(1)
إنّه العيد، في كل يوم عيد أُفّكّر في زيارة أمّي الكبرى، جدّتي المقعدة، تصلّي كثيرا وتسبّح طول النّهار ولا تسأم؛ مهما تكلّم النّاس من حولها لاتقطع صلواتها ولا تسبيحها إلا لأمر جلل.تعاني جدّتي من أمراض عديدة القلب والسّكري وارتفاع الضّغط وغيرها من الأمراض الشّائعة، ورغم ذلك فصاحبة بضع والتسعين عاما لا تفتر عن صلواتها وتسبيحها ولا تمل؛ أكثر ما آلمها رحيل أُمّي المبكّر؛ قطعت أذكارها هذه المرّة لتقول متأسّفة: "الشايب حمو، صاحب جدّك هو السبّب في زواج ابنتي".
صاحب جدّي هذا هو رفيق دربه أمضى معه الخدمة العسكرية تحت العلم الفرنسي وتعرّض معه إلى السّجن من طرف الألمان أيّام الاحتلال النّازي، وكنتُ دوما أراهما معا حين أمرّ بالمقهى، يمضيان الأوقات في " الدومينو" و"الكارتا" هوايتهما المفضّلة؛ كان "الشايب حمّو" ضامنا على ما يبدو، لو كان هذا الشّخص يدرك خطورة الجمع بين النّقيضين، كالجمع بين سلكي الكهرباء لما ضمن.
- "على ظهر حمار حملوني وسافروا بي في ليلة شتاء قاسية لينتهي الموكب بمقر العائلة الجديد، بيت أبيك، وجدّك الأكبر"؛ لم تنتهِ معاناة والدتي - طيّب الله ثراها- حيث واصلت كلامها المحزن، والذي لايزال عالقا بذاكرتي:"و في تلك اللّيلة المشؤومة تحرّش بنا جنود الاحتلال على إثر هجوم قاده العسكر على المنطقة، ليتم إبطال العرس وتأجيل الفرحة".
تسارعت بي الأيام ولم أشعر إلا وأنا طفل بين أبناء العمومة والأقران، أمرح معهم وأتعلّم منهم، وليس هناك من يوجّهني أو يراقبني.
نشب خلاف بين الأبوين وشيئا فشيئا أخذت الهوّة بينهما تتّسع وتتسع...، ومعها بدأ الشعور بالحزن والكآبة يكبر؛ لاشيء يعوّض الأم، لا معنى للحياة من دون استقرار في البيت.
يتبع .../...
تعليق