غداً سأعود
غداً سيكون الخميس وسف أعود إلى أسرتي لأقضي ليلة الخميس صباح الجمعة معهم ،
وأعود أدراجي مرة أخرى إلى عملي فقد تعودت على ذلك منذ أن التحقت بهذه الشركة
التي تبعد عن مكان إقامتي مئة وثلاثون كيلو متر تقريبا ومحافظة غير محافظتي نذهب ونعود كل عصر يوم خميس نستبدل ملابسنا ونرى الأهل وننعم ببعض الراحة بعيداً عن أصوات التروس ...لقد وافق اليوم الأربعاء نهاية الشهر وقد جاء الصراف إلينا ليصرف للعاملين مرتباتهم ،،لقد كان مرتب هذا الشهر مميزا عن غيره بالنسبة لي فقد جاءتني مكافأة أضيفت على مرتبي بمقدار خمسة عشرة جنيهاً فأصبح مجموع مرتبي بالمكافأة خمسون جنيها ، كان هذا المبلغ في ذلك الوقت كفيل بأن أشتري بعض ما طلبته مني أمي قبل أن أتركها وأعود لعملي يوم الجمعة الماضية ، فما أن قضبت مرتبي وانصرفت عن عملي حتى رحت أجول بين محلات (المني فاتورة ) واشتريت قطعة قماش لأمي وكذلك فستان لأبنتي الصغيرة ونمت تلك الليلة وأنا أحلم بعودتي غداً حاملاً كساء لأمي وابنتي وجاء الخميس وأحسست أن الدقائق تمر فيه ثقيلة كالجبال وأنا متلهف بعودتي وسفري ورؤيتي لأمي وبنتي ، ولحسن الحظ أنني أخذت حقيبتي معي إلى عملي فلما انتهى العمل ذهبت مباشرة إلى محطة القطار لأركب قطار الرابعة والنصف عصرا المتجه إلى القاهرة ، لقد جاء القطار متأخراً عن موعده ثلاثة ساعات ونصف الساعة ونحن ننتظره وذلك لعطل بخطوط السكك الحديدية أدى إلى التأخير كل هذه المدة ، لقد جاء القطار ويا ليته لم يحضر فقد أتى القطار مزدحماً بصورة فظيعة والناس فوق بعض بعضها البعض ، كان الوضع بالنسبة لا يقبل التراجع وكما يقولون في المثل ( المطر يركب الصعب ) ، ركبت وحاولت أن أجد مكاناً لقدمي كي أقف والباعة الجائلون لا يتوقفون عن الصياح ولا شيء يمنعهم من الحركة وكل واحد يصرخ بأعلى صوته في أذنك هذا يصيح ليبيع الماء وهذا يصيح ليبيع السجائر وأخر يبيع المناديل فالقطار سوق رائجة لكل البائع التي تدخله وستجد من يشتريها ،فهذا بالنسبة لي لا يهم المهم أن يصل القطار ولكن سرعان ما توقف القطار وتعطل مرة أخرى الجرار الذي يشد عرباته ويجرها وطال الوقوف والانتظار حتى تم استبدال الجرار بأخر ، وتحرك القطار وبدلاً من الوصول في ساعتين لتلك المسافة استغرق القطار المسافة في خمسة ساعات كاملة ، وقد كادت تزهق أرواح من شدة الحر وندرة الأكسجين بالقطار والناس المكدسة فوق بعضها . أخير وصل القطار إلى محطتي وهبطت على الرصيف وأنا ألقن نفسي الشهادة بعد أن شممت رائحة الهواء الطلق الآتي من الزراعات التي تحيط بالمحطة من ثلاثة جوانب ، نظرت إلى الرصيف بعد تحرك القطار فلم أجد فوقه غيري يكاد يخلو تماماُ من المسافرين العائدين أو المغادرين ، أطلقت قدمي لألتحق بالطريق المؤدي لبلدتي حيث تبعد قريتي عن المحطة بمقدار خمسة كيلو متر تقريبا وهو طريق زراعي يتوسط المزارع والحقول من الذرة والقصب وغيرهما كما أنه غير مرصوف وتندر عليه المواصلات ويخلو من المرور تماًما في أغلب أوقات النهار وينقطع الأنس فيه ويدخله الرعب بعد غروب الشمس مباشرة ، فيرتديه بعض قطاع الطرق وتظهر فيه بعض الوحوش كالذئاب الجائعة التي كثيراً ما يسمع عوائها حين تمر فوق الطريق ناهيك عن عما يثار من أقاويل وقصص عن الأشباح والعفاريت التي تسكن بعض جوانبه في أماكن معينة لكن كما يقول المثل ( ما باليد حيلة ) أو (مجبر أخاك لا بطل ) والساعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل وقد قطعت ثلث الطريق وكان القمر في السماء يلقي بضوءه على الأرض بالرغم من بعض السحاب الذي يمر فيحجبه عن الأرض من حين لأخر .....
كل ما ذكرت كان يدور بخاطري ورحت أجلد عزيمتي وأجسر قلبي وأمضي في طريق حتى تراءى أمامي شبح على الطريق أشبه برجل أكاد أعرفه جيداً ولا يخفى علىّ فهو من أهل قريتي أصحاب الكيف ودائما ما يخرج يسعى لجلب المخدر كالأفيون والحشيش ويعود متأخرا وهو رجل قصير القامة تعلو رأسه عمامة ضخمة لا يترك العصا من يده دائما ما تكون مشيته هوينه غير سريعة ، كانت المسافة بيني وبينه لا تزيد عن مأتيين متر ، لقد أخلت رؤيتي لهذا الرجل على الطريق بعض الاطمئنان إلى قلبي وهدأت جوارحي بعض الشيء فأسرعت الخطى كي ألحق به ورحت أظهر نفسي له كي يلتفت إلىّ فعمدت إلى السعال ( الكحة ) وأنا أنتظر منه أن يشعر بي ويدير رأسه ناحيتي للخلف لكنه لم يفعل وأنا أسرع الخطى دون جدوى وكأنه الأرض ثبتت تحت أقدامي وأصبحت لا تنطوي ..كنت قد قطعت ثلاثة أرباع الطريق على هذه الحالة وأنا لم استطع اللحاق به ، فداهمني احساس وأنا أسأل نفسي كيف لا أستطيع اللحاق به وأنا أسرع منه في الخطى وهو لم يغير خطوته ؟ فهدأت من خطوتي وسرت قشعريرة بجسدي وانتصب شعر رأسي ونظرت إليه وهو أمامي فلم أجده وكأن الأرض انشقت وابتلعته من فورها ، لكن ذلك لم يؤثر في وظننت أنه انحدر عن الطريق للتغوط أو التبول كما يفعل الكثير من الناس حتي وصلت إلى موضع اختفاءه ونظرت على جانبي الطريق فلم أره ولم أجد له أثراً ، قلت في نفسي لم يتبق غير حقل القصب الذي أصبح بيني وبينه عدة خطوات فما أن وصلت وسرت بمحاذاته حتى سكنت أصوات قوقعة الضفادع ونظرت فإذا أنا بمخلوق بصورة بشر يقف في نهاية حقل القصب يبلغ طوله ارتفاع نخلة عتيقة عاري الجسد يفرد زراعية فوق أطراف القصب ملك الحقل ووضعه بين ذراعيه وإذا به ينحني ليحصد حقل القصب بأكمله في لحظة مثل لمحة البرق حتى يقف أمامي بهيئته ،، لأغيب عن الوجود لا أدري شيئاً عن نفسي والدنيا وقد أفقت وأمي تضع رأٍسي على فخذها والناس تحيط بي فوق فراشي وهي تبكي وشيخ يقرأ ويرتل الموعوذتين ليرقيني ....
بقلم : سيد يوسف مرسي