سعد أم السعد
"أم السعد" في العقد الخامس من العمر، أرملة، ذات جمال نسبي معتبر مقبول، جذابة في نفسها، ميسروة الحال لما ورثته من أزواجها الثلاثة السابقين ولما يصلها كل شهر من إيجار دكان لها أو كل عام من إيراد أرضها؛ تعيش "أم السعد" وحيدة في بيت فخم كأنه قصر صغير، ولا يكاد يزورها أحد وقد فقدت أبويها منذ مدة فلا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت ولا ولد؛ ترملت "أم السعد" ثلاث مرات، وفي كل مرة يترك لها زوجها الهالك ما يكفيها وما يسترها وما يغنيها عن الحاجة وعن الناس.
ورثت من زوجها الأول بيتا محترما، كان بَنَّاءً متمكِّنا في مهنته معروفا، يطلبه الناس لما يُجيده من البناء ولما يجدونه فيه من أمانته وحسن عشرته، عاشت معه عشرة أعوام في رخاء وهناء وقد أحبته "أم السعد" حبا جما فهو سعدها الأول؛ ومرة، وقد كان على سطح المنزل الذي كان يشتغل عليه، انزلق على القرميد المبلل بالمطر فسقط على الأرض جثة هامدة؛ أسفت "أم السعد" على زوجها أسفا شديدا دام مدة طويلة ظنت أنها لن تتأسى منه أبدا غير أن الأيام كفيلة بمداواة الجراح؛ ورثت من زوجها البيت المحترم ونصيبا وافرا من المال وورثت أيضا ترملها الأول.
مكثت "أم السعد" مدة أرملةً ثم تزوجها فلاح يملك قطعة أرض واسعة وله جرار جديد اقتناه من فترة وجيزة فقط، وذات يوم وبينما هو في حقله يقلب الأرض هنا، ويقلم الأشجار هناك، وينزع الأعشاب الضارة هنالك، ويصلح السياج هنا وهناك، وإذا به يرى الجرار الجديد قادما عليه كأن جانا يقوده بعصبية وقد كان في منحدر، فاحتار الرجل: هل يفر وينجو بنفسه أم يقفز إلى الجرار يفرمله فيوقفه فينقذه من التحطم؟ فاختار الثانية وركض نحو الجرار لكنه من العجلة أخطأ العجلة فمر الجرار فوقه محطما ضلوعه ومخلطا أحشاءه ببعضها، فلم يبلث في المشفى إلا قليلا حتى هلك هو الآخر، وهكذا ترملت "أم السعد" للمرة الثانية وورثت من زوجها الأرض والجرار الجديد و... الترمل الثاني.
وبعد مدة أيضا، خطبها تاجر ثري فَقَدَ، هو الآخر، زوجته من فترة، وبعد تردد قبلت الزواج به وتم لها ذلك وقضت معه فترة من حياتها تُحسد عليها إلا أنها وفي يوم من الأيام وقد كان زوجها التاجر في سفر بالباخرة إلى بلد بعيد، فاجأها خبر غرق السفينة في ظروف عاصفة هوجاء لم ينجُ من الغرق أحد حتى طاقم السفينة، فورثت "أم السعد" المتجر والمال والترمل الثالث...
حزنت "أم السعد" حزنا شديدا على زوجها الثالث التاجر الهالك، كما حزنت من قبل على زوجيها السابقين البناء والفلاح، وحزنت أشد على حظها المتعثر مع الأزواج، وعلى النحس الذي يتابعها وإن كانت ورثت منهم جميعا ما يكفيها وما يسترها وما يغنيها عن الحاجة وعن الناس.
مرت الأيام، بل الأعوام، على "أم السعد" ثقيلةً مؤلمةً مؤذيةً لما كان يصلها من غيبة الناس، ولا سيما النساء، لها: أنها "قاتلة الرجال"، فما يتزوجها رجل إلا هلك، فلم يتجرأ أحد على التقدم إلى خطبتها من شؤمها ونحسها رغم ثرائها البين المريح وما تحت يدها من تراث مثيرللغبطة وللحسد والعين؛ وتمر الأيام ببطئ زادتها قلة النوم بطءا وثقلا ورتابة.
في كل مساء، عندما تأوي إلى فراشها عساها تنام لتنسى ما يقال عنها تغزوها الهواجس فتُأخر عنها النعاسَ فتأرق مدة، أو توقظها الكوابيس المزعجة في ظلمة الليل فلا تستطيع العودة إلى النوم، فمرة ترى نفسها تهوي من شاهق، ومرة ترى كأن جرارا يطاردها ولا تدري لماذا؟ ومرة ترى نفسها تغرق فتختنق، ومرة ترى امرأة تجري وراءها تهددها بسكين كبير تريد نحرها، أو تستيقظ باكرا جدا مع انبلاج الفجر قبل صياح الديوك فتبقى تتقلب في فراشها الوثير لا تستطيع الهجوع فكانت ترثي لحالها وتبكي بحرقة ومرارة كلما زاد ضغط الوحدة وشدة الغيبة، وهكذا...
وتمر عليها السنون، وكانت تعد السنة سنتين كلما تقدم بها العمر، وهي وحيدة منعزلة في بيتها لا يكاد يزورها أحد إلا القليل من عائلتها، من الطامعين في مالها؛ أو من بعض الجارات للتجسس عن حالها؛ وكانت تعلم هذا عن الجميع لكنها كانت تكسر الرتابة بالثرثرة مع من يزورها من الطامعين أو من الجواسيس؛ لم تنجب من أزواجها الثلاثة ولدا، لا ذكرا يواسيها ولا أنثى تسليها، وهذا ما كان يزيدها ألما وينغص عليها حياتها الرتيبة، وكم تغضب عندما تسمع "لكل شخص من اسمه نصيب"، ومرة كانت تستمع إلى المذياع فقال المذيع ذلك فاستشاطت غضبا فسبت المذيع والمذياع وما أذاع قائلة: "ما هذا الهراء؟ لكل شخص من اسمه نصيب؟ أين نصيبي من اسمي وأنا أفقد أزواجي في كل مرة وليس لي مؤنس من الولد؟ هذا هراء، هراء !" وتقفل المذياع بعصبية.
وفي عشية يوم جميل من أيام الربيع المعتدلة، وعلى غير التوقع فضلا عن الترقب، طرقتْ بابَها جارةٌ ضاحكة مبتسمة تحمل طبقا من الحلوى وباقة من الورود، لعلها قطفتها من حديقة بيت "أم السعد" ذاتها، وابتسامة عريضة على وجهها السمح المغرض وبادرتها بالقول قبل أن تأذن لها "أم السعد" بالدخول:
- أبشري يا "أم السعد" فقد جِئتك خاطبة لزوجي أبي العز، أبشري!
استغربت "أم السعد" الأمر وضحكت رغما عنها من المفاجأة ومن غرابة العرض: "مَرَة تخطب لزوجها ضرة (؟!!!)" ولكنها أرادت استدراج الجارة إلى الحديث ومجاراتها للاستفسار وللاستمتاع بالعرض الغريب والعجيب والمُعجِب في الوقت نفسه، لكنها لم تنس واجب الضيافة فأكرمت زائرتها أيما إكرام جعل لعاب "أم العز" يسيل وعينيها تلمعان من "الغبطة" (!) فقالت وهي تبتسم بخبث كأنها "ريَّا" أو "سكينة":
- لعلك، يا "أم السعد"، تستغربين عرضي هذا، لكن لا تستغربيه فقد أراد "أبو العز" كسر الغيبة عنك وقطع لسان الناس، تفهمين قصدي طبعا، فأقنعني بخطبتك له، رغم كرهي لهذا الأمر، لكن سعادة "أبي العز" من سعادتي، بل هي سعادتي ذاتها، فأرجو ألا تردي خطبته فنشقى جميعا؛ نحن نريد إخراجك من عزلتك هذه، والجار للجار، أليس كذلك يا "أم السعد؟" وقد يكون جاءك سعدك الدائم أخيرا على أيدينا ! فما قولك يا جارتي العزيزة ؟
- بلَى، بلَى، الناس لبعضهم، سأفكر في الأمر فارجعي إلي بعد أيام لعلي أكون قد حسمت رأيي.
- إن شاء الله، إن شاء الله، إلى اللقاء إذن بعد أيام يا عزيزتي !
- إن شاء الله على الرحب والسعة مع السلامة !
وتمر الأيام، وتوافق "أم السعد" على الزواج، ويتم الأمر، وبعد عام، أو أكثر، اجتمع الناس للصلاة عليها في مقبرة البلدة ولم يعرفوا سبب وفاتها فامتزجت التكبيرات بالشكوك والتساؤلات.
البُلَيْدة، صبيحة يوم الأربعاء 6 صفر 1442، الموافق 23 سبتمبر 2020.
تعليق