العصفور والشيخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    العصفور والشيخ

    العصفور والشيخ


    كالعادة كل صباح . مع أول شعاع للشمس , مشى عصفوري على مهل أمام عشه القابع داخل فتحة مهترئة
    من منزل آيل للسقوط . نفض ريشه وعيناه تنظران إلى بعيد . تنظران في لهفة .
    لاحت لعينيه أغصان شجرة التفاح الهرمة . تسائل في فزع :
    ــ هل تقوى هذه الأغصان الهشَّة على حمل الثمر؟ وهل هي تثمر بعدما شاخت وولَّت جاذبية أزهارها ؟
    ها هو عصفوري يرنو بأفكاره ِ نحو هجر عشه القديم الذي أتَتْ عليه عوامل الطبيعة التي لا ترحم حيوانا أو
    نباتا أوحتى مكان . بدأ يُغرد حزينا بعدما ساقته أفكاره لتغيير نمط حياته حين أصبح وحيداً .
    فرحيل عصفورته وشريكة عُمْره , وإنشغال كتاكيته الصغار بعششهم وبأمور حياتهم , ولإنحسار جلسات
    السَمَرْ مع نُدَمائه الى أدنى مستوى عَصَفَتْ بالتناغم الذي كان ينعم به وكَدَّرَتْ صَفْوَهُ . حتى أصبح هاجسه
    الوحيد مسكوناً بالطريقة التي سَيُمضي بها الباقي من العمر .
    بدأ يبحث في مواقع ليست نائية . فبعدما عَبَرَ هذا الكَمْ من السنين , أصبح غير قادر على الطيران لمسافات
    بعيدة كأيامه الخوالي عندما كان يافعا يُحلق كالنسور بلا كلل وبلا ملل . يخشى عصفوري العزلة كخشية
    السجين للحبس الإنفرادي ويرغب أيضا بموقع قريب من أبنائه العصافير حتى لا يثقل عليهم فيتجشمون
    الصعاب كلما سنحت الفرصة وسمحت لهم الظروف لزيارته . ولهاجس يتوَضَّعُ في الجينات الملتصقة
    بكروموزوماته , يخشى عصفوري أن يقع أسيرا في مصيدة أحد محترفي الصيد , أو أن تتعَثَّر قدماه الصغيرتان
    وتنشبك في فخ هاوٍ غَضّ . لذلك , ترى روحه تهفو للأماكن المأهولة والمُتحضِّرة , والتي إكْتوَتْ بنارالقتل
    والتقتيل , فهم الوحيدون اللذين يُقدِّرون قيمة الحياة , وهم وحدهم اللذين يجاهرون بكرامة ونعمة العيش .
    أخذ يحومُ في الفضاء الرحب , باحثاً عن موقعٍ مناسبٍ لبناء عشه الجديد . طار فوق ِقلاع مهجورة , وفوق
    هضاب تكسوها الخضرة وفوق وديان تغمرها المياه . عَصَفتْ به الحيرة , فلكل موقع , جانباً تهفو إليه القلوب ,
    وجانباً آخرتأنفه الأكباد والعقول . إن حَطَّ بمكانٍ , والجيرة كانت عقبانا وبوم ؟ فوداعاً للنوم قرير العيون .
    قاده جناحاه وذيله نحو منازل يسكن بها بشر . تريَّثَ قبل أن يهبط فوق سطح أحدها , وكاد أن يبتعد طائرا
    من حيث أتى . غرَّدَ في سرّه قائلا :
    ــ إن عهد الطرائد والصيد قد ولّى , وها هم أطفالهم يلهون بالتلفاز وبالأنترنت وبهواتفهم المتنقلة , والقادم
    أعظم . فلا وقت لديهم , ولا إهتمام لملاحقة عصفور مثلي كان له في الماضي شأن . ولربما من فتات
    موائدهم ومن ثمار ما يزرعون في حدائق منازلهم , أُرزَقْ؟
    وقع إختياره على مزراب قديم , غير مستعمل . بنى عشه في إحدى فتحاته الصدِئة . وقف بباب العش يُغرِّد
    ويستكشف الجوار , قاده نظره نحو رجل طاعن في السن في الغرفة المطلة على عشه مباشرة .
    أدرك العصفور , وبحكم الخبرة ما يعانيه هذا الشيخ العجوز . فغرَّدَ هامساً :
    ــ ان حاله مثل حالي . فترفَّقي به يا أيام .
    بدأت الصداقة غير المُعلنة بين عصفوري والعجوز تنمو وتتشكَّل مع الأيام لِتأخذ منحىً حميمياً من طرف
    العصفور ,ومن طرف العجوز ايضاً . فها هما يتبادلان تحية الصباح , وتحية قبل النوم , ويتقاسمان لقمة
    العيش والملح , ويَهيمان مع ذِكرى الأيام العبقة بعطر الورود , ويستذكران الّلَيالي المُثقلة بالغيوم .
    في يوم من الأيام , جاء لزيارة العجوز أبنائه وزوجاتهم . وقف العصفور بباب عشه يرنو بنظره نحوهم ,
    ومن شدة تأثره , طاف الدمع في عينيه وأبى ان ينزلق خارجاً , فمسح عينيه بجناحيه قبل أن يرمقه العجوز
    ويسأله عن سبب هذه الدموع .
    كان الوقت فجرا حين استيقظ العصفور على صوت العجوز وهو يَهِمُّ بفتح نافذة غرفته مع أول دفوق لشعاع
    شمس الصبح . كان كالغريق الذي يروم الهواء . سقطت من يده الى الأرض خارج النافذة حبة الدواء التي
    اعتاد ان يضعها تحت لسانه كلما انتابته الأزمة. وكالسهم ......
    انطلق عصفوري نحو الحبة , التقطها بمنقاره وعاد لصاحبه . وجده مُمَدَّداً قرب النافذة فاقد الوعي .
    حاول إدخال الحبة داخل فمه , لم يفلح , حاول محاولة أخرى , وفشل . فجلس فوق صدره يَئِنُّ , ويُنصتُ
    لدقات قلب خليله وهي تخبو وتبتعد إلى مجهولٍ , لم يعد مجهولاً لصاحبه . تواصل أنينه . فبدا كمن يستقبل
    سقوط الرذاذ في يوم شديد البرودة . أما صاحبه الراقد . ها هو يحتضر في رعايته . لم يفتح عيناً . تَبَدَّى
    مُتَخَلِّيَاً عن كل شيء . ندت عنه ارتعاشة مبهمة . استقبلها عصفوري برعشة مُمَاثلة ، وكأن روح صديقه
    العجوز قد عبرت جسده الصغير واستقرت . فصرخ مُغَرِّداً في حزنٍ وألَم . ثُمَّ غادر مُحَلِّقاً يَجُولُ البيوت بيتا
    بيتا . والاشجار غصنا غصنا . وارتفع عاليا الى دنيا النجوم , آملا أن باب السماء سَيُفتح ذات يوم .
    وتُرَد الأمانات لأصحابها .


    ملاحظة :
    هذه القصة من النصوص القديمة لي
    وأجريت عليها بعض التعديلات
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2

    سامحك الله دكتور فوزي بيترو

    حين لمحتُ العنوان ، منيتُ نفسي أن أقرأ شيئا سعيدا خاصة العصافير تجلب المرح والسعادة والشيوخ الحكمة والوقار لكن صرتُ أنا أيضا الشخص الثالث الذي يشارك وليمة الحزن ولحظات الرحيل...
    القصّة مؤثّرة جدّا وتبيّن لنا أنه يمكن أن تنشأ صداقة قوية بيننا وبين أصغر مخلوقات الله كما نشأ هذا التعاطف الحميمي بين الشيخ والعصفور
    لعلّي عرفتُ من هو الشيخ..انه دكتور الأسنان الطيّب الذي يملأ جيوبه وقلبه بفتات الحب والعطف لمثل تلك العصافير الشاردة...غير أن دكتورنا مازال بنبض بالحياة وهو يكتب لنا أجمل النصوص..

    شكرا لرقّة المشاعر
    وشكرا لهذا العصفور الحنون الوفيّ الذي يعلّم الإنسان قيمة الحب.
    -
    -
    تحياتي واحترامي
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      غيث حضور يحيي بعض الامل وتتواصل الرحمة بين الكائنان
      الله الله كم أعجبتني هذه القصة بسردها وبساطتها
      شكرا استاذ فوزي
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • فوزي سليم بيترو
        مستشار أدبي
        • 03-06-2009
        • 10949

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة سليمى السرايري مشاهدة المشاركة

        سامحك الله دكتور فوزي بيترو

        حين لمحتُ العنوان ، منيتُ نفسي أن أقرأ شيئا سعيدا خاصة العصافير تجلب المرح والسعادة والشيوخ الحكمة والوقار لكن صرتُ أنا أيضا الشخص الثالث الذي يشارك وليمة الحزن ولحظات الرحيل...
        القصّة مؤثّرة جدّا وتبيّن لنا أنه يكن أن تنشأ صداقة قوية بيننا وبين أصغر مخلوقات الله كما نشأ هذا التعاطف الحميمي بين الشيخ والعصفور
        لعلّي عرفتُ من هو الشيخ..انه دكتور الأسنان الطيّب الذي يملأ جيوبه وقلبه بفتات الحب والعطف لمثل تلك العصافير الشاردة...غير أن دكتورنا مازال بنبض بالحياة وهو يكتب لنا أجمل النصوص..

        شكرا لرقّة المشاعر
        وشكرا لهذا العصفور الحنون الوفيّ الذي يعلّم الإنسان قيمة الحب.
        -
        -
        تحياتي واحترامي
        لم أكن أتخيّل أن يكون لهذه الطقطوقة القصصية أثرا في النفس .
        لكن من هم على درب سليمى في رقّة الأحاسيس والمشاعر سوف يبصمون بالعشرة على هذه العلاقة الحميمية بين الشيخ والعصفور .
        كلاهما يشبّه الآخر بنفسه .
        أنا سعيد سليمى لأن رسالتي في هذا النص قد وصلت .
        تحياتي واحترامي
        فوزي بيترو

        تعليق

        • فوزي سليم بيترو
          مستشار أدبي
          • 03-06-2009
          • 10949

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
          غيث حضور يحيي بعض الامل وتتواصل الرحمة بين الكائنان
          الله الله كم أعجبتني هذه القصة بسردها وبساطتها
          شكرا استاذ فوزي
          حاولت بقدر الإمكان أن أبتعد عن التقريرية في هذه القصة .
          لكن فكرة النص تفوّقت على السارد وترنّحت بين المباشرة والرمزية .
          تحياتي أستاذة مها راجح
          فوزي بيترو

          تعليق

          يعمل...
          X