العصفور والشيخ
كالعادة كل صباح . مع أول شعاع للشمس , مشى عصفوري على مهل أمام عشه القابع داخل فتحة مهترئة
من منزل آيل للسقوط . نفض ريشه وعيناه تنظران إلى بعيد . تنظران في لهفة .
لاحت لعينيه أغصان شجرة التفاح الهرمة . تسائل في فزع :
ــ هل تقوى هذه الأغصان الهشَّة على حمل الثمر؟ وهل هي تثمر بعدما شاخت وولَّت جاذبية أزهارها ؟
ها هو عصفوري يرنو بأفكاره ِ نحو هجر عشه القديم الذي أتَتْ عليه عوامل الطبيعة التي لا ترحم حيوانا أو
نباتا أوحتى مكان . بدأ يُغرد حزينا بعدما ساقته أفكاره لتغيير نمط حياته حين أصبح وحيداً .
فرحيل عصفورته وشريكة عُمْره , وإنشغال كتاكيته الصغار بعششهم وبأمور حياتهم , ولإنحسار جلسات
السَمَرْ مع نُدَمائه الى أدنى مستوى عَصَفَتْ بالتناغم الذي كان ينعم به وكَدَّرَتْ صَفْوَهُ . حتى أصبح هاجسه
الوحيد مسكوناً بالطريقة التي سَيُمضي بها الباقي من العمر .
بدأ يبحث في مواقع ليست نائية . فبعدما عَبَرَ هذا الكَمْ من السنين , أصبح غير قادر على الطيران لمسافات
بعيدة كأيامه الخوالي عندما كان يافعا يُحلق كالنسور بلا كلل وبلا ملل . يخشى عصفوري العزلة كخشية
السجين للحبس الإنفرادي ويرغب أيضا بموقع قريب من أبنائه العصافير حتى لا يثقل عليهم فيتجشمون
الصعاب كلما سنحت الفرصة وسمحت لهم الظروف لزيارته . ولهاجس يتوَضَّعُ في الجينات الملتصقة
بكروموزوماته , يخشى عصفوري أن يقع أسيرا في مصيدة أحد محترفي الصيد , أو أن تتعَثَّر قدماه الصغيرتان
وتنشبك في فخ هاوٍ غَضّ . لذلك , ترى روحه تهفو للأماكن المأهولة والمُتحضِّرة , والتي إكْتوَتْ بنارالقتل
والتقتيل , فهم الوحيدون اللذين يُقدِّرون قيمة الحياة , وهم وحدهم اللذين يجاهرون بكرامة ونعمة العيش .
أخذ يحومُ في الفضاء الرحب , باحثاً عن موقعٍ مناسبٍ لبناء عشه الجديد . طار فوق ِقلاع مهجورة , وفوق
هضاب تكسوها الخضرة وفوق وديان تغمرها المياه . عَصَفتْ به الحيرة , فلكل موقع , جانباً تهفو إليه القلوب ,
وجانباً آخرتأنفه الأكباد والعقول . إن حَطَّ بمكانٍ , والجيرة كانت عقبانا وبوم ؟ فوداعاً للنوم قرير العيون .
قاده جناحاه وذيله نحو منازل يسكن بها بشر . تريَّثَ قبل أن يهبط فوق سطح أحدها , وكاد أن يبتعد طائرا
من حيث أتى . غرَّدَ في سرّه قائلا :
ــ إن عهد الطرائد والصيد قد ولّى , وها هم أطفالهم يلهون بالتلفاز وبالأنترنت وبهواتفهم المتنقلة , والقادم
أعظم . فلا وقت لديهم , ولا إهتمام لملاحقة عصفور مثلي كان له في الماضي شأن . ولربما من فتات
موائدهم ومن ثمار ما يزرعون في حدائق منازلهم , أُرزَقْ؟
وقع إختياره على مزراب قديم , غير مستعمل . بنى عشه في إحدى فتحاته الصدِئة . وقف بباب العش يُغرِّد
ويستكشف الجوار , قاده نظره نحو رجل طاعن في السن في الغرفة المطلة على عشه مباشرة .
أدرك العصفور , وبحكم الخبرة ما يعانيه هذا الشيخ العجوز . فغرَّدَ هامساً :
ــ ان حاله مثل حالي . فترفَّقي به يا أيام .
بدأت الصداقة غير المُعلنة بين عصفوري والعجوز تنمو وتتشكَّل مع الأيام لِتأخذ منحىً حميمياً من طرف
العصفور ,ومن طرف العجوز ايضاً . فها هما يتبادلان تحية الصباح , وتحية قبل النوم , ويتقاسمان لقمة
العيش والملح , ويَهيمان مع ذِكرى الأيام العبقة بعطر الورود , ويستذكران الّلَيالي المُثقلة بالغيوم .
في يوم من الأيام , جاء لزيارة العجوز أبنائه وزوجاتهم . وقف العصفور بباب عشه يرنو بنظره نحوهم ,
ومن شدة تأثره , طاف الدمع في عينيه وأبى ان ينزلق خارجاً , فمسح عينيه بجناحيه قبل أن يرمقه العجوز
ويسأله عن سبب هذه الدموع .
كان الوقت فجرا حين استيقظ العصفور على صوت العجوز وهو يَهِمُّ بفتح نافذة غرفته مع أول دفوق لشعاع
شمس الصبح . كان كالغريق الذي يروم الهواء . سقطت من يده الى الأرض خارج النافذة حبة الدواء التي
اعتاد ان يضعها تحت لسانه كلما انتابته الأزمة. وكالسهم ......
انطلق عصفوري نحو الحبة , التقطها بمنقاره وعاد لصاحبه . وجده مُمَدَّداً قرب النافذة فاقد الوعي .
حاول إدخال الحبة داخل فمه , لم يفلح , حاول محاولة أخرى , وفشل . فجلس فوق صدره يَئِنُّ , ويُنصتُ
لدقات قلب خليله وهي تخبو وتبتعد إلى مجهولٍ , لم يعد مجهولاً لصاحبه . تواصل أنينه . فبدا كمن يستقبل
سقوط الرذاذ في يوم شديد البرودة . أما صاحبه الراقد . ها هو يحتضر في رعايته . لم يفتح عيناً . تَبَدَّى
مُتَخَلِّيَاً عن كل شيء . ندت عنه ارتعاشة مبهمة . استقبلها عصفوري برعشة مُمَاثلة ، وكأن روح صديقه
العجوز قد عبرت جسده الصغير واستقرت . فصرخ مُغَرِّداً في حزنٍ وألَم . ثُمَّ غادر مُحَلِّقاً يَجُولُ البيوت بيتا
بيتا . والاشجار غصنا غصنا . وارتفع عاليا الى دنيا النجوم , آملا أن باب السماء سَيُفتح ذات يوم .
وتُرَد الأمانات لأصحابها .
ملاحظة :
هذه القصة من النصوص القديمة لي
وأجريت عليها بعض التعديلات
كالعادة كل صباح . مع أول شعاع للشمس , مشى عصفوري على مهل أمام عشه القابع داخل فتحة مهترئة
من منزل آيل للسقوط . نفض ريشه وعيناه تنظران إلى بعيد . تنظران في لهفة .
لاحت لعينيه أغصان شجرة التفاح الهرمة . تسائل في فزع :
ــ هل تقوى هذه الأغصان الهشَّة على حمل الثمر؟ وهل هي تثمر بعدما شاخت وولَّت جاذبية أزهارها ؟
ها هو عصفوري يرنو بأفكاره ِ نحو هجر عشه القديم الذي أتَتْ عليه عوامل الطبيعة التي لا ترحم حيوانا أو
نباتا أوحتى مكان . بدأ يُغرد حزينا بعدما ساقته أفكاره لتغيير نمط حياته حين أصبح وحيداً .
فرحيل عصفورته وشريكة عُمْره , وإنشغال كتاكيته الصغار بعششهم وبأمور حياتهم , ولإنحسار جلسات
السَمَرْ مع نُدَمائه الى أدنى مستوى عَصَفَتْ بالتناغم الذي كان ينعم به وكَدَّرَتْ صَفْوَهُ . حتى أصبح هاجسه
الوحيد مسكوناً بالطريقة التي سَيُمضي بها الباقي من العمر .
بدأ يبحث في مواقع ليست نائية . فبعدما عَبَرَ هذا الكَمْ من السنين , أصبح غير قادر على الطيران لمسافات
بعيدة كأيامه الخوالي عندما كان يافعا يُحلق كالنسور بلا كلل وبلا ملل . يخشى عصفوري العزلة كخشية
السجين للحبس الإنفرادي ويرغب أيضا بموقع قريب من أبنائه العصافير حتى لا يثقل عليهم فيتجشمون
الصعاب كلما سنحت الفرصة وسمحت لهم الظروف لزيارته . ولهاجس يتوَضَّعُ في الجينات الملتصقة
بكروموزوماته , يخشى عصفوري أن يقع أسيرا في مصيدة أحد محترفي الصيد , أو أن تتعَثَّر قدماه الصغيرتان
وتنشبك في فخ هاوٍ غَضّ . لذلك , ترى روحه تهفو للأماكن المأهولة والمُتحضِّرة , والتي إكْتوَتْ بنارالقتل
والتقتيل , فهم الوحيدون اللذين يُقدِّرون قيمة الحياة , وهم وحدهم اللذين يجاهرون بكرامة ونعمة العيش .
أخذ يحومُ في الفضاء الرحب , باحثاً عن موقعٍ مناسبٍ لبناء عشه الجديد . طار فوق ِقلاع مهجورة , وفوق
هضاب تكسوها الخضرة وفوق وديان تغمرها المياه . عَصَفتْ به الحيرة , فلكل موقع , جانباً تهفو إليه القلوب ,
وجانباً آخرتأنفه الأكباد والعقول . إن حَطَّ بمكانٍ , والجيرة كانت عقبانا وبوم ؟ فوداعاً للنوم قرير العيون .
قاده جناحاه وذيله نحو منازل يسكن بها بشر . تريَّثَ قبل أن يهبط فوق سطح أحدها , وكاد أن يبتعد طائرا
من حيث أتى . غرَّدَ في سرّه قائلا :
ــ إن عهد الطرائد والصيد قد ولّى , وها هم أطفالهم يلهون بالتلفاز وبالأنترنت وبهواتفهم المتنقلة , والقادم
أعظم . فلا وقت لديهم , ولا إهتمام لملاحقة عصفور مثلي كان له في الماضي شأن . ولربما من فتات
موائدهم ومن ثمار ما يزرعون في حدائق منازلهم , أُرزَقْ؟
وقع إختياره على مزراب قديم , غير مستعمل . بنى عشه في إحدى فتحاته الصدِئة . وقف بباب العش يُغرِّد
ويستكشف الجوار , قاده نظره نحو رجل طاعن في السن في الغرفة المطلة على عشه مباشرة .
أدرك العصفور , وبحكم الخبرة ما يعانيه هذا الشيخ العجوز . فغرَّدَ هامساً :
ــ ان حاله مثل حالي . فترفَّقي به يا أيام .
بدأت الصداقة غير المُعلنة بين عصفوري والعجوز تنمو وتتشكَّل مع الأيام لِتأخذ منحىً حميمياً من طرف
العصفور ,ومن طرف العجوز ايضاً . فها هما يتبادلان تحية الصباح , وتحية قبل النوم , ويتقاسمان لقمة
العيش والملح , ويَهيمان مع ذِكرى الأيام العبقة بعطر الورود , ويستذكران الّلَيالي المُثقلة بالغيوم .
في يوم من الأيام , جاء لزيارة العجوز أبنائه وزوجاتهم . وقف العصفور بباب عشه يرنو بنظره نحوهم ,
ومن شدة تأثره , طاف الدمع في عينيه وأبى ان ينزلق خارجاً , فمسح عينيه بجناحيه قبل أن يرمقه العجوز
ويسأله عن سبب هذه الدموع .
كان الوقت فجرا حين استيقظ العصفور على صوت العجوز وهو يَهِمُّ بفتح نافذة غرفته مع أول دفوق لشعاع
شمس الصبح . كان كالغريق الذي يروم الهواء . سقطت من يده الى الأرض خارج النافذة حبة الدواء التي
اعتاد ان يضعها تحت لسانه كلما انتابته الأزمة. وكالسهم ......
انطلق عصفوري نحو الحبة , التقطها بمنقاره وعاد لصاحبه . وجده مُمَدَّداً قرب النافذة فاقد الوعي .
حاول إدخال الحبة داخل فمه , لم يفلح , حاول محاولة أخرى , وفشل . فجلس فوق صدره يَئِنُّ , ويُنصتُ
لدقات قلب خليله وهي تخبو وتبتعد إلى مجهولٍ , لم يعد مجهولاً لصاحبه . تواصل أنينه . فبدا كمن يستقبل
سقوط الرذاذ في يوم شديد البرودة . أما صاحبه الراقد . ها هو يحتضر في رعايته . لم يفتح عيناً . تَبَدَّى
مُتَخَلِّيَاً عن كل شيء . ندت عنه ارتعاشة مبهمة . استقبلها عصفوري برعشة مُمَاثلة ، وكأن روح صديقه
العجوز قد عبرت جسده الصغير واستقرت . فصرخ مُغَرِّداً في حزنٍ وألَم . ثُمَّ غادر مُحَلِّقاً يَجُولُ البيوت بيتا
بيتا . والاشجار غصنا غصنا . وارتفع عاليا الى دنيا النجوم , آملا أن باب السماء سَيُفتح ذات يوم .
وتُرَد الأمانات لأصحابها .
ملاحظة :
هذه القصة من النصوص القديمة لي
وأجريت عليها بعض التعديلات
تعليق