قراءة جهاد بدران على نص/رقصة الأشلاء/ م. سليمان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جهاد بدران
    رئيس ملتقى فرعي
    • 04-04-2014
    • 624

    قراءة جهاد بدران على نص/رقصة الأشلاء/ م. سليمان

    النّص : رقصة الأشلاء
    النّاص : م.سليمان
    القراءة : جهاد بدران

    ..................................

    النّص :

    رَقْصَةُ الْأَشْلَاء

    َيَوْمَ تَضَعُ الْحَرْبُ خَطَايَاهَا
    كَمَا تَضَعُ الْأُمُّ حَمْلَهَا دُونَ أَب،
    تَجْتَمِعُ مِنْ كُلُّ مَكَانٍ أَشْلَائِي
    فِي سَاحَتِكِ يَا إِمِيسَا رَاقِصَة.

    وَأَشْمَخُ بِرَأْسِي فَوْقَهَا تَحْتَ السَّاعَةِ
    مُعَنِّيًا بِحُنْجُرَتِي الْمَبْحُوحةِ بِالدَّمِ
    ذِكْرَاكِ الَّتِي بَقِيَتْ لِي سَنَوَاتٍ
    مُخْتَلِجَةً مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيد.

    ثُمَّ أَرْقُصُ رَقْصَةً صُوفِيَّةً بِلَا قَلَنْسُوَةٍ
    وَأَدُورُ فِي شَوَارِعِكِ بِلَا تَصْفِيقٍ
    جَامِعًا خُطَاكِ الْأَثَرِيَّةَ تَحْتَ إِبْطِي
    فِي شَارِعِ الدَّبْلَانِ عِنْدَ الْحُسَامِيّ

    رَافِعًا مِنْهُ نِدَائِيَ الطَّوِيلَ عَلَيْكِ
    حَتَّى تَقْدَمِي مَحْلُولًا شَعْرُكِ الْخَمْرِيّ
    إِلَيَّ رَافِعَةً رِجْلًا قَافِزَةً عَلَى الْأُخْرَى
    فِي لَيْلَةِ خَمِيسٍ تَارِيخِيّ.


    القراءة :
    ...............................

    رَقْصَةُ الْأَشْلَاء
    العنوان له دلالاته الخاصة وتأويلاته التي تنتظم تحت سوط الوجع الأليم، وذلك من خلال ما يحمله العنوان من ملائمة متظمة ما بين الرقصة والأشلاء..
    فالرقصة، هي مفردة مؤنثة، بمعنى عددها واحدة، وهذا يأخذنا بأنها تحمل مبنى واحد غير مختلف لكل الأشلاء، وكأن الأشلاء جميعها، ما يجمع حركاتها نفس النغمة ونفس الهبوط والتقلب أثناء التهاوي على جاذبية الأرض، والسقوط بجميعها وجعاً واحداً يجمع ضحايا كثيرة، تتحد تحت منوال التقطيع والتعذيب والوجع..وكأن للأشلاء رقصة خاصة لا يوجد لها شبيه، كأنواع الرقصات الحية المختلفة، لذلك للأشلاء التي تتناثر في كل مكان، لها رقصة واحدة لا تختلف، إذ تجتمع فيها الدماء وصوت السقوط ونبرات الوجع والألم.
    لذلك كان العنوان متقناً بتراكيبه ومعانيه وما يمليه من معاني باتت تحت سوط التشبيه المغرق بمعزوفة للموت..
    الرقصة عبارة عن تخليص الجسد من عناء الروح وتخبطات المشاعر والأحاسيس لتعود لطبيعتها على خط التطهير من الأمراض الروحية أو الجسدية، وما هي إلا تعبيراً عن حراك باهتزازات مختلفة كي يتلقن الجسد والروح لانتظامهما وفق السياق الطبيعي للحياة..وهذا ينعكس على الأشلاء وهي تهوي غرقى على الأرض بأصوات الوجع وبين اهتزازات بعضها البعض وهي تغط في الدماء، وهذا يجعل الخيال منبع الرؤيا لتقسيمها وفق الفكر والتدبر بما تحدثه من آلام يجعل صاحبها تزداد حركاته على نغام الوجع بحركات متعددة من وخز الألم..
    الكاتب يبدأ لوحته الفنية بقوله:

    /َيَوْمَ تَضَعُ الْحَرْبُ خَطَايَاهَا
    كَمَا تَضَعُ الْأُمُّ حَمْلَهَا دُونَ أَب،/

    هذا الوصف جاء فظيعاً يلائم ما تمليه الخروب وما تحدثه من دمار وقتل للأرواح البريئة، وتشتت الشعوب لاتجاهات الغربة أو الحصار، لتبدأ المعاناة والمصير المؤلم من جراء وجودها واشتعالها..
    فالكاتب هنا استعمل التشبيه الفظيع والبليغ الذي يوازي معاني ومعالم الحرب من خلال حصاد من أحدثته وخلفته من مآسي ودمار مادي ومعنوي..
    فالوصف الذي استخدمه الكاتب دقيق ويغني عن أي تفسير، فقد اعتبر الحرب خطايا قد ولدت بطريقة غير شرعية، بمعنى ما يحمله الحرام والمحرمات التي تخرج عن نطاق القوانين السماوية وحتى القوانين الوضعية، وبذلك تندرج تحت مسميات الظلم وقهر الشعوب.. وما حصل في حمص ومطايا وبيروت، دليل على الاستبداد القاسي الذي يمارسه حكام العرب بالتبعية الكاملة وببصمة عار على جباههم وهم يغرقون هذا الشعب بلا رحمة وبلا قوانين تقيدهم للرأفة والرحمة بشعب أعزل لا يملك من نفسه إلا الصوت والذي كمموه وأخرسوه، وحبل الصبر الذي يملي عليهم إرادة وقوة لقهر هذا الظلم..وهذا الظلم إنما هو عملية استمرارية للمؤامرات التي بدأت في فلسطين، ولم يخرسوا أو يكسروا أنياب الصهاينة التي فتكت بمخططاتها الأراضي المحتلة..هذا ولّد التعدي والاستمرارية في كسر نفوذ العرب كي يستولوا على الشرق بمدخراته وثرواته، والقضاء على التيار الإسلامي الذي يرهبهم بقوة..

    /تَجْتَمِعُ مِنْ كُلُّ مَكَانٍ أَشْلَائِي
    فِي سَاحَتِكِ يَا إِمِيسَا رَاقِصَة./

    هنا استعمل الكاتب الألفاظ بإتقان وبناء محكم، حينما قال: أن أشلاءه اجتمعت من كل مكان راقصة في ساحات حمص،
    وهذا يشير أنه يتحدث عن كل أوجاع الأمة وليس وجعه وحده الذي يشير لحمص، وكأن همّه كان في كل بقاع الأمة العربية والإسلامية، حتى جاء الوجع كله المحمول في كل الأمة قد بات في ساحات حمص، وهذا كناية عن قمة الوجع والألم الذي أصاب حمص وسوريا وما خلفته الحرب من قتل الأبرياء وتشتيت وهدم وهجرة وغربة..وكأنّ أوجاع كل الأمة قد انسكبت في ساحاتها الدامية..
    وأما تسميتها/إميسا، وتعني حمص/ من وحي ما يحدث في سوريا من معاناة إنسانية، ويعد هذا الإسم "إميسا" بين أقدم الأسماء المعروفة لمدينة حمص، وهو يوناني الأصل./.
    ثم يكمل الكاتب لوحته الفنية بقوله:

    /وَأَشْمَخُ بِرَأْسِي فَوْقَهَا تَحْتَ السَّاعَةِ
    مُعَنِّيًا بِحُنْجُرَتِي الْمَبْحُوحةِ بِالدَّمِ
    ذِكْرَاكِ الَّتِي بَقِيَتْ لِي سَنَوَاتٍ
    مُخْتَلِجَةً مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيد./

    وهنا صورة الوجع تكتمل، ومعامل الثبات والصبر والصمود واضحة من خلال شموخ الرأس فوقها وتحت الساعة، وهذا كناية عن الصمود برفع الرأس، وعدم الذل والرضوخ للوجع، فمن خلال شموخ الرأس، يعني التحدي وعدم الاستسلام، واستخدام الرأس للشموخ، كان كناية عن ما يجمع الرأس من معالم وحواسّ، كالسمع حين تصدر صوات القنابل والصواريخ والصراخ، والبصر حين تشاهد مناظر الهدم والجثث والدم، وتذوق الألم حين يتأوه كل مصاب وتنتحب كل الأماكن، ثم في الرأس العقل والفكر، فهو شامخ بفكره وحواسه وعقله المدبر لتخطي كل المحن والابتلاءات، فكانت عملية الشموخ بحنجرة مبحوحة بالدم، كناية عن عدم رفع الأصوات وعدم القدرة على التصدي لهؤلاء الظلمة خوف المصير، بسبب كثرة الأشلاء، مما دفع الكثيرين بالصمت إزاء هذه الوحشية، وذكرى حمص وحبها يخترق الوريد للوريد، لدرجة التضحية مقابل الأرض والعِرض..

    /ثُمَّ أَرْقُصُ رَقْصَةً صُوفِيَّةً بِلَا قَلَنْسُوَةٍ
    وَأَدُورُ فِي شَوَارِعِكِ بِلَا تَصْفِيقٍ
    جَامِعًا خُطَاكِ الْأَثَرِيَّةَ تَحْتَ إِبْطِي
    فِي شَارِعِ الدَّبْلَانِ عِنْدَ الْحُسَامِيّ/

    وهنا تتجلى رقصات الوجع بمناجاة روحية من خلال معنى الرقصة الصوفية التي تؤدّى في طقوس تراثية ودينية وروحية لتعلو الروح نحو خالقها وتخليص النفس من خبائث النفس وعلق القلب.
    إن عملية الرقص هذه تعتبر تعبيراً عن اندفاع النفس نحو تطهيرها من شوائب الدنيا بشيء روحاني كي تهدأ الروح وتطمئن، لكن الرقصة هذه كانت غير مألوف تأديتها إطلاقاً، من خلال رقصتها بلا قلنسوة، وكأنها كناية مفزعة فيها تغيير عن المعتاد وانتزاع للهدوء والسكينة والوقار، لأن انتزاعها يعني انتزاع الموروث التراثي على أيدي كانت سبباً في ذلك، ليكون الخلل قد أصاب المعتاد من الروحانيات والسكينة..
    ثم نفهم الصمت المطبق على حمص والرعب والرهبة لكثرة الأشلاء، من خلال ما وصف الكاتب بدقة متناهية عملية الموت والوجع، وهو يدور في شوارعها بلا تصفيق، كنايو عن الحزن والموت، ليضع ما تبقى من أثرها وآثارها وذكراها تحت إبطه، كناية عن حمايته لها بما تبقى من آثار وتراث وحضارة، قبل ن يبيدوا معالمها الحضارية، وهذا دليل على قوة الفرد المناضل في الحفاظ على بلده بدمه وشهادته في سبيل الله ثم الوطن...

    /رَافِعًا مِنْهُ نِدَائِيَ الطَّوِيلَ عَلَيْكِ
    حَتَّى تَقْدَمِي مَحْلُولًا شَعْرُكِ الْخَمْرِيّ
    إِلَيَّ رَافِعَةً رِجْلًا قَافِزَةً عَلَى الْأُخْرَى
    فِي لَيْلَةِ خَمِيسٍ تَارِيخِيّ./

    وهنا الحالة قد اكتملت بمعالم الرقصة وجعاً وهي تضرب رجلاً على الأخرى من كثرة الضربات التي تعرضت لها، ومن سياط الطغاة للأشلاء والدمار...

    الأديب البارع حرفه
    أ.م.سليمان
    لقد نثرتم كل معالم الوجع في لوحة تاريخية بارعة الأوصاف، صادقة النقش على جبين حمص المتألمة والتي تنزف دماً ودمعاً مع أختها بيروت الحاضر..
    هذه اللوحة الموجعة التي رسمت بدماء المشاعر تعتبر من أجمل اللوحات تعبيراً عن قمة المحن والابتلاءات..
    بورك بقلمكم وبما نثرتم من دمائه وجعاً أذرفت الأحداق دموعاً على حمص وأخواتها..
    وفقكم الله وأنار دربكم بنور التقوى
    ورضي عنكم وأرضاكم..
    .
    .
    .
    .
    .
    جهاد بدران
    فلسطينية
    التعديل الأخير تم بواسطة جهاد بدران; الساعة 28-08-2020, 17:56.
  • م.سليمان
    مستشار في الترجمة
    • 18-12-2010
    • 2080

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة جهاد بدران مشاهدة المشاركة
    النّص : رقصة الأشلاء
    النّاص : م.سليمان
    القراءة : جهاد بدران

    ..................................

    النّص :

    رَقْصَةُ الْأَشْلَاء

    َيَوْمَ تَضَعُ الْحَرْبُ خَطَايَاهَا
    كَمَا تَضَعُ الْأُمُّ حَمْلَهَا دُونَ أَب،
    تَجْتَمِعُ مِنْ كُلُّ مَكَانٍ أَشْلَائِي
    فِي سَاحَتِكِ يَا إِمِيسَا رَاقِصَة.

    وَأَشْمَخُ بِرَأْسِي فَوْقَهَا تَحْتَ السَّاعَةِ
    مُعَنِّيًا بِحُنْجُرَتِي الْمَبْحُوحةِ بِالدَّمِ
    ذِكْرَاكِ الَّتِي بَقِيَتْ لِي سَنَوَاتٍ
    مُخْتَلِجَةً مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيد.

    ثُمَّ أَرْقُصُ رَقْصَةً صُوفِيَّةً بِلَا قَلَنْسُوَةٍ
    وَأَدُورُ فِي شَوَارِعِكِ بِلَا تَصْفِيقٍ
    جَامِعًا خُطَاكِ الْأَثَرِيَّةَ تَحْتَ إِبْطِي
    فِي شَارِعِ الدَّبْلَانِ عِنْدَ الْحُسَامِيّ

    رَافِعًا مِنْهُ نِدَائِيَ الطَّوِيلَ عَلَيْكِ
    حَتَّى تَقْدَمِي مَحْلُولًا شَعْرُكِ الْخَمْرِيّ
    إِلَيَّ رَافِعَةً رِجْلًا قَافِزَةً عَلَى الْأُخْرَى
    فِي لَيْلَةِ خَمِيسٍ تَارِيخِيّ.


    القراءة :
    ...............................

    رَقْصَةُ الْأَشْلَاء
    العنوان له دلالاته الخاصة وتأويلاته التي تنتظم تحت سوط الوجع الأليم، وذلك من خلال ما يحمله العنوان من ملائمة متظمة ما بين الرقصة والأشلاء..
    فالرقصة، هي مفردة مؤنثة، بمعنى عددها واحدة، وهذا يأخذنا بأنها تحمل مبنى واحد غير مختلف لكل الأشلاء، وكأن الأشلاء جميعها، ما يجمع حركاتها نفس النغمة ونفس الهبوط والتقلب أثناء التهاوي على جاذبية الأرض، والسقوط بجميعها وجعاً واحداً يجمع ضحايا كثيرة، تتحد تحت منوال التقطيع والتعذيب والوجع..وكأن للأشلاء رقصة خاصة لا يوجد لها شبيه، كأنواع الرقصات الحية المختلفة، لذلك للأشلاء التي تتناثر في كل مكان، لها رقصة واحدة لا تختلف، إذ تجتمع فيها الدماء وصوت السقوط ونبرات الوجع والألم.
    لذلك كان العنوان متقناً بتراكيبه ومعانيه وما يمليه من معاني باتت تحت سوط التشبيه المغرق بمعزوفة للموت..
    الرقصة عبارة عن تخليص الجسد من عناء الروح وتخبطات المشاعر والأحاسيس لتعود لطبيعتها على خط التطهير من الأمراض الروحية أو الجسدية، وما هي إلا تعبيراً عن حراك باهتزازات مختلفة كي يتلقن الجسد والروح لانتظامهما وفق السياق الطبيعي للحياة..وهذا ينعكس على الأشلاء وهي تهوي غرقى على الأرض بأصوات الوجع وبين اهتزازات بعضها البعض وهي تغط في الدماء، وهذا يجعل الخيال منبع الرؤيا لتقسيمها وفق الفكر والتدبر بما تحدثه من آلام يجعل صاحبها تزداد حركاته على نغام الوجع بحركات متعددة من وخز الألم..
    الكاتب يبدأ لوحته الفنية بقوله:

    /َيَوْمَ تَضَعُ الْحَرْبُ خَطَايَاهَا
    كَمَا تَضَعُ الْأُمُّ حَمْلَهَا دُونَ أَب،/

    هذا الوصف جاء فظيعاً يلائم ما تمليه الخروب وما تحدثه من دمار وقتل للأرواح البريئة، وتشتت الشعوب لاتجاهات الغربة أو الحصار، لتبدأ المعاناة والمصير المؤلم من جراء وجودها واشتعالها..
    فالكاتب هنا استعمل التشبيه الفظيع والبليغ الذي يوازي معاني ومعالم الحرب من خلال حصاد من أحدثته وخلفته من مآسي ودمار مادي ومعنوي..
    فالوصف الذي استخدمه الكاتب دقيق ويغني عن أي تفسير، فقد اعتبر الحرب خطايا قد ولدت بطريقة غير شرعية، بمعنى ما يحمله الحرام والمحرمات التي تخرج عن نطاق القوانين السماوية وحتى القوانين الوضعية، وبذلك تندرج تحت مسميات الظلم وقهر الشعوب.. وما حصل في حمص ومطايا وبيروت، دليل على الاستبداد القاسي الذي يمارسه حكام العرب بالتبعية الكاملة وببصمة عار على جباههم وهم يغرقون هذا الشعب بلا رحمة وبلا قوانين تقيدهم للرأفة والرحمة بشعب أعزل لا يملك من نفسه إلا الصوت والذي كمموه وأخرسوه، وحبل الصبر الذي يملي عليهم إرادة وقوة لقهر هذا الظلم..وهذا الظلم إنما هو عملية استمرارية للمؤامرات التي بدأت في فلسطين، ولم يخرسوا أو يكسروا أنياب الصهاينة التي فتكت بمخططاتها الأراضي المحتلة..هذا ولّد التعدي والاستمرارية في كسر نفوذ العرب كي يستولوا على الشرق بمدخراته وثرواته، والقضاء على التيار الإسلامي الذي يرهبهم بقوة..

    /تَجْتَمِعُ مِنْ كُلُّ مَكَانٍ أَشْلَائِي
    فِي سَاحَتِكِ يَا إِمِيسَا رَاقِصَة./

    هنا استعمل الكاتب الألفاظ بإتقان وبناء محكم، حينما قال: أن أشلاءه اجتمعت من كل مكان راقصة في ساحات حمص،
    وهذا يشير أنه يتحدث عن كل أوجاع الأمة وليس وجعه وحده الذي يشير لحمص، وكأن همّه كان في كل بقاع الأمة العربية والإسلامية، حتى جاء الوجع كله المحمول في كل الأمة قد بات في ساحات حمص، وهذا كناية عن قمة الوجع والألم الذي أصاب حمص وسوريا وما خلفته الحرب من قتل الأبرياء وتشتيت وهدم وهجرة وغربة..وكأنّ أوجاع كل الأمة قد انسكبت في ساحاتها الدامية..
    وأما تسميتها/إميسا، وتعني حمص/ من وحي ما يحدث في سوريا من معاناة إنسانية، ويعد هذا الإسم "إميسا" بين أقدم الأسماء المعروفة لمدينة حمص، وهو يوناني الأصل./.
    ثم يكمل الكاتب لوحته الفنية بقوله:

    /وَأَشْمَخُ بِرَأْسِي فَوْقَهَا تَحْتَ السَّاعَةِ
    مُعَنِّيًا بِحُنْجُرَتِي الْمَبْحُوحةِ بِالدَّمِ
    ذِكْرَاكِ الَّتِي بَقِيَتْ لِي سَنَوَاتٍ
    مُخْتَلِجَةً مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيد./

    وهنا صورة الوجع تكتمل، ومعامل الثبات والصبر والصمود واضحة من خلال شموخ الرأس فوقها وتحت الساعة، وهذا كناية عن الصمود برفع الرأس، وعدم الذل والرضوخ للوجع، فمن خلال شموخ الرأس، يعني التحدي وعدم الاستسلام، واستخدام الرأس للشموخ، كان كناية عن ما يجمع الرأس من معالم وحواسّ، كالسمع حين تصدر صوات القنابل والصواريخ والصراخ، والبصر حين تشاهد مناظر الهدم والجثث والدم، وتذوق الألم حين يتأوه كل مصاب وتنتحب كل الأماكن، ثم في الرأس العقل والفكر، فهو شامخ بفكره وحواسه وعقله المدبر لتخطي كل المحن والابتلاءات، فكانت عملية الشموخ بحنجرة مبحوحة بالدم، كناية عن عدم رفع الأصوات وعدم القدرة على التصدي لهؤلاء الظلمة خوف المصير، بسبب كثرة الأشلاء، مما دفع الكثيرين بالصمت إزاء هذه الوحشية، وذكرى حمص وحبها يخترق الوريد للوريد، لدرجة التضحية مقابل الأرض والعِرض..

    /ثُمَّ أَرْقُصُ رَقْصَةً صُوفِيَّةً بِلَا قَلَنْسُوَةٍ
    وَأَدُورُ فِي شَوَارِعِكِ بِلَا تَصْفِيقٍ
    جَامِعًا خُطَاكِ الْأَثَرِيَّةَ تَحْتَ إِبْطِي
    فِي شَارِعِ الدَّبْلَانِ عِنْدَ الْحُسَامِيّ/

    وهنا تتجلى رقصات الوجع بمناجاة روحية من خلال معنى الرقصة الصوفية التي تؤدّى في طقوس تراثية ودينية وروحية لتعلو الروح نحو خالقها وتخليص النفس من خبائث النفس وعلق القلب.
    إن عملية الرقص هذه تعتبر تعبيراً عن اندفاع النفس نحو تطهيرها من شوائب الدنيا بشيء روحاني كي تهدأ الروح وتطمئن، لكن الرقصة هذه كانت غير مألوف تأديتها إطلاقاً، من خلال رقصتها بلا قلنسوة، وكأنها كناية مفزعة فيها تغيير عن المعتاد وانتزاع للهدوء والسكينة والوقار، لأن انتزاعها يعني انتزاع الموروث التراثي على أيدي كانت سبباً في ذلك، ليكون الخلل قد أصاب المعتاد من الروحانيات والسكينة..
    ثم نفهم الصمت المطبق على حمص والرعب والرهبة لكثرة الأشلاء، من خلال ما وصف الكاتب بدقة متناهية عملية الموت والوجع، وهو يدور في شوارعها بلا تصفيق، كنايو عن الحزن والموت، ليضع ما تبقى من أثرها وآثارها وذكراها تحت إبطه، كناية عن حمايته لها بما تبقى من آثار وتراث وحضارة، قبل ن يبيدوا معالمها الحضارية، وهذا دليل على قوة الفرد المناضل في الحفاظ على بلده بدمه وشهادته في سبيل الله ثم الوطن...

    /رَافِعًا مِنْهُ نِدَائِيَ الطَّوِيلَ عَلَيْكِ
    حَتَّى تَقْدَمِي مَحْلُولًا شَعْرُكِ الْخَمْرِيّ
    إِلَيَّ رَافِعَةً رِجْلًا قَافِزَةً عَلَى الْأُخْرَى
    فِي لَيْلَةِ خَمِيسٍ تَارِيخِيّ./

    وهنا الحالة قد اكتملت بمعالم الرقصة وجعاً وهي تضرب رجلاً على الأخرى من كثرة الضربات التي تعرضت لها، ومن سياط الطغاة للأشلاء والدمار...

    الأديب البارع حرفه
    أ.م.سليمان
    لقد نثرتم كل معالم الوجع في لوحة تاريخية بارعة الأوصاف، صادقة النقش على جبين حمص المتألمة والتي تنزف دماً ودمعاً مع أختها بيروت الحاضر..
    هذه اللوحة الموجعة التي رسمت بدماء المشاعر تعتبر من أجمل اللوحات تعبيراً عن قمة المحن والابتلاءات..
    بورك بقلمكم وبما نثرتم من دمائه وجعاً أذرفت الأحداق دموعاً على حمص وأخواتها..
    وفقكم الله وأنار دربكم بنور التقوى
    ورضي عنكم وأرضاكم..
    .
    .
    .
    .
    .
    جهاد بدران
    فلسطينية

    أينما كان موقع هذه القراءة التحليلية، هنا أو هناك، فوقعها في نفسي كبير.
    أعود لأقول إن للنفوس الثائرة والأرواح المتمردة المضحى بهما في سبيل الحرية الصعبة المنال في جميع المحال والأحوال، أجسادا مهما مزقت أجزاءها كل ممزق وقطعت أوصالها أيما تقطيع، أن لها رقصة ليس كمثلها شيء في الحفلات الساهرة...
    شكرا من أعماق القلب وجازاك الله عني خير الجزاء بما أنعمت علي وعلى نصي المتواضع من مرور عابق وقراءة عاطرة بمداد قلمك لا يجارى في تحليل النصوص وتوضيح معانيها.

    تحياتي وأمنياتي الجميلة، الأستاذة الشاعرة جهاد بدران
    sigpic

    تعليق

    • سليمى السرايري
      مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
      • 08-01-2010
      • 13572

      #3
      *
      *
      *

      ما أروع هذه القراءة النقدية الأستاذة العزيزة جهاد بدران
      تحليل جاء فعلا على ما يكتنف النصّ من أوجاع سوى كانت للشاعر أو أوجاع كلّ فرد من وطننا الكبير لديه الحس الوطني والشعور النبيل...
      وهذا ما يحمله أديبنا المترجم الأستاذ م. سليمان من صفات انسانية صادقة فكانت الرقصة وكان الجمال..
      لذلك لم أتردّد لحظة في رفع هذا النص من جديد لا لكي يأخذ فرصة للقراءة ،
      بل ليأخذ القُرّاء فرصة الإطلاع على رقصة الأشلاء من جديد...
      -
      -
      تقبّلا مني الأستاذة جهاد والأستاذ سليمان فائق التقدير والإعجاب

      *
      *
      *
      لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

      تعليق

      • م.سليمان
        مستشار في الترجمة
        • 18-12-2010
        • 2080

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة سليمى السرايري مشاهدة المشاركة
        *
        *
        *

        ما أروع هذه القراءة النقدية الأستاذة العزيزة جهاد بدران
        تحليل جاء فعلا على ما يكتنف النصّ من أوجاع سوى كانت للشاعر أو أوجاع كلّ فرد من وطننا الكبير لديه الحس الوطني والشعور النبيل...
        وهذا ما يحمله أديبنا المترجم الأستاذ م. سليمان من صفات انسانية صادقة فكانت الرقصة وكان الجمال..
        لذلك لم أتردّد لحظة في رفع هذا النص من جديد لا لكي يأخذ فرصة للقراءة ،
        بل ليأخذ القُرّاء فرصة الإطلاع على رقصة الأشلاء من جديد...
        -
        -
        تقبّلا مني الأستاذة جهاد والأستاذ سليمان فائق التقدير والإعجاب

        *
        *
        *

        [aimg=borderSize=0,borderType=none,borderColor=blac k,imgAlign=none,imgWidth=,imgHeight=]https://www.mexatk.com/wp-content/uploads/2016/03/%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%B4%D9%88%D9%83%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87-1.jpg[/aimg]
        sigpic

        تعليق

        يعمل...
        X