شتنبر الجرح الغائر.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    شتنبر الجرح الغائر.

    (1)
    إنّه العيد، في كل يوم عيد أُفّكّر في زيارة أمّي الكبرى، جدّتي المقعدة، تصلّي كثيرا وتسبّح طول النّهار ولا تسأم؛ مهما تكلّم النّاس من حولها لاتقطع صلواتها ولا تسبيحها إلا لأمر جلل.

    تعاني جدّتي من أمراض عديدة القلب والسّكري وارتفاع الضّغط وغيرها من الأمراض الشّائعة، ورغم ذلك فصاحبة بضع والتسعين عاما لا تفتر عن صلواتها وتسبيحها ولا تمل؛ أكثر ما آلمها رحيل أُمّي المبكّر؛ قطعت أذكارها هذه المرّة لتقول متأسّفة: "الشايب حمو، صاحب جدّك هو السبّب في زواج ابنتي".

    صاحب جدّي هذا هو رفيق دربه أمضى معه الخدمة العسكرية تحت العلم الفرنسي وتعرّض معه إلى السّجن من طرف الألمان أيّام الاحتلال النّازي، وكنتُ دوما أراهما معا حين أمرّ بالمقهى، يمضيان الأوقات في " الدومينو" و"الكارتا" هوايتهما المفضّلة؛ كان "الشايب حمّو" ضامنا على ما يبدو، لو كان هذا الشّخص يدرك خطورة الجمع بين النّقيضين، كالجمع بين سلكي الكهرباء لما ضمن.

    - "على ظهر حمار حملوني وسافروا بي في ليلة شتاء قاسية لينتهي الموكب بمقر العائلة الجديد، بيت أبيك، وجدّك الأكبر"؛ لم تنتهِ معاناة والدتي - طيّب الله ثراها- حيث واصلت كلامها المحزن، والذي لايزال عالقا بذاكرتي:"و في تلك اللّيلة المشؤومة تحرّش بنا جنود الاحتلال على إثر هجوم قاده العسكر على المنطقة، ليتم إبطال العرس وتأجيل الفرحة".

    تسارعت بي الأيام ولم أشعر إلا وأنا طفل بين أبناء العمومة والأقران، أمرح معهم وأتعلّم منهم، وليس هناك من يوجّهني أو يراقبني.

    نشب خلاف بين الأبوين وشيئا فشيئا أخذت الهوّة بينهما تتّسع وتتسع...، ومعها بدأ الشعور بالحزن والكآبة يكبر؛ لاشيء يعوّض الأم، لا معنى للحياة من دون استقرار في البيت.


    يتبع .../...

    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 09-09-2020, 10:57.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • عمار عموري
    أديب ومترجم
    • 17-05-2017
    • 1300

    #2
    غالبا ما تأخذني نصوصك وما تسوقه من أحداث أجدها قريبة مني أو في محيطي إلى الماضي، ليس بعيدا مثل الماضي الذي تسترجعه أنت وتعيد فيه تحريك أشخاصك وأحداثهم، ولكنه ماض على كل حال وجميل في جميع الأحوال.
    سأتابع بشوق وتوق الصفحات القادمة.
    تمنيت فقط لو حلت كلمة شتمبر المعروفة عندنا والملائمة للنص محل كلمة أيلول الغريبة عنا

    مع تحيتي الجميلة لك أيها الحبيب والأديب فوزي رشيد
    التعديل الأخير تم بواسطة عمار عموري; الساعة 31-08-2020, 19:03.

    تعليق

    • مصباح فوزي رشيد
      يكتب
      • 08-06-2015
      • 1272

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
      غالبا ما تأخذني نصوصك وما تسوقه من أحداث أجدها قريبة مني أو في محيطي إلى الماضي، ليس بعيدا مثل الماضي الذي تسترجعه أنت وتعيد فيه تحريك أشخاصك وأحداثهم، ولكنه ماض على كل حال وجميل في جميع الأحوال.
      سأتابع بشوق وتوق الصفحات القادمة.
      تمنيت فقط لو حلت كلمة شتمبر المعروفة عندنا والملائمة للنص محل كلمة أيلول الغريبة عنا

      مع تحيتي الجميلة لك أيها الحبيب والأديب فوزي رشيد
      ماض واحد بلا شك وشعور مشترك ولا ريب وتصور كم أنا فخور بوجودك في هذا الرّكن السّعيد وسأحوّل أيلول إلى شتنبر نزولا عند رغبتك وبها أٍرجو أن أكون عند حسن ظنّك. وشكرا على هذا الاهتمام أخي عمار أستاذنا الهُمام.
      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 31-08-2020, 22:00.
      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #4
        سرد سلس رقراق ولغة جميلة ببساطتها يجعلك تقرأ لا تتوقف، ذكريات الماضي مغروزة في تلافيف نفوسنا يغطي بعضها بعضا وتبرز كلما وجدت لها منفذا.
        تحياتي أخي مصباح والحمد لله على سلامتك وعودة ميمونة إن شاء الله تعالى.
        النص يحتاج إلى إعادة نظر لتصحيح بعض الهفوات الإملائية والنحوية ويحتاج إلى تهوئة بين فقراته.
        تحياتي إليك.

        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • مصباح فوزي رشيد
          يكتب
          • 08-06-2015
          • 1272

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة حسين ليشوري مشاهدة المشاركة
          سرد سلس رقراق ولغة جميلة ببساطتها يجعلك تقرأ لا تتوقف، ذكريات الماضي مغروزة في تلافيف نفوسنا يغطي بعضها بعضا وتبرز كلما وجدت لها منفذا.
          تحياتي أخي مصباح والحمد لله على سلامتك وعودة ميمونة إن شاء الله تعالى.
          النص يحتاج إلى إعادة نظر لتصحيح بعض الهفوات الإملائية والنحوية ويحتاج إلى تهوئة بين فقراته.
          تحياتي إليك.

          أهلا بشيخنا وأبينا العزيز، نحمد لله على عودتك سالما معافى. يعلم الله كم اشتقنا لك ولنصائحك الجليلة. نحن بالفعل في حاجة إلى من يهتم ويتابع ويقوّم ويصحّح ويصوّب. نخطأ وبإخطائنا نتعلّم، والكتابة فن وموهبة، والمواهب تحتاج إلى صقل، والحالة النفسية للكاتب، والظروف التي تحيط به كذلك، لها كلمتها. ونحن نحاول قدر الإمكان عدم التخلّي عن الكتابة فهي المنفذ السرّي والمتنفّس الوحيد الذي تبقّى لنا في هذا العالم. شكرا استاذنا الجليل على تواضعكم، وهذا الاهتمام المميّز الذي نحظى به، وحضوركم الدّائم المشجّع لنا. أشرتم إلى الأخطاء وبعض الهفوات فهلا تكرّمتم بالتّصويب، ولتعميم الفائدة. فلا تبخلوا علينا بما حباكم الله وفضّلكم به. حفظكم ورعاكم.
          لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

          تعليق

          • سعد الأوراسي
            عضو الملتقى
            • 17-08-2014
            • 1753

            #6
            نتابع ما هو قريب منا جدا
            ونحس بمرارة تاريخه
            تحيتي لك أخي مصباح

            تعليق

            • حسين ليشوري
              طويلب علم، مستشار أدبي.
              • 06-12-2008
              • 8016

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مصباح فوزي رشيد مشاهدة المشاركة
              أهلا بشيخنا وأبينا العزيز، نحمد لله على عودتك سالما معافى. يعلم الله كم اشتقنا لك ولنصائحك الجليلة. نحن بالفعل في حاجة إلى من يهتم ويتابع ويقوّم ويصحّح ويصوّب. نخطأ وبإخطائنا نتعلّم، والكتابة فن وموهبة، والمواهب تحتاج إلى صقل، والحالة النفسية للكاتب، والظروف التي تحيط به كذلك، لها كلمتها. ونحن نحاول قدر الإمكان عدم التخلّي عن الكتابة فهي المنفذ السرّي والمتنفّس الوحيد الذي تبقّى لنا في هذا العالم. شكرا استاذنا الجليل على تواضعكم، وهذا الاهتمام المميّز الذي نحظى به، وحضوركم الدّائم المشجّع لنا. أشرتم إلى الأخطاء وبعض الهفوات فهلا تكرّمتم بالتّصويب، ولتعميم الفائدة. فلا تبخلوا علينا بما حباكم الله وفضّلكم به. حفظكم ورعاكم.
              أحسن الله إليك أخي الفاضل مصباح كما أحسنت إلى أخيك الضعيف بتقديرك الكبير وجزاك الله عني خيرا دائما وأبدا، آمين.

              ثم أما بعد، التّعلم بالخطأ من أحسن سبل التّعلم لنا جميعا وبالنقد البناء نرتقي لمن يقدر النقد؛ وصنفان من الناس لا يتعلمان أبدا: المستحي والمتكبر، فالأول لا يسأل لحيائه والثاني يرد النصح لتكبره، نسأل الله السلامة والعافية، آمين.

              الكتابة في هذه المنصات الأدبية وبهذه الوسائل الحديثة تتيح فرصا لإخراج النص في صورة بهية راقية رائقة لا تتيحها الوسائل القديمة التقليدية، ومن طرق الإخرج الجميل تهوئة النص بالفراغات الكافية حتى يظهر في صورة "مضيئة"، فتقسيم النص إلى فقرات متباينة، والفقرات إلى جمل بينة يساعد على القراءة وتتبع تسلسل الأفكار كما أنها تساعد على أخذ نفسٍ خلال القراءة، وهكذا...

              شكرا جزيلا على الترحيب الكريم وعلى روحك الأدبية العالية.

              تحياتي إليك ومحبتي لك.

              sigpic
              (رسم نور الدين محساس)
              (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

              "القلم المعاند"
              (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
              "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
              و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

              تعليق

              • مصباح فوزي رشيد
                يكتب
                • 08-06-2015
                • 1272

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة سعد الأوراسي مشاهدة المشاركة
                نتابع ما هو قريب منا جدا
                ونحس بمرارة تاريخه
                تحيتي لك أخي مصباح

                ولكم منا أزكى التحايا وأجملها وأنداها وأطيبها أستاذنا الميمون شكرا على مروركم الكريم.
                لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                تعليق

                • مصباح فوزي رشيد
                  يكتب
                  • 08-06-2015
                  • 1272

                  #9
                  (2)
                  شتنمبر.. شتنبر.. سبتمبر.. أيلول... بكل اللّغات أُناديك. يا شهرا فيه وُلدتُ، وترعرعتُ، وعملتُ، وتزوّجتُ، ومن رحمه الغائر أنجبتُ البنين والبنات. لماذا أنت دائما حزين هكذا؟ ألأنّك مثلي؛ تعاني من الوحدة والكآبة، وليس لنا من ذنب سوى أن الأقدار جمعت بيننا وجعلتنا شبيهين؟ وأرادت أن نكون محطّمين، وحيدين، ولا من يرعانا؟.
                  - " يا سيدي عمار شوف لحالي لك وعدة إذا وفّيت " لطالما توسّلت والدتي للولي الصالح صاحب الضّريح، وجدرانه التي تحيطها بقايا الشموع وآثار أصابع الأيدي المخضّبة بالحنّاء من كل جانب، شاهدة على توافد الخادمين من المستغيثين و المستغيثات، والموجود داخل حرمة الجبّانة بقبورها المنسيّة، وبجانبه "عين لبّايض" المشهورة بمائها العذب الّرّقراق كأنّه اللّؤلؤ المكنون، يتوافد عليها العطشى من كل فج وصوب:- " هذه مدّة وسنين لم تنضب"هكذا يتحدّث الأهالي عنها ويذكرونها بحب واحترام. فهي أمّهم التي تنبض بالحياة، وجدّتهم التي لم يتوقّف عطاؤها على مرّ السنين، ورغم مواسم الجفاف.
                  رُزقت أُمّي، وخلّفت بنتا من بعدي. لكنها مافتئت تذكر " سيّدها عمّار " الولي الصّالح صاحب الضّريح القديم. لاتزال توعده بشموع حتى قهرها اليأس والمرض. كثيرا ما كانت تعاني والدتي من الهواجس والقلق، والوحدة والكآبة. لم تجد المرحومة من يقنعها آنذاك. سواء من الأطبّاء على قلّتهم، أو من السحرة والمشعوذين الذين وجدوا ضالّتهم. لم يكن هناك أخصّائين وقتئذ. لقد عاشت وماتت أمي بحسرة أنّها لم تكتشف طبيعة مرضها اللّعين؛ هل كان فعل فاعل؟ أم أن هذه هي ناصيتها، وحظّها ونصيبها من الدّنيا؟
                  التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 09-09-2020, 11:04.
                  لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                  تعليق

                  • مصباح فوزي رشيد
                    يكتب
                    • 08-06-2015
                    • 1272

                    #10
                    (3)
                    وقفتْ جنب النّافذة، تراقب حركة المرور وتكلّم نفسها: " عند الرقّاصة بلاشك ، بل في فراشها، بل هو الآن بين أحضانها ا؟". وراء كل سؤال شكّ ومعاناة. ما يزيد في شكوكها أيضا، هو حين ينزع جواربيه المقرفين فتبدو قدماه مخضّبتين: "عريس جديد".
                    • بشزر تراقب المشهد وتتمتم.

                    أرهفُ إليها بسمعي، وهي تتاوّه، فأقول في نفسي:
                    • "إلى متى هذه المعاناة الزّائدة؟".

                    • "هل كان ينبغي أن أُعاني مثلها؟".
                    • "لماذا يارب؟".
                    • "لماذا أنا بالذّات ؟".
                    • ماذا فعلتُ لك حتى أكون أنا من يتحمّل عبء هذا الزواج المتعب وعواقبه المزرية ؟ ".

                    لم تكن هذه المعاناة الشّديدة لتمرّ هكذا دون أن تترك أثرها على نفسي المرهفة. كانت كلما كبُرتْ هواجسها تفكّر في الانتحار؛ كنت برعما صغيرا ، لا أعرف معنى ما تفعله ولا أجد تفسيرا له، حين رأيتُها ذات مرّة تخنقُ نفسها بـ" المَحْرُمة" منديل الرّأس. من حينها وأنا أراقبها ولا أتخلّى عنها، ولا أغيب من البيت إلاّ لحاجة ماسّة وضّرورة قصوى. لقد طالت معاناتها حتّى كرهتُ الحياة مكانها ، وسئمتُ من الوجود.
                    • لماذا نتزوج؟
                    • لإشباع غريزتنا العمياء؟ا أم إرضاءً للأصول ؟ا.
                    • أم هو التّباهي بالذّات المعفّنة، والتّماهي مع الممارسات والتقاليد القديمة البائدة، ولا من يكترث بشأن الأبناء الضائعين وسط القطيع. والذين حتما سيتوارثون الخطايا عن زواج بهيمي يشترك فيه الجميع؛ الأباء والأصول وبعض الحضور من المدعوين والمهرّجين الذين لا يهمّهم سوى الجلوس حول الموائد و القصاع و الفرجة والاستمتاع، والفضول الزّائد.
                    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 08-09-2020, 10:11.
                    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                    تعليق

                    • مصباح فوزي رشيد
                      يكتب
                      • 08-06-2015
                      • 1272

                      #11
                      (4)
                      (ڤرزيز) أحد الأقرباء، اكتسب هذا الاسم، ولم أكن ولا أعرف حتّى السّاعة الأسباب ولا الدّوافع التي جعلت الآخرين يطلقونه عليه. وكل ما أعرفه هو إن هذا الإسم مأخوذ من اللّهجة " الشّاوية " و مرادفه ومعناه ( الأٍرنب) في الّلّغة العربية.
                      تربّى (ڤرزيز) يتيمًا بلا أم. وتخلّت أمّه عنه وهو صغير، فتزوّج أبوه، وارتحلت أسرته إلى تونس الخضراء. وهناك، في أرض اللّجوء التي أقام بها أعواما، فتح عينيه على الفن والتّراث العربي الأصيل، وتشبّع بالثّقافة الشّرقية، في وقت كان فيه الشّعب الجزائري يعاني من التغريب ومحاولات طمس الهويّة. بعد رحيلنا إلى مدينة ( عنّابة ) السّاحلية حيث يعمل والدي - رحمه الله -، مكث معنا الفتى الشّاب فترة، لا أتذكّر مدّتها بالضّبط وذلك لحداثة سنّي آنذاك وكنتُ حينها لا أتجاوز ثلاثة أو اٍربعة أعوام على أقصى تقدير . وبعد عودتنا إلى بلدتنا الأصلية مسقط الرّأس، حصل (ڤرزيز) على شغل وأقام بها.
                      أُصيب هذا القريب بإحباط شديد حين قرّر أبوه أن يزوّجه من ابنة عمّه البدوية "بنت الدوّار "، ودخل في دوّامة أحزان لم يخرج منها إلاّ بعد رجوعه إلى بلدته مكان إقامته وإقامة أسرة أبيه الأصليّة. وبسببه، الزّواج، لم يعد يكترث الزّوج الشّاب بشأن زوجته "البدويّة"، ولا بالعودة الى بيت الزّوجيّة. فكان يقضي أغلب أوقاته معنا، وبالأخص معي، وهذا بالرّغم من فارق السن الذي بيننا، وكان يفوقني ببضع عشرة سنين. تعلّمتُ منه أمورا كثيرة، الّسّلبية منها خاصّة.
                      كان
                      (ڤرزيز) مثل المرحوم أبيه، يصنع البهجة، ويُحبّ الفرح والمرح. وكان قد جلب معه ذاكرته القويّة من تونس الخضراء، أرض اللّجوء، ومعها شغفه الكبير بالفن.كنتُ أترقّب قدومه عند نهاية كل أسبوع، يحمل معه مشغّل الاسطوانات القديم لنسمع معا أغاني العندليب الأسمر، وكوكب الشرق، ووردة أميرة الطرب -كما كانت تُلقّب-، وفريد، وعبد الوهاب وغيرهم من الفنّانين والمطربين المشارقة... فكنتُ أسهر معه اللّيالي الطويلة ولا أحبّ أن أنام، وندخّن أنواع السّجائر و نتعاطى الحشيش، وكان يُسمّى " الكيف "... حتى شحب لوني وأُصابني الإرهاق. وتميّعتُ، وأهملتُ دروسي وواجباتي، وكدتُ أرسب. كل ذلك والمغفور له -بإذن الله- والدي العزيز - طيّب الله ثراه - منشغل عنّي بأشياء قد لا ترقى إلى مستوى المسئولية التي في عنقه.

                      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 10-09-2020, 20:17.
                      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                      تعليق

                      • عمار عموري
                        أديب ومترجم
                        • 17-05-2017
                        • 1300

                        #12
                        يا ربي !
                        ما كان أشقى حياة هذه الأم المسكينة رحمة الله عليها
                        وكم كانت أليمة الأحدات التي مرت بها
                        قلبي انفطر ودمعي انهمر تعاطفا معك الحبيب فوزي
                        سأكون بجنبك حتى تفرغ كل ما حز في قلبك سابقا
                        وتكون نهاية الأحداث سعيدة بإذنه تعالى

                        تحيتي ومحبتي

                        تعليق

                        • مصباح فوزي رشيد
                          يكتب
                          • 08-06-2015
                          • 1272

                          #13
                          (5)
                          كقطعة غيّار متآكلة في آلة قديمة؛ أعمل ليل نهار ولا أكلّ. لا أنا ولا غيري سعيد بالجوار. شعور بالغربة يتملّكني. غريب أنا في وطني وبيتي.. إحساس يلفّني.. هواجس تؤرّقني. أحنّ إلى الماضي وذكرياته. حنين شّاعر متيّم أضاع الطّريق. أنفر من البيت.. أفرّ منه مسرعا.. أبحث عن أيّ شيء يُنسيني هموم الحياة. أتطلّع إلى بعض الفتيان الأكبر منّي سنا وبسطة و قدرة، حين أراهم مع بنات الحي أشعر بالغيرة والإحباط. وجدتُ سلوتي في جارتي الصّغيرة :كنا صغارا في سن البراءة.. تجمعنا الألفة والصّداقة.. نتسلّل إلى حقول القمح والشّعير، القريبة من بيتنا. توّاسيني بعدد من السّجائر، سجائر التّبغ الأسمر. تسرقها من أبيها " الزّوالي "، ولم يكن لدى الشيخ المسكين من مورد يعول به الأسرة التي تفتقر بدورها إلى ذكر يعين الوالد العجوز على صروف الدّهر ونوائبه، سوى سقط المتاع ؛ عدد قليل من الدّواجن يحرس على جلبها بأقل التكاليف ثم يعيد بيعها بثمن زهيد. حتّى أنّه لُقّب بـ"بو دجاج"، لكثرة اعتماده على هذا العمل الحقير. أم العيون العسليّة والشّعر البنّي المسترسل، صديقتي الصّغيرة التي افتقدها الآن وأنا على أبواب الشّيخوخة أتهادى، و جارتي التي ظلّت تتودّد إليّ ببعض السّجائر، غجرية الأصل والمنبت ا؟. من (مسيلة)، من قبيلة "بني عداس" "المنسيّة". لم أكن أعرف قيمة الجمال يومها، ولا معنى اللتّضحية. كيف حتّى فاتني ذلك ؟ا ألا لعنة الله على الجهل والفقر.

                          التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 14-04-2021, 13:08.
                          لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                          تعليق

                          • سلمى الجابر
                            عضو الملتقى
                            • 28-09-2013
                            • 859

                            #14
                            مأساة أسرية بحق
                            أحسست بما جاء فيها مشاعر
                            وتعاطفت كثيرا مع شخصياتها
                            قد يكون الانفعال الشديد حين كتابتها هو سبب حصول بعد الأخطاء اللغوية التي سيستدركها الكاتب بعد مراجعة مجمل الحلقات المنشورة إلى حد الآن.

                            وفق الله أستاذنا وأديبنا مصباح فوزي رشيد إلى تتمة البقية من هذه المأساة العائلية
                            والتي سنأخذ منها حتما دروسا اجتماعية وعبرا في غاية الأهمية

                            لك شكري وتقديري الكبير على هذا الجهد الأدبي الذي يستحق الثناء.
                            مع تحيتي.

                            تعليق

                            • مصباح فوزي رشيد
                              يكتب
                              • 08-06-2015
                              • 1272

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة سلمى الجابر مشاهدة المشاركة
                              مأساة أسرية بحق
                              أحسست بما جاء فيها مشاعر
                              وتعاطفت كثيرا مع شخصياتها
                              قد يكون الانفعال الشديد حين كتابتها هو سبب حصول بعد الأخطاء اللغوية التي سيستدركها الكاتب بعد مراجعة مجمل الحلقات المنشورة إلى حد الآن.

                              وفق الله أستاذنا وأديبنا مصباح فوزي رشيد إلى تتمة البقية من هذه المأساة العائلية
                              والتي سنأخذ منها حتما دروسا اجتماعية وعبرا في غاية الأهمية

                              لك شكري وتقديري الكبير على هذا الجهد الأدبي الذي يستحق الثناء.
                              مع تحيتي.
                              بداية، أُهنّئكِ على هذا المنصب الجديد وأرجو أن يُعينكِ الله عليه. كما أودّ أن أشكركِ على مجهودكِ الطيّب وهذا الاهتمام الذي حظي به نصّي المتواضع الذي أتمنّى أن يرقى بصاحبه إلى مصاف المتمكّنين الجديرين بالاحترام.
                              أمّا ما تقولين إنّه " حصول بعض الأخطاء اللغوية التي سيستدركها الكاتب " فلم يعد بإمكان العبد الضّعيف استدراكها وآمل أن تتكرّمي بتصويبها قبل التمادي فيها تفضّلي أُخيّتي: مبجّلة. هذا شأن المعالجين النّاصحين وما على الخطّائين أمثالي سوى العمل بالوصفة إذا ما أردتُّ أن أتعلّم وأستفيد وأُفيد. دمتِ ودام الودُّ والعطاء.
                              التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 27-09-2020, 14:24.
                              لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                              تعليق

                              يعمل...
                              X