- الفتح الاسلامي وسكان شمال افريقيا:
مقدّمة:
بعد أن توفي النبي محمد عليه الصلاة والسلام عام 632م، تولّى حكم المسلمين مجموعة من الخلفاء الذين سعوا إلى نشر الاسلام في شبه الجزيرة العربية وتمكنوا من فتح العديد من الأراضي المجاورة لهم، وفي عهد الحكام الأمويين توسعت الطموحات، حيث زحفت الجيوش العربية أبعد في شمال إفريقيا ليتمكّن المسلمون في نهاية القرن السابع الميلادي من بسط نفوذهم بشكل كامل على دول جنوب البحر الأبيض المتوسط ومعها إسبانيا والقضاء على الحكام البيزنطيين وثورات السكان المحليين الذين عرفوا باسم (البربر).
- الفتح الاسلامي:
تعتبر دراسة فترة فتح إفريقيّة والمغرب من أعسر دراسات فترات التاريخ لقدمها وندرة مصادرها، بل ونقلها عن بعضها بعضا، وخاصة اختلاط رواياتها بالأساطير والكرامات والموضوعات وقد اعتمدنا على ما جاء في الموسوعة التونسية لنقل التواريخ ومختلف الآراء التي تحدثت عن هذا الفتح.[1]
ويمكن اعتبار الواقدي(ت 208هـ/823م) مؤلّف المغازي، من أبرز أعلام الرواية الشرقية التي رواها عن الفاتحين، ونقلها عنه ابن الأثير والبلاذري.
أما الرواية الافريقية فترجع بعض الأخبار إلى أبي المهاجر دينار الذي يقال حسب أحد أحفاده إنّه وضع كتابا في غزوات إفريقيّة، وتبدو الرواية الأندلسيّة التي يمثّلها الورّاق
(ت 363هـ/973 - 974م) متأخّرة نسبيّا ومزيجا بين الروايتين الشرقيّة والإفريقيّة، وهي التي اعتمدها المالكي والرقيق القيرواني (ت417هـ/1026م).
وقد آثر الباحثون في الموضوع اعتماد الرواية المصريّة التي يمثّلها ابن عبد الحكم (ت 257هـ/871م) بكتابه "فتوح مصر والمغرب" لموضوعيتها وبعدها عن التمجيد[2]. ففي خلافة عمر بن الخطّاب فتح عمرو بن العاص فلسطين ثم مصر سنة 21هـ، فبرقة سنة 22هـ، ووصل إلي جبال نفوسة سنة 23هـ، وعندما فكّر في فتح إفريقيّة استأذن عمر بقوله: "إنّ الله قد فتح علينا طرابلس، وليس بيننا وبين إفريقيّة إلاّ تسعة أيّام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها ويفتحها الله على يديه فعل."
فكتب إليه عمر:" لا، إنّها ليست بإفريقيّة، ولكنّها المفرّقة، غادرة مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت." (ابن عبد الحكم ص 232).
وعندما تولّى الخلافة عثمان بن عفّان عزل عمرو بن العاص، ونصب مكانه على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة 25هـ/647م. فكان يبعث إلى إفريقيّة جرائد من المسلمين فيصيبون أطرافها ويغنمون. فاستأذن عبد الله عثمان في فتحها، فاستشار عثمان الناس. ولمّا اجتمع المجاهدون خرجوا إلى إفريقيّة سنة 27هـ/649م بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح في جيش العبادلة السبعة الذي يضمّ عشرين ألف مقاتل بعضهم من الصحابة.
انتصر المسلمون على جرجير (حاكم البيزنطيين) في سبيطلة، وقيل إنّ قاتله هو عبد الله بن الزبير، فعقد مع البربر صلحا مقابل ثلاثمائة قنطار ذهبا، وعاد إلى مصر سنة 28هـ/650م، دون أن يولّي عليهم أحدا. (تح. كولان وبروفنسال، ط. ليدن 1948). ويذكر ابن عذاري في "البيان المغرب" أنّ عبد الله بن سعد غزا إفريقيّة ثانية سنة 33هـ/655م، إثر نقض البربر الوعد. ومنذ تلك السنة إلى سنة 45هـ/666م توقّفت الفتوحات بسبب الفتنة التي نشبت إثر مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وبقي العالم الاسلامي ينتظر نتيجة الصراع حتى آلت الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان، فأرسل معاوية بن حديج الكندي لفتح إفريقيّة، فانتصر على نجفور بسوسة، وفتح حصن جلولة. وكان أوّل من اختار قيروانا (بمعنى معسكر)، قرب قيروان اليوم.
وفي سنة 50هـ/670م عزل معاوية بن أبي سفيان معاوية بن حديج، وولّى عقبة بن نافع الفهري قيادة الفتوح. وقد كان فاتحا في نواحي فزّان، فدخل البلاد مباعدا الساحل، ولم يجد مقاومة. ولمّا لم يعجبه قيروان معاوية سار حتّى نزل بقيروان اليوم وقال: "إن ّ إفريقيةّ إذا دخلها إمام تحوّموا بالإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم بها وارتدّ إلى الكفر. وأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تجعلوا بها عسكرا وتكون عزّ الاسلام إلى آخر الدهر." [3]وركز رمحه وقال: "هذا قيروانكم"[4]. وكان هذا التأسيس سببا في عزل عقبة في السنة الموالية من قبل مسلمة بن مخلد والي مصر والمغرب، وتعويضه بمولى هو أبو المهاجر دينار الذي أصبح أميرا على إفريقيّة من سنة 55هـ/675م إلى سنة 62هـ/682م. وقد أسلم على يديه كسيلة (زعيم البربر) وعدد كبير من قومه. وكان أوّل من أقام بها[5].
غير أنّ عقبة الذي أساء أبو المهاجر معاملته غداة عزله رفع الأمر إلى يزيد بن معاوية فردّه واليا على إفريقيّة، فكان أن قيّد كسيْلة وأبا المهاجر بالأصفاد وحملهما معه في غزواته في طنجة والسوس سنة 61هـ/681م إلى أن كاد له كسيلة بتهودا سنة 63هـ/683م، فتوجّه إليه زهير بن قيس في السنة الموالية فقتله[6] .
وفي سنة 73هـ/693م قدم حسّان بن النعمان من قبل عبد الملك بن مروان. وبعد حروب هزم الكاهنة زوجة شيخ قبيلة جراوة من البتر في واقعة سمّيت ببئر الكاهنة، وذلك سنة 76هـ/699م بفضل خالد بن يزيد الذي كانت الكاهنة استبقته ممّن أطلقت سراحهم عندما انتصرت على حسّان بن النعمان في معركة مسكيانة. وبذلك استتبّ لحسّان الأمر، فدّون الدواوين ووضع الخراج على عجم إفريقيّة ونصارى البربر، وأنشأ ميناء تونس ودارًا لصناعة السفن لتعزيز الأسطول الافريقي أمام أسطول البيزنطيين، وحطّم قرطاج عاصمة الحكم البيزنطي بالمقاطعة الإفريقيّة. وبذلك تمّ فتح إفريقيّة، ثمّ تحقّق فتح المغرب سنة 86هـ/705م، فالأندلس سنة 93هـ/712م على يد موسى بن نصير وقائده طارق بن زياد.
وقد قابل جانب من البربر هذه الفتوحات بانخراط مصلحي في حضارة الإسلام طلبا للجاه والعزّة إلى حدّ جعلهم يبدلون أنسابهم البربرية بأنساب عربيّة، بكلّ أمل وفخر. وقد كان البرانس من البربر أكثر إقبالا على الإسلام واندماجا في العرب باعتبار أن سكاّن المدن أكثر من البدو قابليّة للتأثّر والتمدّن. فنشأ جيل المولّدين من آباء عرب وأمّهات بربريّات، وكان عاملا ساعد الإسلام على الانتشار، إلى جانب خشية البربر من الانقراض، ورغبتهم في عدم دفع الجزية. هذا فضلا عمّا أشار إليه ابن خلدون من أن ّ المغلوب مولع بتقليد الغالب، ومن أن البربر يشبهون العرب في حياة البداوة.
أما البربر من البتر فقد وقفوا في وجه الفاتحين معتبرين إيّاهم غزاة. فكانوا يرتدّون إلى وثنيتهم أو إلى مسيحيّتهم كلّما عاد الفاتحون من حيث أتوا. وقد قويت هذه العصبيّة عندما انتبه البربر إلى أنّ نيّة الفاتحين الأوائل، إنّما هي السلب والسبي. ثمّ ضعفت هذه العصبيّة أمام بعض الفاتحين بسبب حسن معاملتهم لهم، لكنّها قويت بانتهاج بعض الفاتحين والقواد سياسة الترهيب التي انتهجها عقبة متأثّرا بخالد بن الوليد، وهو ما عجّل بعزله. فلقد كان يتخذ جنده الخاص من البرابرة ويحتقرهم دون أن يستثني قوادهم. فكان أن نفروا منه وتألّبوا عليه، وثاروا بقيادة كسيلة، فقتل وافتكّت القيروان. تلك الدوافع وهذه العراقيل قد تجابهت وتفاعلت بجلاء طيلة القرن الأول، فانتهت بإفريقيّة إلى الإسلام في العقد الثامن منه، إلاّ أنّها واصلت عملها في الخفاء وبرزت فيما بعد في عدّة مظاهر وأشكال ومناسبات، تعتمد العصبيّة أساسا وترمي إلى السياسة أو إلى المذهبيّة الدينيّة هدفا، ممّا يدعو إلى القول بأن إفريقيّة لم يتمّ إسلامها إلاّ بعد القرون الأربعة الأولى.
فالدولة الزيريّة، وهي متأخّرة بالنسبة إلى الفتوحات وإلى الدولتين الأغلبية والفاطميّة، قد قامت على العصبيّة البربريّة ممثّلة في قبيلة صنهاجة، مثلما قامت سابقتها على قبيلة كتامة.
- مقاومة سكان (افريقية) للفتح:
قبل قدوم العرب إبان الفتوحات الإسلامية إلى شمال إفريقيا في القرن السابع الميلادي، كانت شعوب البربر تسكن هذه المناطق الخاضعة إلى سلطة الروم البيزنطيين، وتقطن أكثرها الجبال الوعرة والصحاري. ويؤكد ابن الأثير أن مهمة الفاتحين لم تكن سهلة، فقد كان عليهم محاربة البيزنطيين ومن تحالف معهم إضافة إلى مواجهة ملوك القبائل البربرية الثائرة ومنهم كسيلة والكاهنة.
- كسيلة البربري:
كسيلة بن لمْزَم أو كَسيلَة، ، كان حاكما على ولاية المغرب، وملك قبائل الأوْرَبة البربرية، وهو حلف واسع لقبائل البرانس التي كان أغلبها حضرا. وكان لأرض أوْربة آنذاك مركز هو جهة تلمسان، بوماريا (Pomaria) القديمة، وكان يمتدّ من غرب الأوراس إلى وليلة (Volubilis) إلى شمال فاس.
سنة 55هـ/674م، حين قدم المولى أبو المهاجر دينار من مصر لتعويض عقبة بن نافع، اختار سياسة جديدة تعتمد على المصالحة مع البربر عوض القوة فالتقى بكسيلة الذي أعلن اسلامه وتمكن أن يعقد معه حلفا. واستقرّ من ذلك الحين مع أبي المهاجر في تكروان، التي عوضت العاصمة التي أسّسها عقبة بن نافع، والتي يشير اسمها، بسابقته، إلى برنامج كامل للحلف العربي البربري.
وانجرّ عن موت معاوية مؤسّس الدولة الأموية تغيير في السياسة. حيث عاد عقبة، سنة 62هـ/681م، من جديد إلى إفريقية. وفي عهده، عادت سياسة إخضاع البربر بالقوّة، بأعنف ممّا كانت عليه. وكان أوّل أعماله أن ألقى بأبي المهاجر في الأغلال، وسجن كُسَيلة، وأعاد إلى العاصمة، اسمها القديم والمكان الذي اختاره لها في فترة حكمه الأولى. وشرع يجرّ في إثره أبا المهاجر وكُسيلة، في زحفه الكبير الذي سيوصله إلى المحيط الأطلسي. وفي الطريق، وعلى الرغم من تحذير أبي المهاجر، تفنّن في إهانة "الملك" البربري. وأمره له، بسلخ كبش في حضرته.
وهو الأمر الذي اعتبره اتباعه إهانة كبيرة لملكهم فقرّروا مقاومته وبالفعل، تحالف البرانس، مع البيزنطيّين. واتّصل الأوْربة سرّا بزعيمهم كسيلة. وفرّ كُسَيْلة، من عقبة، وتزعّم المقاومة. كان عقبة قد أعاد أكثر قواته إلى القيروان، لإنجادها من تهديد البيزنطيّين ولم يحتفظ معه إلاّ بعدد قليل من الرجال (ثلاثمائة فارس)، حسب ما يروى.
وهكذا وجد عقبة نفسه جنوبي منطقة بسكرة، بتهودا (تايوديوس) في مواجهة كسيلة الذي جمع جيشا كبيرا من البرانس والبيزنطيّين، فلقي بها حتفه مع جميع رجاله.
ومن سنة 64 إلى 69هـ/683 - 688م، أصبحت القيروان عاصمة مملكة بربرية واسعة، يحكمها كسيلة الذي أكّد الشهود أنّه لم يرتدّ عن الاسلام. ويلاحظ ابن عذاري (البيان، ج 1، 31) قائلا: "أمّن كسيلة من بقي بالقيروان من المسلمين، وأقام بالقيروان أميرا على سائر إفريقية والمغرب، وعلى من فيه من المسلمين".
ولكنّ موجة الغزوات المشرقيّة على افريقية لم تتوقّف. فلما هدأت الأزمة التي اندلعت في المشرق بثورة ابن الزبير، اتجه زهير بن قيس البلوي من جديد مع جيش قوي إلى إفريقية ونازل كُسَيْلة، وانتصر عليه، ولكنّه فضّل أنّ يغادر البلاد بعد نصره، ليلقى حتفه، وهو في طريق العودة، ببرقة حيث هجم عليه البيزنطيّون من البحر وقتلوه.
- الكاهنة البربرية:
(القرن الأوّل هـ/السابع م)
يعتبر الباحثون أنّ اسم الكاهنة ليس سوى لقب أطلقه العرب على ملكة بربريّة رفعت شعار المقاومة أمام حملة الفتوحات الاسلامية إثر انهيار سلطة الروم في افريقية وسقوط قرطاج (73هـ/692 - 693م).. فيبدو أنّ اسمها دَهْية[7] وربما يكون (دهيا) أو أو دَاهيَة، أو دَحْيَة، اسم لقبيلة بربرية. وهناك اختلاف في شأن نسبها، وربما تكون الكاهنة من البربر ذوي الدّم المختلط، الناشئين عن زيجات مختلطة؟ وقد يساعد ذلك على تفسير سرّ نفوذها على البربر والبيزنطيّين أيضا.
كانت للكاهنة سلطة مطلقة على قبيلة جراوة، - وهي فرع من قبيلة زناتة التي ترتبط بالبُتر ذوي المعيشة البدوية والرعوية - التي اعتنقت المسيحيّة مثل قبائل أخرى كثيرة، ومن ضمنها قبيلة نفوسة. وحين دخلت الكاهنة مسرح التاريخ، كانت أرملة متقدّمة في السنّ.
وصاحبة السلطة على منطقة الأوراس حيث تأسّست، منذ سنة 477م، مملكة بربرية مستقلّة أولى حكمها يابداس (Iabdas) بعد ثورة مظفّرة على الوندال.
ومثلما كان كُسَيْلة زعيم حركة المقاومة للأطماع العربية في افريقية حيث جنّد البربر من البرانس الحضريّين، تزعمت الكاهنة البربر الرحّل من البتر.
وفي مرحلة أولى تمكّنت من الانتصار على جيوش حسّان بن النّعمان وطاردته إلى أرض قابس وألقت به خارج إفريقية وعاملت الأسرى العرب معاملة حسنة وتبنّت من بينهم، قائدا ذا نفوذ، هو خالد بن يزيد - ويسمّى أيضا يزيد بن خالد – الذي سيكون سببا في هلاكها بنقل أخبارها لصالح حسّان.وقد كانت ربّما ترغب في إقامة علاقات طيّبة مع العرب، وحملهم على التخلّي عن مراميهم في انتزاع أراضي البربر.
ولكن المرجّح أنّ فشل هذه السياسة هو الذي أدّى إلى قرارها اعتماد سياسة "الأرض المحروقة" بتخريب المدن وقطع الأشجار اعتقادا منها أنه كفيل بردّ أطماع الغازين.
ودارت المعركة الأخيرة في مكان يسمّيه بعض المؤرخين (طرفة)[8]، وآخرون يعتبرونه تحريفا (لطبرقة) - ، حيث تلاحم الطرفان، وسقطت الكاهنة قتيلة بجانب بئر سُمّيت طويلا باسمها.
[1] http://www.mawsouaa.tn/wiki
[2] "فتوح مصر والمغرب"(تحقيق عبد المنعم عامر، ط. لجنة البيان العربي).
[3] (حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، - ط. القاهرة، 1947، ص 157).
[4] (ابن عبد الحكم: 265)
[5] (ابن عبد الحكم: 266)
[6] (ابن عبد الحكم: 269)
[7] ذكره ابن خلدون (البربر، ق، 172،ترجمة دي سلان(De Slane)
[8] المالكي (رياض، ج1، ص 36) البكري (المسالك 57، الترجمة 121)، وابن ناجي (معالم، ج1، ص 61) وابن أبي دينار (المؤنس، 35)
تعليق