النُّفَيْخَة (مقالة نفسية تحليلة)
(بين يدي المقالة: أبادر إلى نشر ما توفر لدي من هذه المقالة الجديدة قبل الانتهاء منها عسى أن يبادر قراؤها إلى إثرائها ومناقشة ما نشر منها مع الملاحظة أنني أكتب عفو الخاطر وليس وفق مخطط مسبق)"النَّفيخة" شيء من المطاط ينفخ حتى يكبر ويصير قابلا للارتفاع في الجو يمسك بخيط حتى لا يفلت فيضيع وقد يطلق المئات منه في الهواء احتفاءً بالمناسبات السعيدة، وهو ما يسمى بالأعجمية "البالون"، أو بالعامية الجزائرية "النَّبُّولَة"، والجمع "نبابل"، ويحب الأطفال اللعب بالنبابل وتستعمل في الأفراح والمناسبات والأعياد بأنواعها، وأفضل ضبطها بفتح النون وليس بضمها قياسا على "النَّطيحة" و"الفريسة"، على وزن "فعيلة" مؤنث فعيل بمعنى مفعول أي أن "النَّفيخة" هي "المنفوخة" مؤنث منفوخ، أو إن ضبطناها بالضمة "نُفَيْخَة" فهي تصغير "نَفِيخة" للتحقير كما هو مثبت في العنوان.
احتجت إلى هذا التعريف الطويل حتى لا أضطر، وأنا في خضم الحديث في موضوعي هذا، إلى شرح "النفيخة"، بالفتح أو بالضم، كل مرة، وليست النية معقودة للحديث عن هذا الشيء الشهير جدا وإنما عن "النفيخة" المعنوية الكامن في كل إنسان منا حتى وإن حاول إظهار نفيخته في مظهر حسن مُعجِب للناس لائق؛ في كل شخص، كائن بشري طبعا، نفيخة مختفية فيه وقد تكبر هذه النفيخة حتى يصير الشخص نفسه نفيخة كبيرة ناطقة متحركة متنقلة متفاعلة مع الناس ومنفعلة بهم وعليهم.
فما سبب هذا الانتفاخ المضر بصاحبه أكثر مما هو مضر بالناس يا ترى؟ أرى أن هذا الانتفاخ الوَرَمي، نسبة إلى الورم، ناتج عن تربية سئية أصلا، وعن تقدير مبالغ فيه للنفس من الشخص ذاته، وعن مبالغة في تقدير شخص ما من الآخرين المحيطين به أو المتعاملين معه.
1- سوء التربية: تلعب التربية، أو التنشئة الاجتماعية، دورا كبيرا وخطيرا في غرس الكبر والتعاظم، الانتفاخ، في نفسية الطفل، فمنذ الصغر يُلقَّن الصبي أنه أحسن الأطفال، وأفضلهم، وأجملهم، وأذكاهم، ولا أحد يماثله، أو يضاهيه، أو يفوقه، وهذا لا يعني إلغاء تقدير الصغار لتشجيعهم على التفوق على أقرانهم، لا ! لكن المبالغة في التقدير تأتي حتما بنتائج كارثية في نفس الطفل وعقله؛ كما أن تلبية مطالب هذا الطفل غير المشروطة وغير المحدودة، أو ما يسمى "التدليل" المبالغ فيه شكل من أشكال سوء التربية كذلك؛ وقديما قيل: "إذا تجاوز الأمر عن حده انقلب إلى ضده"، وهذا صحيح تماما فيما نحن بصدد مناقشته هنا؛ كما أن للنشأة في بِيئَة اجتماعية متغطرسة الأثرَ الكبير في غرس التكبر في نفس الطفل؛ فكيف عندما يربى الطفل على الكبر ابتداءً؟
2- رؤية النفس: بسبب سوء التربية المتحدث عنها بإيجاز أعلاه ينغرس في الطفل الذي سيصير رجلا (أو الطفلة التي ستصير امرأة كذلك) مرضُ الكبر ورؤية النفس وكأن هذا الشخص فريد دهره، ووحيد عصره، وجوهرة عقد أمثاله، وهو تاج أقرانه، لا لتميز بأخلاق حميدة عالية ولا لتمكنه من علوم ليست في غيره، وإنما لنزعة كامنة في نفسه ورثها من أهله أو غريزة غرسها الناس من حوله فيه بالإطراء المبالغ فيه أو بالمدح القاصم للظهر حتى ينبت فيه الغرور المهلك، وحينها يقال: "إنسان مغرور" يرى نفسه سرة العالم، أو هكذا يخيل إليه من غروره فيصير يتكبر على خلق الله كأنه ليس منهم.
3- الإطراء المبالغ فيه: قد يكون في الشخص، لا محالة، خصال حميدة ومناقب جميلة تحمد له لكن حديثنا عن المبالغة في إطراء الناس بما فيهم أو بما ليس فيهم، وهذا خطير في نفسه على القائل وعلى المقول فيه في الوقت نفسه لأنه كذب محض وافتراء صرف، فإن كان الإطراء بالحق خطرا على الشخص المنعوت فكيف إن كان الإطراء مكذوبا أو من أجل تزيين حال الذي قيل فيه في عيون الناس لمخادعتهم؟ فهذا ضرب من الغش غير مقبول؛ جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فمدح رجلا آخر، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "ويْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قالَ: مَن كانَ مِنكُم مَادِحًا أخَاهُ لا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ أحْسِبُ فُلَانًا، واللَّهُ حَسِيبُهُ، ولَا أُزَكِّي علَى اللَّهِ أحَدًا أحْسِبُهُ كَذَا وكَذَا، إنْ كانَ يَعْلَمُ ذلكَ منه"، رواه الإمام البخاري في صحيحه عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
(هذا وللحديث بقية إن شاء الله تعالى إن كان في العمر بقية)
البُلَيْدة، صبيحة يوم الخميس 08 من شهر الله المحرم 1442 الموافق 27/08/2020.
تعليق