Paris mon Amour
هنالك فضاءات نعشقها وفضاءات نكرهها وهذا العشق او ذلك الكره لا يتعلقان بالفضاء نفسه ولكن بأهله. أذكر صيف 1999 وذلك اليوم الذي استقليت فيه الميترو بأنفاق باريس، كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء وكانت المقطورة غاصة بالركاب المتجهين إلى مونت لجولي مثلي. عندما نزلت من الميترو أدخلت يدي في جيبي فاكتشفت أنني كنت ضحية نشال سرق مني محفظتي بكل ما فيها من يوروهات . كرهت نفسي ولعنت باريس العظمى وشوارعها ومتاحفها ومآثرها وكرهت أهلها وسكانها كلهم.
الحقيقة باريس لم تفعل شيئا فهي مدينة رائعة من الخبول أن يكرهها إنسان ولكن الحالة النفسية التي كنت عليها في تلك اللحظة مكنت ذاك الإحساس من التسرب عميقا في نفسي.
فضاءات نهربها لأننا لا نطيق بعض أهاليها لأسبابنا الخاصة لدرجة أننا نرفض لقاءهم أو الحديث إليهم لكثرة نميمتهم وألسنة السوء التي تتنزه في دروب وأزقة قلوبهم وأدمغتهم. فعندما يذكرنا أحد بتلك الفضاءات نندم على كوننا فتحنا له مجال الحديث ليرجعنا سنوات إلى الوراء، إلى حقبة محوناها من تاريخ وجودنا، يرجعنا إلى سنوات نسعى جاهدين لنسيانها فيوقظ بحديثه جرحها في نفوسنا. لا شيء يشدنا إلى تلك السنين يا بنيتي، لا شيء فقد كانت أياما قاسية فظة القلب، حاربنا فيها ألسنة زرعت طريقنا ألغاما كادت تودي بحياتنا لولا حكمة ربنا، سنوات عجاف سقانا خلالها بعض أهالي ذاك الفضاء حنظل المكر والخديعة والحسد والحقد الدفين.
منذ أكثر من ثلث قرن تركناها وراء ظهورنا، لم نحتفظ في ذاكرتنا إلا ببعض الوجوه الطيبة التي لم تكن البسمة تفارقها. وجوه قدمت لنا النصح في خفاء، وأمدتنا بيد المساعدة في خفاء، وجوه خففت عنا يتمنا وإحساسنا بالغبن فتمنت لنا الرقي والارتقاء من أعماقها في خفاء، وجوه لا تعرف الحسد ولا الضغينة ولا المكر ولا الخديعة أخرجتنا من الظلمات إلى النور بإذن رب العالمين بهدوء وسرية تامة لم تكن تريد من ذلك إلا إحقاق الحق وإزهاق الباطل. تلك الوجوه تعرفنا وتفهمنا وتقدرنا وتعرف مكانتنا وأخلاقنا وتحترم قراراتنا. لكن هنالك وجوه قلوبها ليل حالك بلا نجوم، تقبع بدواخلها ألسنة سوء طويلة إن علمت عنا خيرا كتمته وإن علمت عنا شرا أذاعته. لمثل تلك الوجوه الضالة تركنا تلك الفضاءات وإن كنا نعشقها مطبقين في ابتعادنا قول الله تعالى " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها".
لسنا أشجارا كي نمكث بنفس الفضاء عمرا كاملا، نفنيه في مقاومة نزوات أناس لاشيء يشغلهم سوى شؤون الغير. غادرت باريس مقررا ألا أرجع إليها أبدا. لم يكن الجرح عميقا جدا ولكنه كان كافيا لأن أقرر عدم الرجوع. لكنني رجعت ثم رجعت ورجعت إليها متأبطا بسمتي العريضة بعد مدة كانت كافية لنسيان الجرح الذي سببه النشال في صدري وعقلي. لكني كنت كلما رجعت أرجع بسيارتي لتفادي استعمال ميترو الأنفاق وتجنب أيدي النشالين.
كانت فرحتي كبيرة عندما تغير وجه الفضاء. عندما طرحت أرضا مساكن بعض الأحياء التي كانت تعشش فيها النميمة والفضول المجاني بامتياز. أزقة كانت النساء تملؤها جالسات على عتبات أبواب منازلهن للحديث في أمور الناس والجيران ونشر أخبار العباد بين العباد باستمرار وإصرار. أذكر أنني يوما بقيت في المقبرة حتى نزل الليل ودخلت النساء إلى منازلهن كي أمر بالدرب الذي يؤدي إلى البيت الذي اكتريته تفاديا لسهوم ألسنتهن القاتلة. تلك البيوت تحطمت اليوم ونبتت مكانها عمارات شاهقة البناء تغيربها وجه الفضاء وتغيرت معه رؤية العالم، ولكن بعض العقليات هي هي لم تتغير مازالت قلوبها تحمل نفس الحقد ونفس البغضاء ونفس الانشغال بأخبار العباد والاشتغال على نشرها بين العباد لربح مزيد من الحسنات.
لا جديد! يا بنيتي، عقليات ظلت كما كانت منذ عصور تردد نفس الحكايات. عقليات اسطوانية تستهويها أخبار الناس. لا تعيش إلا لتأكل لحوم إخوانها ليل نهار. في مثل تلك الفضاءات وحدها ينسيك قبيح أهلها طيبهم. فتعانق قول الحكيم: دع عنك الجمل وما حمل.
تغيرت باريس كثيرا، ولكنها لم تتغير، يكفيك أن تتجول بأحد شوارعها لتكتشف أن صاحب المكتبة الذي اقتنيت من عنده كتابا الصيف الماضي هو نفسه يبادلك نفس التحية التي بادلك إياها الصيف الماضي، فتحس أنك لم تغادر باريس منذ العام الماضي. نفس الأكشاك على ضفة نهر السين العظيم. ولكن الجميل في الأمر تلك الملامح المختلفة التي تلتقيها وأنت تتجول بلشان زيليزي فتشعرك أنك صرت غريبا، مجهولا، نكرة، لا أحد يعرفك حتى تفاجأ بصوت يناديك أهلا سي المعطي عندها تحس أنك أخطأت التقدير. بمجرد ما تنتهي من أداء طقوس التحية مع صاحب ذلك الصوت، تراه ينظر إليك بعين المستغرب ليسألك كيف وصلت باريس سائحا وقد كنت بالأمس تجمع طماطم وخضروات ذابلة بالسوق الأسبوعي من كثرة الفقر الذي كنت تسبح فيه. عندها تتأكد أن العقليات الأسطوانية لا تتغير مهما تغير وجه الفضاء ومعماره.
المصطفى العمري
المملكة المغربية
هنالك فضاءات نعشقها وفضاءات نكرهها وهذا العشق او ذلك الكره لا يتعلقان بالفضاء نفسه ولكن بأهله. أذكر صيف 1999 وذلك اليوم الذي استقليت فيه الميترو بأنفاق باريس، كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء وكانت المقطورة غاصة بالركاب المتجهين إلى مونت لجولي مثلي. عندما نزلت من الميترو أدخلت يدي في جيبي فاكتشفت أنني كنت ضحية نشال سرق مني محفظتي بكل ما فيها من يوروهات . كرهت نفسي ولعنت باريس العظمى وشوارعها ومتاحفها ومآثرها وكرهت أهلها وسكانها كلهم.
الحقيقة باريس لم تفعل شيئا فهي مدينة رائعة من الخبول أن يكرهها إنسان ولكن الحالة النفسية التي كنت عليها في تلك اللحظة مكنت ذاك الإحساس من التسرب عميقا في نفسي.
فضاءات نهربها لأننا لا نطيق بعض أهاليها لأسبابنا الخاصة لدرجة أننا نرفض لقاءهم أو الحديث إليهم لكثرة نميمتهم وألسنة السوء التي تتنزه في دروب وأزقة قلوبهم وأدمغتهم. فعندما يذكرنا أحد بتلك الفضاءات نندم على كوننا فتحنا له مجال الحديث ليرجعنا سنوات إلى الوراء، إلى حقبة محوناها من تاريخ وجودنا، يرجعنا إلى سنوات نسعى جاهدين لنسيانها فيوقظ بحديثه جرحها في نفوسنا. لا شيء يشدنا إلى تلك السنين يا بنيتي، لا شيء فقد كانت أياما قاسية فظة القلب، حاربنا فيها ألسنة زرعت طريقنا ألغاما كادت تودي بحياتنا لولا حكمة ربنا، سنوات عجاف سقانا خلالها بعض أهالي ذاك الفضاء حنظل المكر والخديعة والحسد والحقد الدفين.
منذ أكثر من ثلث قرن تركناها وراء ظهورنا، لم نحتفظ في ذاكرتنا إلا ببعض الوجوه الطيبة التي لم تكن البسمة تفارقها. وجوه قدمت لنا النصح في خفاء، وأمدتنا بيد المساعدة في خفاء، وجوه خففت عنا يتمنا وإحساسنا بالغبن فتمنت لنا الرقي والارتقاء من أعماقها في خفاء، وجوه لا تعرف الحسد ولا الضغينة ولا المكر ولا الخديعة أخرجتنا من الظلمات إلى النور بإذن رب العالمين بهدوء وسرية تامة لم تكن تريد من ذلك إلا إحقاق الحق وإزهاق الباطل. تلك الوجوه تعرفنا وتفهمنا وتقدرنا وتعرف مكانتنا وأخلاقنا وتحترم قراراتنا. لكن هنالك وجوه قلوبها ليل حالك بلا نجوم، تقبع بدواخلها ألسنة سوء طويلة إن علمت عنا خيرا كتمته وإن علمت عنا شرا أذاعته. لمثل تلك الوجوه الضالة تركنا تلك الفضاءات وإن كنا نعشقها مطبقين في ابتعادنا قول الله تعالى " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها".
لسنا أشجارا كي نمكث بنفس الفضاء عمرا كاملا، نفنيه في مقاومة نزوات أناس لاشيء يشغلهم سوى شؤون الغير. غادرت باريس مقررا ألا أرجع إليها أبدا. لم يكن الجرح عميقا جدا ولكنه كان كافيا لأن أقرر عدم الرجوع. لكنني رجعت ثم رجعت ورجعت إليها متأبطا بسمتي العريضة بعد مدة كانت كافية لنسيان الجرح الذي سببه النشال في صدري وعقلي. لكني كنت كلما رجعت أرجع بسيارتي لتفادي استعمال ميترو الأنفاق وتجنب أيدي النشالين.
كانت فرحتي كبيرة عندما تغير وجه الفضاء. عندما طرحت أرضا مساكن بعض الأحياء التي كانت تعشش فيها النميمة والفضول المجاني بامتياز. أزقة كانت النساء تملؤها جالسات على عتبات أبواب منازلهن للحديث في أمور الناس والجيران ونشر أخبار العباد بين العباد باستمرار وإصرار. أذكر أنني يوما بقيت في المقبرة حتى نزل الليل ودخلت النساء إلى منازلهن كي أمر بالدرب الذي يؤدي إلى البيت الذي اكتريته تفاديا لسهوم ألسنتهن القاتلة. تلك البيوت تحطمت اليوم ونبتت مكانها عمارات شاهقة البناء تغيربها وجه الفضاء وتغيرت معه رؤية العالم، ولكن بعض العقليات هي هي لم تتغير مازالت قلوبها تحمل نفس الحقد ونفس البغضاء ونفس الانشغال بأخبار العباد والاشتغال على نشرها بين العباد لربح مزيد من الحسنات.
لا جديد! يا بنيتي، عقليات ظلت كما كانت منذ عصور تردد نفس الحكايات. عقليات اسطوانية تستهويها أخبار الناس. لا تعيش إلا لتأكل لحوم إخوانها ليل نهار. في مثل تلك الفضاءات وحدها ينسيك قبيح أهلها طيبهم. فتعانق قول الحكيم: دع عنك الجمل وما حمل.
تغيرت باريس كثيرا، ولكنها لم تتغير، يكفيك أن تتجول بأحد شوارعها لتكتشف أن صاحب المكتبة الذي اقتنيت من عنده كتابا الصيف الماضي هو نفسه يبادلك نفس التحية التي بادلك إياها الصيف الماضي، فتحس أنك لم تغادر باريس منذ العام الماضي. نفس الأكشاك على ضفة نهر السين العظيم. ولكن الجميل في الأمر تلك الملامح المختلفة التي تلتقيها وأنت تتجول بلشان زيليزي فتشعرك أنك صرت غريبا، مجهولا، نكرة، لا أحد يعرفك حتى تفاجأ بصوت يناديك أهلا سي المعطي عندها تحس أنك أخطأت التقدير. بمجرد ما تنتهي من أداء طقوس التحية مع صاحب ذلك الصوت، تراه ينظر إليك بعين المستغرب ليسألك كيف وصلت باريس سائحا وقد كنت بالأمس تجمع طماطم وخضروات ذابلة بالسوق الأسبوعي من كثرة الفقر الذي كنت تسبح فيه. عندها تتأكد أن العقليات الأسطوانية لا تتغير مهما تغير وجه الفضاء ومعماره.
المصطفى العمري
المملكة المغربية
تعليق