بداية الرحلة ( المقطع الأول)
في أوائل العقد الثامن من القرن العشرين ، كنت في السنة العاشرة من العمر، وقد تزامن ذلك مع مرحلتي الابتدائية ، وبالضبط في الصف الرابع ابتدائي ، وكنت محظوظا إذ أن أسرتي لم تكمل بناء السكن الجديد المجاور للمدرسة إلا شهورا قبل تسجيلي في السنة الأولى من التعليم الابتدائي، وكما باقي الأطفال الذين يمضون طفولتهم في القرى والمدن والأحياء، لازلت أتذكر نزرا قليلا من الذكريات النادرة من الطفولة البريئة، ومما علق في ذهني وأنا طفل صغير أتذكر أن عجوزا كبيرا كان يتردد على حينا بين الفينة والأخرى، تارة تجده أمام المدرسة، وتارة أخرى أمام المسجد، وأحيانا يطوف حول المنازل يجمع ماتيسر من الأرزاق، مما يجود به عليه أهل القرية، حتى أصبح وجهه مألوفا عند الجميع صغارا وكبار، وقد عرفت فيما بعد أن الرجل غريب عن البلدة، ويسكن في الغابة واتخذها مأوى له ولعائلته، حتى لقب بكفيل الغابة، لأنها مصدر عيشه، فهي مسرح لقطعان غنمه، وهي حديقته الغناء للراحة والاستجمام ، حيث يهنأ بالطمأنينة والسكينة بعيدا عن صخب المدن والقرى، فيستمتع بهوائها الدافئ النقي، وينصت إلى أنواع تغاريد الطيور وهي تحلق هنا وترسو هنالك، أثار هذا الأمر انتباهي والفضول داخل نفسي لأتعرف أكثر على حياة هذا الرجل ، وما إن قررت الخوض في هذا البحر للبحث عن مكونات أعماقه، حتى بدأت سفينة عقلي تغرق بين هذه الأسئلة التي تجذبها من هنا وهناك، ظلت تمطر ذاكرتي كوابل من السماء مما أصاب مخيلتي بالدهشة والحيرة، بسبب السرعة المفاجئة التي تسربت بها مياه هذه الأسئلة المقلقة إلى كياني، فكان لها وقع آخر على ذاتي، ربما هو صراع داخلي بيني وبين ماهو آت، ولكن مع مرور الأيام والليالي بدأت أستأنس بهذه الأجواء الجديدة وأتعايش معها، فأصبح هذا الجدل جزءا من حياتي ....بدأت أسترق النظرات لمراقبة تحركات العجوز، لعلي أجد مفاتيح للأسئلة المغلقة التي تراودني منذ الوهلة التي أبصرت فيها هذا الرجل، لكنه يغيب عن الأنظار في لحظة غير متوقعة، وكأنه يشعر بمراقبة سرية لشخص ما، استمر الحال على ماهو عليه شهورا دون أن أتمكن من الوصول إلى أي جديد يذكر.مع ذلك لم أفقد الأمل لحظة واحدة ولم أشعر باليأس والإحباط ، فقد كنت أستولد قوة داخلية رهيبة تتدفق من أعماق قلبي ، تحفزني وتجدد لدي العزم والرغبة لاكتشاف هوية الشيخ الهرم وبالأحرى حياته ومحيطه وعزمه وإصراره ودقائق وتفاصيل حياته.
وعلى الرغم من اضطراب هذا البحر الهائج، عزمت على مواصلة ركوب أمواجه لخوض غمار هذا التحدي ، لأن الحياة تجارب ومن التجارب نكتسب أفضل التجارب ونتعلم دروسا في الحياة، ففضلت أن أكشف حل هذا اللغز دون مساعدة أي أحد، وأن أخوض أغوار هذا التحدي إلى النهاية.
في أوائل العقد الثامن من القرن العشرين ، كنت في السنة العاشرة من العمر، وقد تزامن ذلك مع مرحلتي الابتدائية ، وبالضبط في الصف الرابع ابتدائي ، وكنت محظوظا إذ أن أسرتي لم تكمل بناء السكن الجديد المجاور للمدرسة إلا شهورا قبل تسجيلي في السنة الأولى من التعليم الابتدائي، وكما باقي الأطفال الذين يمضون طفولتهم في القرى والمدن والأحياء، لازلت أتذكر نزرا قليلا من الذكريات النادرة من الطفولة البريئة، ومما علق في ذهني وأنا طفل صغير أتذكر أن عجوزا كبيرا كان يتردد على حينا بين الفينة والأخرى، تارة تجده أمام المدرسة، وتارة أخرى أمام المسجد، وأحيانا يطوف حول المنازل يجمع ماتيسر من الأرزاق، مما يجود به عليه أهل القرية، حتى أصبح وجهه مألوفا عند الجميع صغارا وكبار، وقد عرفت فيما بعد أن الرجل غريب عن البلدة، ويسكن في الغابة واتخذها مأوى له ولعائلته، حتى لقب بكفيل الغابة، لأنها مصدر عيشه، فهي مسرح لقطعان غنمه، وهي حديقته الغناء للراحة والاستجمام ، حيث يهنأ بالطمأنينة والسكينة بعيدا عن صخب المدن والقرى، فيستمتع بهوائها الدافئ النقي، وينصت إلى أنواع تغاريد الطيور وهي تحلق هنا وترسو هنالك، أثار هذا الأمر انتباهي والفضول داخل نفسي لأتعرف أكثر على حياة هذا الرجل ، وما إن قررت الخوض في هذا البحر للبحث عن مكونات أعماقه، حتى بدأت سفينة عقلي تغرق بين هذه الأسئلة التي تجذبها من هنا وهناك، ظلت تمطر ذاكرتي كوابل من السماء مما أصاب مخيلتي بالدهشة والحيرة، بسبب السرعة المفاجئة التي تسربت بها مياه هذه الأسئلة المقلقة إلى كياني، فكان لها وقع آخر على ذاتي، ربما هو صراع داخلي بيني وبين ماهو آت، ولكن مع مرور الأيام والليالي بدأت أستأنس بهذه الأجواء الجديدة وأتعايش معها، فأصبح هذا الجدل جزءا من حياتي ....بدأت أسترق النظرات لمراقبة تحركات العجوز، لعلي أجد مفاتيح للأسئلة المغلقة التي تراودني منذ الوهلة التي أبصرت فيها هذا الرجل، لكنه يغيب عن الأنظار في لحظة غير متوقعة، وكأنه يشعر بمراقبة سرية لشخص ما، استمر الحال على ماهو عليه شهورا دون أن أتمكن من الوصول إلى أي جديد يذكر.مع ذلك لم أفقد الأمل لحظة واحدة ولم أشعر باليأس والإحباط ، فقد كنت أستولد قوة داخلية رهيبة تتدفق من أعماق قلبي ، تحفزني وتجدد لدي العزم والرغبة لاكتشاف هوية الشيخ الهرم وبالأحرى حياته ومحيطه وعزمه وإصراره ودقائق وتفاصيل حياته.
وعلى الرغم من اضطراب هذا البحر الهائج، عزمت على مواصلة ركوب أمواجه لخوض غمار هذا التحدي ، لأن الحياة تجارب ومن التجارب نكتسب أفضل التجارب ونتعلم دروسا في الحياة، ففضلت أن أكشف حل هذا اللغز دون مساعدة أي أحد، وأن أخوض أغوار هذا التحدي إلى النهاية.
تعليق