث المباشر إليها عبر شبكة التواصل محملا إليها تلميحا كل ما كتبه وكل ما حوته كلماته من لواعج قلب أضناه الانتظار .
حدثته عن معاناة لم تفصح عن نوعها . ثم توارت عن موقع التواصل لأيام حسبها دهرا ، مما أحدث في نفسه توجسا من أن يكون قد أفرط في غزله الدفين .. ثم تعود للظهور من جديد وتعتذر له عن ظروف منعتها من التواصل .. هل تمتحن أحاسيسه المتأججة في كل حرف يكتبه لها ؟ هل تعبت وملت من حديثه المتكرر حتى صار رتيبا لديها ؟ هل يكون دسم قصائده وخواطره المتوهجة قد أتخمها ؟.. هي لا تفتأ تعبر له عن غبطتها وسعادتها بما يكتب ، لكنها تتساءل أحيانا : "لماذا أنا ؟"
- ليس بإمكاني الجواب ، فكلماتي اختارتك منذ الأزل وكل المواصفات تنطبق عليك .
- وخطيبتك ؟ ألا تشعر بنوع من الخيانة تجاهها ؟
تصدمه كلماتها ويتمثل له الهجر من جديد كوحش يوشك أم يبتلعه . يخيل إليه ان شعورها بالذنب تجاه الخطيبة ما هو إلا مقدمة لهذا الهجر المخيف .. قالت له يوما :
- أريد أن أعرف محلي من الإعراب ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي .
ثم تختفي من جديد لكنها تكتفي هذه المرة بشكره على باقات الورد المهداة إليها وتثني على بعض قصائده بتحفظ شديد لما حملته من شعور بالإحباط والقنوط .
وتنتهي العطلة .. ويتجدد اللقاء .. لكنه لقاء سيعقبه فراق آلمه كثيرا .. جاءت في صباح يوم مشمس لتدعوه إلى حفل وداع .. لقد انتقلت إلى مؤسسة أخرى قريبة من مقر سكناها
كانت صدمة وتلتها صدمة الاختفاء من جديد .. اختفاء دام طويلا حتى أقبل العيد ليرسل إليها تهنئة فترد ردا جميلا .. يفرح كالأطفال وتتفجر ينابيع قصائده وخواطره من جديد .. تغزو أحلامه كما يقظته وتملأ عليه دنياه بعد أن ساد النفور بينه وبين خطيبته .. كان ذلك متوقعا نظرا لاستيائها الدائم منه وعدم نجاحها في مد جسر اللفة بينهما ، وهي تراه منشغلا تماما عنها بكتاباته التي كانت ترى من ورائها منافسة لن تقوى عليها في تملك قلب هذا الشاعر المجنون على حد تعبيرها .. أمه سلمت بالأمر الواقع ولم تكترث لجفاء جارتها التي صدمت لما آلت إليه الخطبة .. انتهى كل شيء ولم يعد ينتظر سوى أن يتلقى طلبا بفسخ الخطبة . عندئذ سيصير حرا من جديد .. لكنه ظل يطرح السؤال :
- وماذا بعد ؟ ..
تعليق